شكلت
استقالة رئيس
البرلمان
السنغالي المالك نداي هزة سياسية جديدة في البلاد، كونها مرتبطة بشكل أساسي
بالتطورات المتسارعة والانقسامات داخل النظام الحاكم، وجاءت بعد يومين فقط من قرار
الرئيس السنغالي باسيرو ديوماي فاي بإقالة رئيس وزرائه عثمان سونكو وحكومته.
ويعد نداي حليفا وثيقا
وقديما لسونكو داخل حزب "باستيف" الحاكم، وجاء قرار استقالته خطوة
تضامنية مع سونكو واحتجاجا على قرارات الرئاسة، ما عكس بشكل متزايد التوترات
الحاصلة خلف الكواليس بين ديوماي فاي ورئيس وزرائه المقال.
ويرى مراقبون ومحللون أن
استقالة نداي تهدف بشكل تكتيكي إلى إخلاء المنصب (الذي يمثل السلطة التشريعية)، لتمهيد
الطريق أمام عثمان سونكو للترشح لرئاسة البرلمان، كون حزبهم يحظى أغلبية ساحقة، ما
يصمن له البقاء في واجهة السلطة والقرار.
اظهار أخبار متعلقة
ووفق بيان الاستقالة الرسمي
الصادر عن مكتب نداي الإعلامي، فإن قراره نابع من "خيار شخصي مسترشد بمفهومه للمؤسسات
والمصلحة العامة"، موضحا أن الأوقات الصعبة والأزمات الوطنية تقتضي
"تغليب الحكمة والرؤية المتبصرة والإحساس بالمسؤولية" للحفاظ على السلم
الأهلي والتماسك الوطني.
ما القصة الكاملة؟
جذور
الأزمة السياسية في
السنغال ليست وليدة اللحظة، بل هي نتاج صراع صامت بدأ منذ اللحظة الأولى لتولّي
السلطة في آذار/ مارس 2024. القصة تبدأ من تحالف استثنائي بين رجلين، وتحولها
تدريجيا إلى مواجهة "رأسين في جسد واحد" لإدارة الدولة.
أولا: ديوماي هو سونكو (زنزانة
واحدة)
في أوائل عام 2024، كان
عثمان سونكو هو الزعيم الكاريزمي الملهم للشباب والمعارض الشرس للنظام السابق،
لكنه مُنع من الترشح للرئاسة بسبب ملاحقات قضائية. من داخل زنزانتهما المشتركة،
اختار سونكو ذراعه الأيمن وأمين عام حزبه باسيرو ديوماي فاي، ليكون بديله في
السباق الرئاسي.
خرج الاثنان من السجن قبل
الانتخابات بعشرة أيام فقط تحت شعار واحد هزّ البلاد: "ديوماي موي
سونكو" (ديوماي هو سونكو). فاز ديوماي بالرئاسة بنسبة تخطت 54%، وتولى سونكو
منصب رئيس الوزراء. هنا بدأت إشكالية الحُكم: الرئيس الدستوري هو ديوماي فاي، لكن
الزعيم الفعلي والشعبي للحزب الحاكم هو عثمان سونكو.
ثانيا: بذور الشقاق
مع مرور الوقت، تحولت
العلاقة من "ثنائية متناغمة" إلى معسكرين ونفوذين متنافسين داخل أروقة
السلطة، وتمثلت في عدة خطوات، منها:
⬛ تعديل التحالفات
الرئاسية: في خريف 2025،
قام الرئيس ديوماي فاي بخطوة أثارت غضب جناح سونكو؛ حيث أعاد تنظيم تحالف
"ديوماي رئيس" وعيّن الشخصية السياسية البارزة "أميناتا توري"
لتنسيق التحالف، مُقصياً قيادات مقربة من سونكو.
⬛ الرد بهياكل موازية: شعر حزب "باستيف" بمحاولة تحجيمه، فبدأ سونكو
في بناء منصة سياسية موازية أطلق عليها "التحالف الوطني للعمل والأخلاق"، ما خلق قطبين واضحين داخل المعسكر الحاكم.
ثالثا: الفخ الاقتصادي
وكارثة الديون
القشة الحقيقية التي قصمت
ظهر التحالف كانت الأزمة الاقتصادية الطاحنة، واكتشفت الحكومة الجديدة أن النظام
السابق قد أخفى ديونا ضخمة غير مسجلة بلغت نحو 13 مليار دولار، ما رفع ديون
السنغال إلى نسبة فلكية بلغت 132% من الناتج المحلي الإجمالي، ودفع صندوق النقد
الدولي لتجميد برنامج تمويل حيوي بقيمة 1.8 مليار دولار.
اظهار أخبار متعلقة
هنا ظهر الخلاف الجوهري في
الرؤية وإدارة الأزمة بين رئيس الوزراء عثمان سونكو ورئيس الجمهورية ديوماي فاي،
ويمكن تلخيصه في نقطتين:
⬛ تبنى سونكو موقفا متشددا ورافضا لشروط الصندوق وإعادة
هيكلة الديون بشكل تقليدي، واعتبرها إملاءات تضر بالسيادة الوطنية، فيما رأى فاي
ضرورة التفاوض وتقديم تنازلات لإصلاح الاقتصاد وتجنب الانهيار المالي للبلاد.
⬛ تبنى سونكو أسلوبا سياسيا
صداميا يميل لخطاب الثورة والسيادة ومخاطبة الشارع الشبابي مباشرة، بينما مال
الرئيس فاي إلى الهدوء والالتزام بالمؤسساتية، والظهور بمظهر رئيس كل السنغاليين
بعيدا عن الحزبية.
نقطة الانفجار
تصاعدت حدة "الحرب
الباردة" مطلع عام 2026، وفي آذار/ مارس الماضي، هدّد سونكو علنا بسحب حزبه
من الحكومة والعودة إلى المعارضة إذا انحرف الرئيس عن "رؤية الحزب
الأساسية"، وفي المقابل، خرج الرئيس ديوماي فاي في مقابلة تلفزيونية ليرد
بحزم، مذكرا الجميع بصلاحياته الدستورية المطلقة في تعيين وإقالة رئيس الوزراء،
ومحذرا من أن الحزب "يسير في طريق قد يؤدي إلى انهياره".
وجاءت نقطة اللاعودة خلال
جلسة برلمانية لمساءلة الحكومة؛ حيث اختلف سونكو علنا مع توجهات رئيس الدولة بشأن
إدارة "الأموال السياسية" والميزانية، وبعد ساعات قليلة من هذه المواجهة،
أصدر الرئيس ديوماي فاي مرسوما رئاسيا حاسما بإقالة سونكو وحل الحكومة بالكامل،
ليرد سونكو فورا عبر حساباته بعبارة: "الحمد لله.. الليلة سأنام مرتاح البال
في حي كير غورغي".