لم يكن الطفل البالغ من العمر ست سنوات يدرك أن المقطع المصور الذي ظهر فيه سيتحول خلال ساعات قليلة إلى قضية رأي عام. أمام عدسة هاتف محمول، وبين أشخاص بالغين، بدا الطفل وهو يُدفع إلى تجرّع "مشروب كحولي"، بينما كانت الكاميرا توثّق المشهد كما لو أنه مادة ترفيهية معدة للنشر والتداول.
ما إن انتشر الفيديو على مواقع التواصل الاجتماعي حتّى انفجرت حالات الغضب والاستنكار، تجاوزت حدود الاكتفاء بالتعليقات إلى مطالبات بفتح تحقيق ومحاسبة المتورطين.
وعبر المجلس الوطني لحقوق الإنسان عن قلقه إزاء خطورة الأفعال الظاهرة في المقطع وتداولها الواسع. فيما أكّد أن الفيديو يمس مباشرة بكرامة الطفل وسلامته النفسية، وينتهك حقه الأصيل في الحماية من كل أشكال الاستغلال أو الإهمال.
اظهار أخبار متعلقة
ومع تصاعد حدة الانتقادات والمطالبات بالمحاسبة، خرج أحد الأقارب الذين ظهروا في مقطع الفيديو بمقطع اعتذار موجه للشعب
المغربي، محاولا تبرير الموقف وتخفيف الاحتقان، حيث ادعى أن المحتوى تم فهمه بشكل خاطئ وأن المشهد لم يتضمن شرب الخمر، بالقول: "الطفل لم يكن يشرب الخمر، كان يشرب مشروبا غازيا".
وعلى الرغم من محاولات التبرير، جاء الحسم من السلطات الأمنية، بالقرب من مدينة بنسليمان، إذ تم توقيف ثلاثة أشقاء يشتبه في تورطهم في هذه القضية التي تهم تحريض طفل قاصر يبلغ من العمر 6 سنوات على استهلاك مشروب كحولي. ليلحقا بشقيقهما الأول الذي اعتُقل قبل ذلك بيوم واحد، في عملية تمت بتنسيق وثيق مع عناصر الدرك الملكي.
من جهتها، منظمة "ماتقيش ولدي/ لا تلمس طفلي" أدانت الواقعة، معتبرة أنّ: "هذا التصرف اللامسؤول يشكل تهديدا مباشرا لسلامة الطفل الجسدية والنفسية" كما أشادت بسرعة تدخل مصالح الدرك الملكي، التي تمكنت في وقت وجيز من تحديد هوية المشتبه فيه وتوقيفه، قبل أن تكشف التحريات أن المعني بالأمر هو شقيق الطفل الضحية.
وأكدت المنظمة في بلاغ لها، وصل "عربي21" نسخة منه، أنها تتابع باهتمام قرار النيابة العامة المختصة القاضي بوضع المشتبه فيه تحت تدبير الحراسة النظرية، مطالبة بتطبيق أقصى العقوبات القانونية في حقه، بما يضمن إصدار حكم رادع لكل من تسول له نفسه استغلال الأطفال أو تعريض سلامتهم وحياتهم للخطر.
غير أن ما أثارته قضية الطفل لم يكن مجرد سؤال حول حدود المسؤولية الأخلاقية أو الجنائية للأشخاص الذين ظهروا في الفيديو، لكن أعاد سؤالا أكبر إلى الواجهة: ماذا يحدث عندما يصبح الطفل نفسه مادة للمحتوى الرقمي؟ وأين ينتهي حق الأسرة في مشاركة لحظاتها الخاصة، ويبدأ استغلال الطفل من أجل الشهرة أو الربح أو صناعة التفاعل؟
أطفال تحت سلطة الخوارزميات
"كلما زاد التفاعل ارتفعت فرص الانتشار، وكلما ارتفعت نسب المشاهدة ازدادت فرص الربح من الإعلانات والتعاونات التجارية والهدايا الرقمية" هكذا تُصنع الشهرة الرقمية اليوم، إذ لم يعد "المؤثرون" بحاجة إلى حدث استثنائي أو موهبة فريدة، وهذا بالضبط ما يسير عليه صناع المحتوى في المغرب ممن يوظفون أطفالهم، بحسب عدد من رواد مواقع التواصل الاجتماعي.
داخل هذه المعادلة، أوضح عدد من المتحدّثين لـ"عربي21" أنّ: "الأطفال يمتلكون ميزة لا تتوفر للكبار. فالبراءة والعفوية والعاطفة عناصر تجذب الجمهور بسرعة، وتجعل المحتوى أكثر قابلية للمشاركة والتفاعل. ولهذا السبب أصبحت صور الأطفال ومقاطعهم حاضرة بقوة في الحسابات العائلية والتجارية على حد سواء".
اظهار أخبار متعلقة
ومع الوقت، لا يعود الطفل مجرد فرد من الأسرة يظهر عرضا في صورة أو فيديو، لكن يتحول بشكل تدريجي إلى عنصر أساسي في صناعة المحتوى. يصبح ظهوره شرطا أساسيا لاستمرار التفاعل، كما أنّ يومياته الخاصة تتحوّل إلى مادة استهلاكية ينتظرها الجمهور.
وفي حالات كثيرة، يظهر الأطفال في إعلانات لمنتجات لا علاقة لها بأعمارهم، أو يرافقون آباءهم وأمهاتهم في حملات ترويجية وتجارية، دون أن يكون واضحا ما إذا كانوا يدركون الدور الذي يؤدونه أو حجم الأثر الذي قد يتركه ذلك على حياتهم مستقبلا، وذلك وفقا للمتحدّثين لـ"عربي21".
من العفوية إلى المحتوى
قبل أشهر فقط، تابع آلاف المغاربة قصة الطفل يونس الذي حقق حلما ظل يراوده طويلا، حين التقى لاعب كرة القدم المغربي، حكيم زياش، في ملعب محمد الخامس بمدينة الدار البيضاء. انتشرت صور اللقاء بشكل متسارع على مواقع التواصل الاجتماعي، واحتفى كثيرون بالمشهد الذي جمع الطفل بنجمه المفضل.
بدا حضور الطفل في هذه القصة، طبيعيا وعفويا. لم يكن يونس يبيع شيئا، ولم يكن يؤدي دورا مكتوبا مسبقا، ولم يكن مطلوبا منه أن يثير الجدل أو أن يجذب المشاهدات. كان ببساطة طفلا يعيش لحظة استثنائية أراد الناس مشاركتها معه.
لكن على الجانب الآخر من المشهد الرقمي، تظهر نماذج مختلفة تماما. أطفال يتحولون إلى شخصيات دائمة الحضور أمام الكاميرا، يشاركون في إنتاج المحتوى بشكل يومي، ويؤدون أدوارا تفوق أعمارهم، ويتحدثون في مواضيع لا تنتمي إلى عالمهم الطفولي، أو يُدفعون إلى تقليد سلوكيات وتصرفات تستهدف إثارة التفاعل والانتشار.
هنا تحديدا، رصدت "عربي21" تداول سؤال على المحتوى المغربي الذي يضم أطفالا يصنعون المحتوى رفقة آبائهم: هل الأمر يتعلق بمشاركة عائلية طبيعية، أم أننا أمام شكل جديد من أشكال الاستثمار في
الطفولة؟
طفولة على الملأ
الطفل الذي يُصوَّر وهو يبكي، أو يُعاقب، أو يتعرض لموقف محرج، أو يُدفع إلى أداء أدوار تثير الضحك، قد يجد نفسه عقب سنوات أمام أرشيف كامل من الصور والمقاطع التي لم يختر نشرها بنفسه، لكنها أصبحت جزءا من تاريخه الشخصي المتاح للجميع.
وتزداد المخاوف، كذلك، مع تنامي ظاهرة التنمر الرقمي، حيث يصبح الطفل عرضة لتعليقات قاسية وانتقادات وسخرية قد لا يمتلك الأدوات النفسية الكافية للتعامل معها. وبينما ينسى الجمهور المحتوى بعد أيام أو أسابيع، قد تبقى آثاره النفسية عالقة لدى الطفل لفترة أطول بكثير.
هذا بالضبط ما كانت تتعرض له الطفلة "ياقوت"، التي اشتهرت بالظهور رفقة والديها، خاصة والدتها، على منصتي تيك توك وإنستغرام. وقد دفعت هذه الشهرة إلى مشاركتها في سيتكوم رمضاني، وعدد من الإعلانات التجارية، إضافة إلى فيديو كليب غنائي. كما اضطرت والدتها في أكثر من مناسبة إلى الظهور في مقاطع فيديو موجهة للتفاعل مع التعليقات السلبية، داعية المتابعين إلى الانتباه لكلماتهم.
في المقابل، أكّدت والدتها في أكثر من مرّة أن طفلتها تستمتع بما تقوم به، وأنه في حال عبّرت يوما عن رفضها للتصوير سيتم احترام رغبتها، مشيرة إلى أن مستواها الدراسي جيد جدا، وأنه يتم التنسيق مع المدرسة في فترات التصوير المكثف.
وفيما يرى المدافعون عن حقوق الطفل أن القضية لا تتعلق فقط بالخصوصية، وإنما أيضًا بالحق في النمو بعيدا عن الضغوط التي تفرضها الشهرة المبكرة، وعن منطق التقييم المستمر الذي تحكمه أرقام الإعجابات والمشاهدات والتعليقات؛ يستمر صناع المحتوى في رفع نسب مشاهداتهم وتكثيف إعلاناتهم مع أطفالهم، مصرّين على أنهم يصنعون مستقبلا أفضل لأبنائهم، مع التأكيد في الوقت ذاته على حرصهم على مسارهم الدراسي.
عندما تصبح الطفولة قضية قانون
على مستوى النقاش العمومي في المغرب، لم يعد موضوع الأطفال في الفضاء الرقمي مجرد جدل أخلاقي، وإنّما بدأ يأخذ شكلا تشريعيا متصاعدا داخل البرلمان. مقترحات متعددة تتحدث عن "سن الرشد الرقمي"، غالبا ما يتم تحديده في 16 سنة، بهدف تقنين ولوج الأطفال إلى المنصات الرقمية، أو على الأقل فرض موافقة الوالدين قبل إنشاء الحسابات أو استغلال البيانات.
هذا النقاش، كما يبرزه متفاعلون على مواقع التواصل الاجتماعي في المغرب، يعكس قناعة متزايدة بأن الترسانة القانونية الحالية لم تعد كافية لمواكبة التحولات الرقمية، خصوصا مع صعود أنماط جديدة من الاستغلال لا تحدث داخل المنازل فقط، لكن أيضا في الفضاء العام، عبر قيام بعض الأشخاص الغرباء بتصوير أطفال عفويين في الشارع، وتحويلهم إلى مادة للإنتاج والربح.
اظهار أخبار متعلقة
إلى ذلك، عدد من المؤسسات الحقوقية باتت تؤكّد أن الإشكال لا يكمن فقط في غياب القوانين، وإنّما كذلك في صعوبة تطبيقها داخل فضاء رقمي عابر للحدود، تتحكم فيه شركات تكنولوجية كبرى، ومنصات تعتمد على الخوارزميات أكثر من اعتمادها على الضوابط الأخلاقية أو الاجتماعية.
طفولة تحت الأضواء
في المغرب، كما في دول كثيرة حول العالم، رصدت "عربي21" أنّ عدد من الأطفال تحولّوا إلى أبطال يوميين للمحتوى المنشور على مختلف مواقع التواصل الاجتماعي. وجوه صغيرة تظهر في عشرات المقاطع اليومية، تروي تفاصيل حياتها، وتأكل أمام الكاميرا، وترقص، وتغني، وتشارك في التحديات الرائجة، وتروج في عدد من الحالات لمنتجات وخدمات تجارية، وسط تزايد أعداد المتابعين والمشاهدات والعائدات المالية.
وبينما يرى بعض الآباء أن الأمر لا يتجاوز مشاركة عائلية عادية أو توثيقا للحظات الطفولة، يحذّر حقوقيون وخبراء من أن الحدود بين المشاركة والاستغلال أصبحت أكثر ضبابية من أي وقت مضى، خصوصا عندما تتحول صورة الطفل إلى مصدر دخل أو وسيلة لجذب الجمهور.
اظهار أخبار متعلقة
كان المجلس
الاقتصادي والاجتماعي والبيئي (مؤسسة دستورية) قد كشف، في تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، عن معطيات وصفت بـ"المقلقة" بخصوص ارتفاع احتمال تعرض نسبة مهمة من الأطفال والشباب لمخاطر مرتبطة بالاستغلال الإجرامي للمعطيات الشخصية، على غرار الاحتيال والنصب والقرصنة وسرقة الهوية.
وأوضحت المعطيات التي استند إليها رأي المجلس أن 40 في المئة من هؤلاء يشاركون معطياتهم الشخصية مع أشخاص لا يعرفونهم، و40 في المئة منهم كذلك لا يعرفون كيفية تغيير إعدادات الخصوصية، بينما 30 في المئة لا يعرفون التمييز بين ما يمكن تقاسمه وما لا يمكن.
وفي السياق نفسه، أوصى المجلس بتحديد سن الرُشد الرقمية، مع إدماج التربية الرقمية في المناهج الدراسية في سن مبكرة، وتشديد الرقابة من قبل الوالدين.
وخلال جلسة الأسئلة الشفوية في مجلس النواب المغربي، قال وزير الشباب والثقافة والتواصل، محمد المهدي بنسعيد، إنّ: مكونات الأغلبية الحكومية تناقش مشروع قانون يهم منصات التواصل الاجتماعي، خاصة في ظل الخطر الذي يهدد سلامة الأطفال في الفضاء الرقمي.
وأضاف الوزير: إن الموضوع يهم جميع المؤسسات والأسر، مشيرا إلى أن الوزارة منخرطة بشكل جاد لتحسين هذه الوضعية من خلال حملة تحسيسية تجوب دور الشباب، وذلك بتنسيق مع اللجنة الوطنية لحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي.
وأردف المسؤول الحكومي بالقول: "نناقش حاليا مشروع قانون جديد داخل الأغلبية الحكومية لتأطير هذا المجال، مبرزا وجود فراغ قانوني على هذا المستوى، إذ يتم في الوقت الراهن الرجوع إلى القانون الجنائي كونه الإطار الوحيد؛ مردفا: "ذلك لا يكفي" ويجب معالجة هذا الفراغ من خلال إطار قانوني خاص.
أيضا، النائبة البرلمانية عن الفريق الاشتراكي، عتيقة جبرو، قالت في إحدى مداخلاتها داخل البرلمان، إنّ: "المنصات الرقمية يُستغل فيها الأطفال والمسنون بشكل غير أخلاقي".
وأوضحت جبرو على أنّ: "هذه الظاهرة تمثل اليوم إشكالية حقيقية، إذ يتم تقديم الطفل بطريقة لا تتناسب مع سنه، ويُلقَّن كلاما أكبر من مستواه المعرفي بهدف تحقيق أرباح مالية عبر هذه المنصات"، مشيرة إلى ضرورة وضع قانون يحمي هذه الفئات، من أطفال ومسنين، مما وصفته بـ"سلعة رقمية".
سؤال لم يُحسم بعد
بين طفل التقى نجمه المفضل في لحظة إنسانية عابرة، وآخر وجد نفسه في قلب فيديو صادم هز الرأي العام، تتسع المسافة بين مفهومين للطفولة في العصر الرقمي: طفولة تُعاش، وطفولة تُعرض.
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس فقط من يخطئ ومن يصيب، ولكن من يملك حق تعريف حدود هذه الطفولة في زمن أصبحت فيه الصورة أسرع من القانون، والمنصة أقوى من المؤسسة، والتفاعل أحيانا أقوى من المعنى ذاته؟.