هل تخضع أنشطة جيش مصر والجهات السيادية لتعديلات قانون منع الاحتكار؟

القانون لا يستثني أحدا وفق تأكيد عضو مجلس النواب محمد فؤاد- جيتي
القانون لا يستثني أحدا وفق تأكيد عضو مجلس النواب محمد فؤاد- جيتي
شارك الخبر
أقر مجلس النواب المصري، الأربعاء الماضي، تعديلات بعض أحكام قانون "حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية"، وسط مطالبات بتطبيق تعديلات مواده على الشركات والأنشطة والقطاعات التابعة للأجهزة والجهات السيادية: كالجيش، والمخابرات العامة، ووزارة الداخلية، والتي تحصل جميعها على إعفاءات جمركية وضريبية واسعة ولها موازنات خاصة بعيدا عن الدولة.

ووفق صفحة جهاز "حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية"، (حكومي)، فإن التعديلات "تعزز استقلالية الجهاز، ليعمل كجهاز رقابي مستقل يتمتع بالاستقلال الفني والمالي والإداري"، مشيرة إلى "استحداث نظام للجزاءات المالية الإدارية على الأشخاص الاعتبارية"، وإنشاء "اللجنة العليا للحياد التنافسي".



وردا على تساؤلات عربي21"، حول احتمال أن يشمل القانون الجديد أنشطة الجيش والجهات السيادية ويمنح جهاز "حماية المنافسة" كجهاز رقابي حكومي سلطة عليها في إطار تطبيق مبدأ تكافؤ الفرص ووقف ممارسات الاحتكار، وفي ظل تأكيد سياسيين وخبراء بأن القانون لن يكون له قيمة إن لم يشمل جميع الكيانات والجهات والهيئات والقطاعات الاقتصادية دون استثناء، أكد عضو مجلس النواب الدكتور محمد فؤاد، أن "القانون لا يستثني أحدا".

ويقلل البعض من قيمة وأهمية بنود القانون إذا لم يتم منح جهاز "حماية المنافسة والمنافسات الاحتكارية"، سلطات مستقلة وقدرات واسعة تنفيذية لتطبيق القانون على أنشطة الجيش والأجهزة السيادية، بما يمكن أعضاء الجهاز الرقابي من فرض تكافؤ الفرص بين جميع الكيانات دون استثناء وحماية السوق المحلي ومنع الاحتكار.

وعبر صفحته بـ"فيسبوك"، تحدث عضو مجلس النواب أحمد فرغلي، عن ما أطلق عليه: "تضارب مصالح، ومنافسة غير عادلة بين القطاع الحكومي والخاص،  واحتكار وتنسيق بين الكيانات الكبيرة خاصة بمجال الحديد والاتصالات".

وأوضح أنه "في إطار مناقشة مشروع القانون تم التأكيد على أهمية تحقيق العدالة في تطبيق القانون بين جميع الكيانات سواء في القطاع الخاص أو الكيانات التابعة للدولة، بما في ذلك الجهات المرتبطة ببعض الوزارات، أو مجلس الوزراء، أو الجهات السيادية".

اظهار أخبار متعلقة



وأشار إلى أنه "أثيرت تساؤلات على صلاحية الجهاز في الرقابة على الجهات الحكومية والتي تحصل على إعفاءات في الجمارك والضرائب بما قد يؤثر على مبدأ تكافؤ الفرص، ويستدعي توضيح مدى خضوع جميع الكيانات لنفس القواعد القانونية دون تمييز لضمان بيئة تنافسية عادلة"، في إشارة منه إلى الامبراطورية الاقتصادية للجيش والجهات السيادية.

المفهوم وغير المقبول

وفي رؤيته، قال الخبير المصري في الاستراتيجية وإدارة الأزمات، الدكتور مراد علي: "الإشكال الحقيقي ليس: هل تخضع الأنشطة الاقتصادية التابعة للجيش أو المخابرات أو الداخلية لقانون حماية المنافسة ومنع الاحتكار أم لا؟، بل: لماذا تمارس هذه الجهات أصلاً أنشطة اقتصادية وتجارية تدخل في نطاق المنافسة مع القطاع الخاص؟".

وفي حديثه لـ"عربي21"، أكد أن "الجهات السيادية، كالجيش والمخابرات ووزارة الداخلية، لها وظائف محددة تتعلق بحماية الأمن القومي، والدفاع عن الدولة، وحفظ النظام العام. ومن الطبيعي أن تحصل على إعفاءات جمركية أو ترتيبات خاصة عندما تستورد أجهزة أو معدات لازمة لأداء مهامها السيادية؛ كأجهزة الاتصال، أو الحواسب، أو المعدات الأمنية، أو المستلزمات الإدارية الخاصة بها. هذا أمر مفهوم ومقبول في حدود الوظيفة العامة للدولة".

واستدرك: "لكن غير المفهوم، وغير المقبول اقتصادياً، أن تتحول هذه الجهات إلى لاعب تجاري يملك مزارع، ومصانع، وفنادق، وشركات مقاولات، ومنافذ بيع، ومشروعات خدمية تنافس القطاع الخاص أمام الجمهور، ثم تتمتع في الوقت نفسه بإعفاءات ضريبية وجمركية، وأراضٍ مميزة، وتمويل ميسر، ونفوذ إداري، وموازنات غير خاضعة للشفافية الكاملة. هنا لا نكون أمام منافسة عادلة، بل أمام تشويه عميق للسوق".

خطوة إصلاحية.. ولكن

لذلك، يرى علي، أن "المطالبة بإخضاع هذه الأنشطة لقانون منع الاحتكار تبدو في ظاهرها خطوة إصلاحية، لكنها في جوهرها تقبل بالمشكلة من أساسها؛ لأنها تفترض أن من الطبيعي أن يكون للجهات السيادية نشاط اقتصادي وتجاري، ثم نبحث فقط عن كيفية تنظيمه".

وأضاف الخبير المصري: "بينما العلاج الجذري هو خروج هذه الجهات من الأنشطة التجارية التي تحتمل المنافسة، وترك السوق للقطاع الخاص، وبعض القطاع العام البعيد عن الشرطة والجيش".

اظهار أخبار متعلقة



وتابع: "ثم إننا إذا افترضنا جدلاً أن القانون منح جهاز حماية المنافسة سلطة رقابية على أنشطة الجيش أو المخابرات أو الداخلية، فالسؤال العملي هو: هل يستطيع أي موظف في هذا الجهاز أن يطلب ملفات مالية أو تعاقدية من جهة سيادية؟".

"وهل يستطيع أن يفتش أو يحقق أو يفرض غرامة أو يحيل مخالفة إلى القضاء؟، ومن سيضمن حمايته إذا فعل ذلك؟"، موضحا أن "هذه ليست أسئلة نظرية، بل هي جوهر المشكلة في بيئة لا تتمتع فيها الأجهزة الرقابية باستقلال حقيقي أمام المؤسسات السيادية".

ويعتقد أن "الإصلاح الحقيقي يبدأ من الفصل الكامل بين الوظيفة السيادية والوظيفة التجارية. الجيش يحمي الحدود، والشرطة تحفظ الأمن، والمخابرات تحمي الدولة من المخاطر، أما الزراعة والفنادق والمقاولات والتجارة والصناعة المدنية، فهذه مجالات يجب أن تُترك للسوق العادل، ولشركات تخضع للضرائب والجمارك والرقابة والإفصاح مثل الجميع".

إمبراطورية الجيش وامتيازاتها

ويمتلك الجيش 3 كيانات عسكرية تعمل في المجالين العسكري والمدني، هي وزارة "الإنتاج الحربي" ولديها 20 مصنعا، و"الهيئة العربية للتصنيع"، ولديها 12 مصنعا، و"جهاز مشروعات الخدمة الوطنية" ويدير 13 مصنعا، وفق مواقع الهيئات العسكرية على الإنترنت.

ويعمل آلاف الضباط واللواءات المتقاعدين، بشركات ومصانع الجيش لتصنيع الإلكترونيات، والأجهزة المنزلية، والسيارات، والأغذية والمشروبات، واللحوم والدواجن والأسماك، وأعمال الطرق، والحديد، والإسمنت، ومواد البناء، والمحاجر، والمقاولات، وقطاع التعدين، والاستصلاح الزراعي، والملابس، والتبغ، والسيارات وقطع الغيار، والبيع بالتجزئة، والإعلام والترفيه، وأشباه الموصّلات ومعدّات أنظمة النقل الذكية، والمعدّات الصلبة والتجهيزات التكنولوجية، وفقا لتقرير البنك الدولي، كانون الأول/ ديسمبر 2020.

وذلك بجانب مبيعات الأراضي، ومشاريع العقارات، ومخططات البنية التحتية، بما فيها بوابات تحصيل الرسوم بالطرق، والتي يتم توجيه إيراداتها اليومية، مباشرة للحسابات العسكرية التي لا يمكن للسلطات المدنية الوصول إليها.

وتتمتع مشروعات الجيش بإعفاء من ضريبة القيمة المضافة التي تم فرضها بقانون عام 2016، ومن الضريبة العقارية بقرار وزير الدفاع عام 2015، ومن ضريبة الدخل بحسب المادة (47) من قانون 2005، ومن رسوم الاستيراد وفقا لقانون "الإعفاءات الجمركية" عام 1986.

ويعد الجيش الجهة المسؤولة عن استيراد الذهب، ولا تخضع إيراداته للرقابة المدنية، وتستفيد شركاته من الإعفاءات الضريبية، والوصول إلى أراض زراعية خصبة، واستخدام المجندين كعمالة رخيصة.

ويمنح قانون صدر عام 2014 وزارة الدفاع سلطة الموافقة على استغلال المعادن وفرض رسوم على جميع عمليات التعدين، مع وجود الغالبية العظمى من مواقع الاستخراج في مناطق تسيطر عليها القوات العسكرية.

جهاز مستقبل مصر

إمبراطورية جديدة أكثر اتساعا ونموا للجهاز شديد الغموض، وكثير التكليفات، والذي نال الكثير من الأعمال على حساب أجهزة حكومية، ومازال دوره وأعماله وميزانيته وأرباحه من الأمور الغامضة، منذ تدشينه بقرار السيسي (591 لعام 2022)، أيار/ مايو 2022.

وفي تقرير له كانون الأول/ ديسمبر الماضي، وصف الباحث في "مركز مالكوم كير– كارنيغي للشرق الأوسط" ببيروت، يزيد صايغ، الجهاز بأنه "نجم السيسي الجديد"، وانتقد غياب الشفافية عن أعماله من صناعات زراعية، وتربية مواشي، واستزراع سمكي، وإنتاج داجني، وتفعيل البورصة السلعية وإدارتها، واستيراد القمح، وإقامة صوامع تخزين ضخمة، واستغلال البحيرات، ومشروعات للطاقة الشمسية، واستحواذ على حصص بشركات أغذية، واستصلاح أراضي، وسياحة.

وبناء مدن جديدة مثل (جريان) على فرع صناعي من مياه النيل بتكلفة  1.5 تريليون جنيه بعد تدشين "نيشنز أوف سكاي"، كذراع عقاري للجهاز، بجانب التعاقد مع "هواوي" الصينية بمشروعات خدمات الحوسبة السحابية، والذكاء الاصطناعي، ومنصّات سلاسل التوريد.

وتخضع "نصف مساحة مصر المزروعة لقيادته وإشرافه"، وفق هيئة الاستعلامات الحكومية، حيث توسعت محفظة مشروعاته الزراعية بعد استصلاح 200 ألف فدان عام 2021، ليسند السيسي له زراعة 2.2 مليون فدان بمشروع الدلتا الجديدة ومشروعات أخرى بمحافظات: المنيا، وبني سويف، والفيوم، وأسوان، وواحة الداخلة، ومنطقة العوينات، لزراعة 4.5 مليون فدان بحلول 2027.

المخابرات العامة

في ظل تغول إمبراطورية الجيش على الاقتصاد المصري وفق تقارير محلية ودولية، نمت في سرية تامة إمبراطورية المخابرات العامة المصرية في قطاعات والبناء والإسكان والخدمات المالية، والإعلام والإنتاج الفني الدرامي والسينمائي، إلى جانب ملف استيراد الغاز من الكيان الإسرائيلي المحتل.

ووفق المعلومات القليلة المتداولة فهناك 3 كيانات كبرى للمخابرات، أولها وأقدمها قطاع الإنشاءات، وثانيها وأكثرها ضجة قطاع الإعلام، وثالثها ملف استيراد الغاز من إسرائيل أشدها سرية وغموضا.

وتبرز هنا: الشركة "الوطنية للمقاولات والتوريدات"، التي تنفذ من خلالها أعمال المقاولات العامة والتشييد والبناء والإنشاءات والتوريدات، وأعمال المرافق والطرق والصيانة، التركيبات الميكانيكية والكهربائية، وغيرها.

وفي هذا الإطار تنفذ شركة "وادي النيل للمقاولات والاستثمارات العقارية" قطاعا كبيرا من مشروع تطوير الريف المصري، الذي أعلن عنه السيسي كانون الثاني/ يناير 2021.

كما تستحوذ الشركة المملوكة للمخابرات العامة على 40 بالمئة من عقود ومناقصات وتكليفات بناء وإعادة إعمار المستشفيات الحكومية، وتوريد المعدات الطبية لوزارة الصحة، بحسب تقرير لموقع "الدستور" المحلي 26 تشرين الأول/ أكتوبر 2019.

كما تمتلك المخابرات مصنع المستنسخات الأثرية بمدينة العبور، الأول من نوعه في مصر والشرق الأوسط، بشركة "كنوز مصر للنماذج الأثرية".

وبحسب تقرير لمركز "كارنيغي" 14 كانون الأول/ديسمبر 2019، فإن "الشركة الحائزة على 70 بالمئة من سعة خدمة الإنترنت في مصر مملوكة بشكل ما للمخابرات العامة"، كما أن الجهاز "نافذ أيضا في الهيئة القومية لتنظيم الاتصالات"، ويملك كذلك "شركة (الشرق) التي تتصدر ملف الغاز".

وأضاف تقرير "كارنيغي": "ويُعتقد أن بعض شركات القطاع العام هي شركات واجهة، مثل تلك التي تقع تحت علامة (جنوب الوادي) القابضة".

ولفت التقرير كذلك إلى دور "الهيئات العسكرية والمخابرات العامة باستيراد المحاصيل والمواشي السودانية إلى مصر"، وأيضا" قيام شركة (النيل الوطنية للملاحة) بإنتاج الأفلام السينمائية والمسلسلات التلفزيونية والمقاطع الموسيقية".

تقنين الاستثناءات

ممتلكات تلك الأجهزة السيادية غير خاضعة لأية جهات رقابية مدنية، فلا تخضع لمحاسبة البرلمان أو مراجعة الجهاز المركزي للمحاسبات أو مراقبة الرقابة الإدارية، ولا يجوز لأي جهة مدنية الاطلاع على حسابات ومكاسب أو خسائر الجهاز وجميع الأجهزة السيادية الأخرى.

كما أنه ليس من حق القضاء المدني محاسبة العسكريين وبينهم قادة جهاز المخابرات في قضايا الكسب غير المشروع حيث يتم إحالتهم للنيابة والقضاء العسكري.

اظهار أخبار متعلقة



بل إن (المادة 77) من "قانون المخابرات العامة" تنص على أن "تدرج ميزانية المخابرات العامة كمبلغ إجمالي في ميزانية وزارة الحربية أو القوات المسلحة، على أن يتم التصرف فيها من دون الرجوع إلى السلطات المالية بهاتين الجهتين".

وتتمتع المخابرات العامة بما يتمتع به الجيش وشركاته والمخابرات الحربية والشرطة ومؤسساتها من إعفاء أرباحها من الضرائب بحسب المادة (47) من قانون "ضريبة الدخل" لعام 2005، مع إعفاء وارداتها من أي ضريبة وفقا لقانون "الإعفاءات الجمركية" لعام 1986.

كما أن المادة 79 من القانون "تعفى المخابرات العامة من أداء الضرائب والرسوم الجمركية على الأصناف اللازمة لأعمالها التي تستوردها من الخارج".
التعليقات (0)