السيسي يقطع الطريق على حلم المصريين بالاكتفاء الذاتي.. لماذا لا يمكن تحقيقه؟

شدد خالد عياد على أهمية الاكتفاء الذاتي لتقليل فاتورة الاستيراد- عربي21
شدد خالد عياد على أهمية الاكتفاء الذاتي لتقليل فاتورة الاستيراد- عربي21
شارك الخبر
قطع رئيس النظام المصري عبدالفتاح السيسي، الطريق على المطالبين بالاكتفاء الذاتي من المحاصيل الزراعية وخاصة القمح في مصر، ما أثار ضجة واسعة وانتقادات.

وبإدارة جهاز "مستقبل مصر"، التابع للقوات الجوية وأحدث الأذرع الاستثمارية بالجيش المصري، وباستثمارات بلغت 800 مليار جنيه توفر مليوني فرصة عمل، افتتح السيسي، الأحد، مشروع "الدلتا الجديدة"، لاستصلاح 2.2 مليون فدان، بمتوسط تكلفة للفدان بين 350 و400 ألف جنيه.



وفي حين وصف بيان رئاسي، المشروع بأنه "أحد أعمدة استراتيجية الدولة لتعزيز الإنتاج الزراعي وتقليص فجوة الاستيراد"، صدم السيسي، الكثيرين بحديثه عن صعوبة الاكتفاء الذاتي رغم ما تم إنفاقه على المشروع العملاق، وما صحبه من مشروعات لإمداد مياه الصرف الزراعي، وإنشاء محطة كهرباء، ورصف طرق بمسافة 12 ألف كيلو.

وفي تصريح قرأ فيه محللون دلالات  خطيرة، قال السيسي: "اوعوا تتصوروا أن دولة يكون عندها اكتفاء ذاتي من المحاصيل الزراعية", مضيفا عن وضع مصر أنه "مهما عملت فلن أحقق الاكتفاء الذاتي"، مشيرا إلى محدودية الأراضي وموارد المياه، مع عدد سكان يصل 110 ملايين.

وبينما كانت توقعات المصريين عبر مواقع التواصل تشير إلى أن تلك المساحة المستصلحة سوف يتم زراعتها قمحا لتحقيق الاكتفاء الذاتي من السلعة الاستراتيجية، فاجأ السيسي، الجميع بتأكيده تخصيص أراضي الوادي والدلتا للمحاصيل التقليدية مثل القمح والذرة، وتوجيه الأراضي الصحراوية للمحاصيل الأنسب لطبيعتها، مثل "البنجر".

وتساءل مصريون: إذا كانت الدولة تتحدث عن صعوبة الاكتفاء الذاتي من المحاصيل الزراعية لضيق المساحة الزراعية وندرة المياه؛ فإلى متى تعجز الدولة عن تحقيق هذا الحلم، رغم التقدم التكنولوجي والطفرات العلمية في الهندسة الوراثية والأبحاث الزراعية؟.

حلم صعب.. والأزمة إلى تفاقم

في إجابته، قال وزير الري المصري الأسبق محمد نصر الدين علام، لـ"عربي21": "أشك أن الهندسة الوراثية والأبحاث الزراعية، تستطيع حل مشكلة الاكتفاء الذاتي؛ ولكنها قد تخفف تداعياتها".

وأضاف: "مصر تعاني نقصا مائيا حادا، ونصيب الفرد ٥٠٠ متر مكعب سنويا، بينما الحد الأدنى للفقر المائي ١٠٠٠ متر مكعب"، موضحا أن "مصر لا تملك مياه تكفي لتحقيق اكتفاء ذاتي من الغذاء، وتضطر لاستيراد كميات ضخمة منه"، ملمحا إلى "تفاقم أزمة الغذاء بزيادة الفقر المائي من عام لآخر مع الزيادة السكانية".

اظهار أخبار متعلقة



وأشار إلى "ضرورة توفير مصادر مالية ذاتية لتمويل احتياجات الغذاء"، موضحا أن "دخل قناة السويس وتصدير بعض المنتجات والمواد الخام لا يكفي لسد احتياجات الاستيراد من غذاء وسلاح، ما يتطلب ضرورة تطوير قطاع صناعي قوي وتصدير منتجاته لتوفير الإيراد المالي المطلوب لسد فواتير الاستيراد".

الحل الحاسم في 4 خطوات

ويرى الأكاديمي المصري والخبير في ملف المياه الدكتور ضياء الدين القوصي، أن "الحل الحاسم هو التغيير الكامل للتركيب المحصولي: بزراعة المحاصيل الأقصر عمرا، والأقل استهلاكا للمياه، والأكبر من حيث الجدوى الاقتصادية، والأعلى من حيث العائد التصديري".

وأضاف لـ"عربي21": "ومن هنا فان الميزة النسبية لن تكون في زراعة الحبوب والأعلاف ولكن تكون بتخصيص مساحات أكبر للخضروات والفاكهة الصيفية والشتوية والأصناف الممتازة من القطن طويل التيلة".

معضلة الفجوة الحقيقية

من جانبه قال الخبير الاقتصادي والبرلماني المصري الدكتور محمد فؤاد، إن "فكرة الاكتفاء الذاتي الكامل لم تعد تُقاس فقط بحجم الأرض أو كمية المياه، بل أصبحت مرتبطة بدرجة كبيرة بالإنتاجية والكفاءة التكنولوجية؛ ودول كثيرة ضاعفت إنتاجها الزراعي رغم محدودية الموارد، بالبحث العلمي، والهندسة الوراثية، والزراعة الذكية، وتحسين البذور، وإدارة المياه بكفاءة أعلى".

وأكد لـ"عربي21"، أنه "في الحالة المصرية، التحدي الحقيقي ليس فقط ندرة المياه أو محدودية الرقعة الزراعية، وإنما الفجوة بين ما تنتجه الأرض فعليًا وما يمكن أن تنتجه باستخدام التكنولوجيا الحديثة؛ ولهذا يصبح الاستثمار في البحث الزراعي والتقنيات الحيوية مسألة أمن قومي غذائي وليس مجرد ملف أكاديمي".

وأوضح أن "الهندسة الوراثية والتعديل الجيني اليوم تُستخدم عالميًا لإنتاج سلالات تتحمل الجفاف والملوحة والحرارة، وتستهلك مياه أقل وتحقق إنتاجية أعلى، كما أن الزراعة الدقيقة والاعتماد على البيانات والاستشعار والتقنيات الحديثة يمكن أن يرفع كفاءة استخدام المياه بصورة كبيرة جدًا".

واستدرك الأكاديمي المصري: "لكن في المقابل، الملف يحتاج إطارًا تشريعيًا وتنظيميًا واضحًا يوازن بين تشجيع الابتكار وضمان الأمان الحيوي، لأن تعطيل البحث العلمي أو تأخير تحديث التشريعات يجعلنا نفقد سنوات في سباق عالمي يتحرك بسرعة"، ملمحا إلى أنه تقدم بمشروع قانون لمجلس النواب بهذا الصدد

متى يكون الاكتفاء أولوية؟

وفي قراءته للمشهد الزراعي المصري، قال أستاذ الاقتصاد الزراعي وعميد كلية الزراعة الأسبق بجامعة الفيوم الدكتور عبدالعظيم مصطفى: "الأمر يتعلق بتوظيف الموارد الاقتصادية في الأمن الغذائي أو التصنيع الغذائي أو الاكتفاء الذاتي، فهي أهداف بعضها قد يتعارض مع الآخر".

وأوضح أنه "عندما يكون لديك عجز بالعملة الصعبة فلكي لا تزيد الضغط على الواردات وعلى العملة الوطنية تضطر للتغيير في التركيب المحصولي على نحو يجعلك تصدر أكثر مما تستورد، وتحقق بعض التوازن".

وألمح إلى أن "المستشارين حول الرئيس يقولون له إن الاكتفاء الذاتي ليس هدف اقتصادي سليم"، موضحا أنه "هدف اقتصادي سليم في أوقات الحروب وعند اضطراب خطوط الإمداد وفي الأزمات الاقتصادية التي نعاني جزء منها حاليا، عندها نفكر في الاكتفاء الذاتي كأولوية".

اظهار أخبار متعلقة



وأشار إلى أننا "الآن من أكبر مستوردي القمح بالعالم، وهذه مشكلة كبيرة، وصانع السياسة هنا يجب أن يصنع توازنا بين خفض فاتورة الواردات وزيادة فاتورة الصادرات على نحو مرن، حيث أن التركيب المحصولي ليس جامدا، والقمح يواجه مشاكل عالمية ويجب توسعة زراعته بالتدريج".

مشروعات الدولة وتغيير المشهد

وحول ما يمكن أن تغيره مشروعات الدولة في مشهد الاكتفاء الذاتي، لفت إلى أن "الاستصلاح الزراعي الآن تقوم به الدولة، وتكلفة مشروع الدلتا الجديدة 800 مليار جنيه عالية لأنه يستخدم أحدث تكنولوجيا لرفع المياه والري بالتنقيط لحل مشكلات الأرض غير المستوية".

وأوضح أن "هناك حالة من الصرف الكبيرة جدا في هذا الملف على الاستصلاح وتوفير مكن وآلات حديثة، ولو لم يفعل ذلك لن يتمكن من تحقيق إنجاز ملموس لأن الاستصلاح يأخذ وقت كبير للوصول للإنتاجية الحدية، والأرض الرملية لكي تصبح منتجة تحتاج بناء تربة وجهد ومال، كما أن المحاصيل لا تقدم المردود المطلوب السريع".

وبجانب ما تقوم به الدولة من مشروعات استصلاح واستزراع، دعا الأكاديمي المصري إلى "دعم الفلاح ومنحه أراضي وتسهيلات ومساحات"، مبينا أن "هناك أراضي ومشروعات زراعية استصلحها الأهالي والجمعيات الزراعية الفئوية ولم يتم تقنين أوضاعهم، ومن يقنن يدفع أسعار عالية رغم أنه من استصلح الأرض"، داعيا إلى مراجعة "السياسة الزراعية في هذه النقطة".

كما شدد على ضرورة "عدم إهمال الأرض الزراعية بالدلتا، والاهتمام بالبحوث الزراعية وزيادة مخصصاتها المالية والأراضي التابعة لها، وعدم تهميش البحث العلمي الزراعي وتقديم حوافز أكبر تنعكس على زيادة الانتاجية واستنباط أصناف وسلالات جديدة"، ملمحا إلى ضعف رواتب الأساتذة والباحثين والمهندسين الزراعيين.

هل هناك مؤامرة؟

وبشأن ما يثيره مراقبون ومعلقون عبر مواقع التواصل الاجتماعي عن وجود مؤامرة لعدم تحقيق مصر الاكتفاء الذاتي من الغذاء والسلاح، وأن هناك من الدول من لا تريد لمصر أن تستقل اقتصاديا، قال مصطفى: "هذه هي السياسة ويجب أن توائم بين مصلحتك وبين مصالح الدول الأخرى".

ويرى أن منح أراضي واسعة لشركات عربية ثم شراء منها المحاصيل أمر "يجب أن يعاد النظر فيه، ولابد أن تكون الأرض المصرية للمصري، ويكون الحافز للمزارع والمهندس، وهذه سياسية غير مدروسة ولها عواقبها لأن الخليج يبحث عن مصالحه فقط".

وأشار إلى حديث سابق للرئيس الليبي معمر القذافي، بأن "غلق ليبيا وغلق السودان المقصود منه خنق مصر"، ملمحا إلى "وجود الكثير من الضغوط الدولية على مصر في ملف المياه والسد الإثيوبي"، ومؤكدا أن "صناع السياسات بالعالم يعرفون من هي مصر، تعاني مشاكل اقتصادية نعم، لكنهم يدركون أنها قوة وتاريخ، ولهذا يضغط البعض بملف الغذاء والسلاح".

لست بمعزل عن العالم

وفي تقديره، لكيفية التغلب على صعوبات هذا الملف شدد الأستاذ بمركز البحوث الزراعية الدكتور خالد عياد، في حديثه لـ"عربي21"، على أهمية الاكتفاء الذاتي لتقليل فاتورة الاستيراد، وأزمة العملة الصعبة، والتخلص من أية ضغوط خارجية.

وأوضح أنه "قبل أعوام تم فرض علينا استيراد قمح مصاب بفطر الأرجوت القاتل؛ ورفضنا صفقة من أمريكا وفرنسا وروسيا فتم عمل حظر على مصر"، مضيفا: "إذا المسألة بكل بجاحة أن تستورد منهم ولكن رد القاهرة جاء بالاستيراد بمواصفاتها وبنسبة بسيطة قمنا بتنقيتها لاحقا".

وأكد أنه لذلك "تم بناء صوامع عملاقة في مناطق عديدة، ومع زيادة الرقعة الزراعية بنسبة 30 بالمئة أنشأت الدولة الطلب عند الفلاح ليزرع القمح كمحصول لا يخسر فيه، وبالتالي يحق مكاسب ويأخذ البذور من وزارة الزراعة ويورد للدولة بالسعر المتفق عليه".

وتساءل عياد: "والآن هل أكون بمعزل عن باقي الدول التي تستورد هي الأخرى، أم أستورد منهم ما ينقصني وهم يستوردون مني ما ينقصهم من فواكه وخضروات وثوم وبصل وموالح وبطاطس وغيرها، فكما أحتاجهم هم يحتاجونني بل إن بعض الدولة تقوم بزراعة مساحات كبيرة بمصر لأن المناخ يساعد على ذلك ونصدر للخارج".

بدائل مصرية

ويلفت إلى أن "محصول كالقمح مستهلك للمياه، ولعمل اكتفاء ذاتي منه أخسر المياه، وهنا يمكن زراعة خضروات بدلا من القمح، وأوفر المياه لزراعات أخرى وأستورد ما ينقص حاجتي وفق اتفاقيات تبادل تجاري مع كثير من الدول، والقرار السيادي أنني لا استورد فقط بل أصدر لهم"، ملمحا في الوقت ذاته إلى "محاولات استنباط أصناف قمح وأرز تتحمل ملوحة وجفاف بعملية بحث مستمر لعلمائنا".

وأضاف: "بينما إثيوبيا تفكر ببناء سدود جديدة في المقابل نتوسع بالدلتا الجديدة، مع تقنين استهلاك المياه في الموز والأرز مثلا وتوفيرها لمحاصيل أخرى وليس وقف زراعة تلك المحاصيل، فلدي خريطة بذرية بأن أقلل مساحة المنزرع في ظل كوني محكوم بالمقننات المائية، وذلك بجانب بناء مخازن استراتيجية تستقبل مخزون لمدة 6 شهور وحتى عامين، وبهذا أؤمن نفسي".

اظهار أخبار متعلقة



ويرى أن "التوسع بالدلتا الجديدة هو تعويض عما تم فقده من البناء بالدلتا القديمة، وسبقها قرار الدولة بهدم أي تعديات على الأراضي الزراعية، والرئيس في افتتاح الدلتا الجديدة قال: هذا المشروع قيمة مضافة لما يتم إنتاجه من الدلتا القديمة".

وحول اعتراف صعوبة الاكتفاء الذاتي رغم تخيل كثيرين أن الدلتا الجديدة ستحقق الاكتفاء، قال الخبير المصري: "لتحقيق ذلك أغلق مصر ولا تصدر ولا تستورد، وهذا مستحيل، ولا يمكنك فصل نفسك عن العالم لأنك تحتاج سلاحا ودواء وغذاء في عالم أصبح قرية، ولا توجد دولة في العالم لديها اكتفاء ذاتي كامل لديها زيادة في شيء ونقص في آخر".

وفي نهاية حديثه أكد أن "مهمة وزارة الزراعة ليست أن تزرع بل أن توجه لزيادة التعاون مع الخارج، وتفتح أسواقا أمام التجار والمزارعين، وتوسع العلاقات مع الدول، وتنظم المؤتمرات لفتح الاستثمارات".

وعبر مواقع التواصل الاجتماعي، وجه مراقبون مصريون انتقادات لمشروع الدلتا الجديدة ولتصريحات السيسي، حول الاكتفاء الذاتي، متسائلين عن التكلفة الباهظة رغم ما أعلنه السيسي من عدم إمكانية تحقيق اكتفاء ذاتيا من المحاصيل الزراعية.






التعليقات (0)

خبر عاجل