أبراج جديدة في الصحراء.. هل مصر بحاجة إلى بناء مدن جديدة؟

المشروع تقدر تكلفته بنحو 1.4 تريليون جنيه ويشمل 165 برجا سكنيا وإداريا وفندقيا- الأناضول
المشروع تقدر تكلفته بنحو 1.4 تريليون جنيه ويشمل 165 برجا سكنيا وإداريا وفندقيا- الأناضول
شارك الخبر
أثار إعلان رجل الأعمال المصري هشام طلعت مصطفى بناء مدينة سكنية جديدة بالشراكة مع النظام المصري متمثلة في "البنك الأهلي" أكبر البنوك الحكومية في البلاد بتكلفة 1.4 تريليون جنيه مصري (27 مليار دولار)، جدلا واسعا وتساؤلات حول مدى حاجة البلاد إلى بناء مدن جديدة وخاصة في الصحراء.

وفي مؤتمر صحفي السبت، أعلن الملياردير المصري، أن المجموعة الاقتصادية التي تحمل اسمه ستبني مدينة (ذا سباين)، داخل مساحة مدينته السكنية الراقية الأولى "مدينتي" شرق القاهرة (نحو 24 كيلومتر من العاصمة الإدارية الجديدة).

وذلك لإنشاء 165 برجا بين سكني وإداري وفندقي، بتكلفة 1.4 تريليون جنيه مصري (27 مليار دولار)، بالشراكة مع البنك الأهلي المصري برأس مال مدفوع قدره 69 مليار جنيه (1.3 مليار دولار)، تمثل نسبة 24 بالمئة من المشروع.

وقال مصطفى، إن المشروع يعادل حوالي واحد بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي لمصر، ومن المتوقع أن يدر حوالي 818 مليار جنيه من عائدات الضرائب لميزانية الدولة على المدى الطويل، مع توفير 55 ألف فرصة عمل، متوقعا مبيعات تقدر بنحو 1.7 تريليون جنيه، وذلك دون أن يحدد توقيتات زمنية لبدء المشروع والانتهاء منه، كما لم يفصح عن وجود شركاء آخرين إلى جانب شركته من عدمه.

اظهار أخبار متعلقة



ولفت إلى أن المشروع يستهدف استقبال عشرات ملايين الزوار سنويا، بما يعزز مكانة مصر كمركز إقليمي للأعمال والاستثمار والتسوق، والترفيه، والابتكار، خاصة وأن الأبنية تعتمد أنظمة الإدارة الذكية، مشيرا إلى دراسات تمت وتجيب على السؤال: كيف تصبح مصر وجهة أولى للشركات العالمية؟.

وفي المؤتمر الذي غاب عنه السيسي، أضاف طلعت مصطفى، أن المشروع يضم أكثر من مليون ونصف متر مسطحات خضراء ومناطق مفتوحة تمثل 70 بالمئة من سطح المشروع، ما يثير المخاوف على استهلاك كميات كبيرة من المياه في الوقت الذي تعاني فيه البلاد من شح مائي وتأزم وضعها في ملف مياه النيل والسد الإثيوبي على النيل الأزرق.




توجه خطير

وخلال العقد الأخير بنت مصر عشرات المدن التي تقول التقارير الصحفية الأجنبية إن رأس النظام المصري عبدالفتاح السيسي، بنى أغلبها للأثرياء، وللهرب من ثورات غضب المصريين إلى الصحراء، مؤكدة أن أغلبهم لا يمكنهم الشراء والسكن بها، ومنها "العاصمة الجديدة"، و"العلمين الجديدة"، و"الجلالة"، ومؤخرا "جريان" على فرع يجري شقه حديثا من نهر النيل، بجانب التوسع بالساحل الشمالي الغربي للبحر المتوسط.

وغالبا ما تُواجه هذه المدن بانتقادات تتعلق بـ"أولويات الإنفاق" في ظل الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها البلاد وأزمة ديون خارجية بنحو 164 مليار دولار، وسط تساؤلات هل هي موجهة للطبقات المتوسطة والفقيرة أم أنها مدن لأثرياء والنخبة؟.

وفي العاصمة الإدارية الجديدة (الحي السكني R7 و R8)، يبدأ سعر متر الشقق السكنية من 35 حتى 55 ألف جنيه، لتبدأ أسعار التاون هاوس من 15 مليون جنيه وتتجاوز 45 مليون جنيه للفيلات، لتصل أسعار المتر بالعلمين الجديدة في الأبراج والمنطقة الشاطئية بين 90 و150 ألف جنيه للشقق، وبين 25 و80 مليون جنيه للفيلات، فيما تسجل أسعار الشاليه الصغير نحو 10 ملايين جنيه بالساحل الشمالي الغربي، وبين 35 و200 مليون جنيه للفيلات.

اظهار أخبار متعلقة



ويرى خبراء أن المشروع الذي جرى إطلاقه من قلب مقر مجلس الوزراء الفخم بالعاصمة الجديدة، وبحضور رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، ومحافظ البنك المركزي حسن عبدالله، "توجه خطير على الدولة المصرية يأكل من رصيد الصناعة والزراعة والإنتاج الحقيقي وتوطين التكنولوجيا".

ويعتقدون أن "بناء مدن جديدة قريبة من العاصمة الجديدة الخاوية من السكان يضر بها ويقلل من الإقبال عليها"، ملمحين إلى أنه "وسط توجيه الدولة نحو القطاع العقاري تحول بعض رجال الصناعة إليه، ما يمثل خسارة كبيرة"، وفق رؤيتهم.

ويأتي الإعلان عن المدينة الجديدة في الصحراء بعد يوم واحد من تحذير  الملياردير المصري نجيب ساويرس، الجمعة، من تداعيات اقتصادية أوسع لحرب إيران، متوقعا خفض المبيعات العقارية في مصر وتراجع طلب المستثمرين العرب والأجانب، وارتفاع أسعار العقارات بزيادة تكاليف الطاقة ومواد البناء، وفق موقع "الشرق".

طلعت مصطفى وشراكات مثيرة

وطلعت مصطفى مؤسس مدينة "مدينتي" شرق القاهرة منذ 2006، صاحب أدوار واسعة في بناء المدن والمشروعات الجديدة بالتعاون مع حكومة السيسي، الذي قضى له بعفو رئاسي حزيران/يونيو 2017، بعد قضاء 9 سنوات من عقوبته البالغة 15 عاما بقضية مقتل المطربة اللبنانية سوزان تميم.

ومن بين مشروعاته الهامة وبشراكة إستراتيجية مع الدولة قرية "ساوث ميد"، بالساحل الشمالي الغربي بمساحة 23 مليون متر مربع وباستثمارات تريليون جنيه، وبإشراف الهيئة الهندسية للقوات المسلحة القوات المسلحة المصرية، فيما شهدت عمليات إخلاء المواطنين في 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2024، اشتباكات بين قوات الجيش وأهالي قرية جميمة التابعة لمحافظة مرسى مطروح.

وذلك إلى جانب مشروع مدينة "نور" في قلب "حدائق العاصمة" أمام العاصمة الإدارية الجديدة على طريق السويس، وتمتد على مساحة 5 آلاف فدان بالشراكة مع الدولة المصرية متمثلة في هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة.

كما أن للملياردير المصري شراكات واسعة مع شركات ورجال أعمال إماراتيين وخاصة في صفقة الفنادق السبعة التاريخية التي تمت في كانون الأول/ديسمبر 2023، وحصلت فيها القابضة (ADQ) و"أدنيك" الإماراتيتين على نسبة 40 بالمئة من شركة "آيكون" المالكة للفنادق.

ضمن خطط تطوير القاهرة

وفي إجابته على السؤال: "هل مصر في حاجة إلى مدن جديدة؟، قال الخبير الاقتصادي الدكتور عبدالنبي عبدالمطلب، لـ"عربي21"، إن "الاجابة على هذا السؤال تقتضي معرفة خطط الحكومة بالسنوات العشر القادمة، وأعتقد أن هناك رغبة أو خطط طويلة الأجل للتحول للمنطقة المحيطة بالعاصمة الجديدة".

وأضاف: "هذا كلام معلن، وهناك خطة لتطوير القاهرة الخديوية بما يعني بيعها وتحويلها إلى منطقة سياحية وتجمع فنادق، ومن هنا متوقع إجلاء غالبية السكان الموجودين بهذه المناطق الفخمة بجانب العجوزة والمهندسين، وليس وسط البلد فقط، وتحويلها لمناطق جذب سياحي وتقليل عدد السكان فيها، ومن هنا تبني الدولة بنايات فاخرة على غرار مباني مناطق القاهرة الفاخرة".

إصرار حكومي ما سببه؟

وفي تقديره لأسباب إصرار الدولة على مشروعات المدن السكنية الفاخرة، أكد عبدالمطلب، أن "هناك اعتقاد راسخ لدى القائمين على الأمر بأن التنمية العقارية أسرع وسيلة لتحقيق معدلات نمو، وفق طريق عمل المقاول: يبني ويبيع ويحصل على الربح ثم يكرر الأمر ويحصل على الربح في دورة رأسمال قصيرة نوعا ما".

اظهار أخبار متعلقة



وأشار إلى أنه "غالبا الأرباح تكون مضمونة؛ لأنه للأسف وكما هو معروف أن الدولة عندما تبني تحصل على الأرض بالمرافق (إمدادات المياه والكهرباء والغاز والطرق وغيرها) بأقل الأسعار، وقد تحصل عليها دون مقابل والخدمات تحصل عليها بأقل الأسعار، ما يحقق نسب ربح مرتفعة جدا".

ولفت إلى أنه "في المقابل فإن مسألة التصنيع التي قد تأخذ فيها الدولة الأرض بالمجان كذلك إلا أنها تبني أبنية وتحتاج إلى آلات وأدوات تدفع مقابلها ومقابل المنتج وتدفع للعمالة الفنية، ثم تحتاج لجهاز تسويق للمنتجات الصناعية بالداخل والخارج، كما أن بعض الإنتاج الصناعي والزراعي قابل للمكسب والخسارة، بعكس العقارات التي لا خسارة فيها سواء قررت بيعه أو أبقيت عليه فتضمن قيمة المال المستثمر في تلك الأصول، وغالبا كما هو واضح تزيد أسعارها كل فترة".

تغليب الربح على الأولويات

وعن رؤيته لأسباب عدم توجيه الدولة تلك الأموال والاستثمارات الحكومية إلى إنشاء مشروعات إنتاجية تصنيعية وزراعية عملاقة ذات تأثير وقيمة عالية، على غرار "مجمع ألومنيوم نجع حمادي"، أو "مصانع كيما"، ومصانع الأسمدة العديدة أو شركة السكر، قال إن "المسألة مرتبطة بتوجه حكومي نحو الأولويات الخاصة بها".

وتحدث عن حكومة حالية يرأسها الدكتور مصطفى مدبولي، الحاصل على دكتوراه في الهندسة المعمارية عام 2000، موضحا أنه "بالتالي فهذا المجال الذي يهتم به والذي له فيه خبرة، أيضا كل دراسات حكومته تقول إنه يستطيع أن يحقق أرباحا من الاستثمار في هذا القطاع؛ أما أن تبني مصانع ومزارع فالأمر يحتاج فكر آخر".

وأعرب الخبير المصري في نهاية حديثه عن أسفه من أنه "في المقابل هناك عجز دائم بالموازنة العامة للدولة، والكثير من المشاكل الاقتصادية فيكون الحل الأسهل لدى الحكومة تدوير رأس المال أو الأموال المتاحة بدورات رأس المال السريع التي تمكن من استخدام رأس المال وإدارته بالسوق لأكثر من مرة في زمن أقل مما تحتاجه المصانع والمزارع ومن هنا تتغلب فكرة تحقيق الربح على فكرة الأولويات".

احتفاء في غير محله

وإزاء مشهد الاحتفاء الحكومي بتدشين المدينة الجديدة، أعرب الخبير الاقتصادي محمد النجار، عن أمنيته أن يرى الحكومة بكاملها وهي تحتفل بالإعلان عن مشروع صناعي أو زراعي أو تكنولوجي بتكلفة تريليون جنيه، مطالبا البنوك بتقليل التمويل العقاري، مشيرا لضرورة التعلم من أزمة الحرب (الأمريكية-الإسرائيلية) على إيران، مؤكدا أن الصناعة والزراعة والتكنولوجيا أهم من الأبراج وناطحات السحاب.

وأكد أن سيطرة القطاع العقاري على الاستثمارات في مصر، له عدة أسباب، منها: دعم الدولة هذا التوجه، والرؤية العامة بالتركيز على القطاع العقاري والعقارات الفارهة ذات الرفاهية اللامحدودة لجذب مشترين عربا رغم أن الأسعار في مصر تخطت بعض الدول الأوروبية.

ولفت إلى أن "أرباح القطاع العقاري سهلة وبالذات للشركات التي كونت اسم وتاريخ فهو يشتري الأرض وأغلب ثمنها بقروض من البنوك ثم يقبض مقدمات وأقساط من الناس على الماكيت والإعلانات المبهرة التخيلية وبالتالي يحقق عائدا فوريا"، مشيرا في المقابل إلى أن المشروعات الصناعية معقدة وتحتاج لسنوات قبل أن تبدأ في تحقيق الأرباح  بجانب المخاطر الكبيرة المرتبطة بتوفير الخامات والطاقة ومخاطر سعر العملة.

وأكد أن "الدول والأمم تبني نهضتها بصناعة متطورة وحديثة وزراعة تحقق الاكتفاء وتوفر خامات صناعية وتكنولوجيا... ".


التعليقات (0)