درجات حر قياسية في بريطانيا وتحذيرات من "قاتل صامت" يهدد الحياة

يبدو أن مشهد صيف بريطاني معتدل، الذي شكّل جزءاً من الصورة التقليدية للبلاد لعقود طويلة، بدأ يتغير تدريجياً أمام واقع مناخي جديد يفرض نفسه بقوة.. الأناضول
يبدو أن مشهد صيف بريطاني معتدل، الذي شكّل جزءاً من الصورة التقليدية للبلاد لعقود طويلة، بدأ يتغير تدريجياً أمام واقع مناخي جديد يفرض نفسه بقوة.. الأناضول
شارك الخبر
سجلت بريطانيا أعلى درجة حرارة في تاريخ شهر أيار/ مايو، في تطور مناخي غير مسبوق أثار تحذيرات علمية متزايدة من تسارع آثار التغير المناخي، وسط توقعات باستمرار موجة الحر خلال الأيام المقبلة ووصول درجات الحرارة إلى مستويات قد تتجاوز المعدلات الموسمية بفارق كبير.

وأظهرت بيانات أولية صادرة عن هيئة الأرصاد الجوية البريطانية (Met Office) أن درجة الحرارة في مطار هيثرو غرب لندن بلغت 33.5 درجة مئوية ظهر الاثنين، محطمة بذلك الرقم القياسي السابق المسجل لشهر أيار والذي يعود إلى عام 1922 عندما بلغت الحرارة 32.8 درجة مئوية في منطقة كامدن سكوير بلندن، قبل أن يتكرر الرقم نفسه لاحقاً في بعض المناطق خلال أربعينيات القرن الماضي.

وتشير التوقعات المناخية، وفق تقرير لصحيفة "الغارديان" اليوم، إلى أن موجة الحر الحالية لن تتوقف عند هذا الحد، إذ يُنتظر أن تصل درجات الحرارة إلى نحو 35 درجة مئوية خلال الساعات المقبلة، مع استمرار الطقس الحار خلال الأسبوع الجاري، حيث تتوقع هيئة الأرصاد درجات تصل إلى 31 درجة يوم الأربعاء و30 درجة يوم الخميس.

ولم تقتصر المؤشرات القياسية على حرارة النهار فحسب، إذ سجلت بريطانيا أيضاً أعلى درجة حرارة دنيا خلال ليالي شهر أيار، بعد أن بلغت درجة الحرارة في مطار كينلي جنوب لندن 19.4 درجة مئوية، في مؤشر يرى علماء المناخ أنه يحمل دلالات مقلقة تتجاوز مجرد ارتفاع درجات الحرارة خلال ساعات النهار.

ويمثل ارتفاع درجات الحرارة الليلية أحد أكثر المؤشرات خطورة على الصحة العامة، إذ يمنع الجسم من الحصول على فترات الراحة الطبيعية التي يحتاجها للتعافي من آثار الحرارة المرتفعة أثناء النهار، وهو ما يزيد احتمالات الإصابة بالإجهاد الحراري ومضاعفات صحية أخرى.

وفي حين رحب كثيرون بالطقس الحار خلال عطلة نهاية الأسبوع، خاصة مع تزامنه مع الإجازات المدرسية والعطل الرسمية، حذر علماء وخبراء صحة عامة من أن هذه الظواهر المناخية قد تحمل آثاراً صحية خطيرة، خصوصاً على كبار السن والحوامل والمرضى وأصحاب الأمراض المزمنة.

وأطلقت السلطات البريطانية منذ الجمعة تحذيرات صحية من المستوى البرتقالي، وهو مستوى يشير إلى وجود مخاطر محتملة على الحياة نتيجة الارتفاع غير الاعتيادي في درجات الحرارة.

وقالت الباحثة في علوم المناخ بجامعة أكسفورد الدكتورة كلوي بريمكومب إن "الحرارة القياسية الحالية تمثل تذكيراً واضحاً بالطريقة التي يؤثر بها التغير المناخي على الحياة في بريطانيا"، مضيفة أن "الواقع الجديد يفرض ضرورة تسريع خطط التكيف مع موجات الحر المتزايدة".

ويزداد القلق بين الباحثين من ظاهرة تعرف باسم "القاتل الصامت"، وهو الوصف الذي يستخدمه علماء المناخ والصحة العامة لموجات الحر الشديدة، نظراً إلى أن تأثيراتها لا تظهر غالباً بشكل مباشر في الإحصاءات الرسمية، رغم أنها تتسبب في أعداد كبيرة من الوفيات غير المعلنة.

وأشارت دراسات أوروبية حديثة إلى أن ثلثي الوفيات المرتبطة بالحرارة في المدن الأوروبية خلال الصيف الماضي ارتبطت بصورة مباشرة بالتغيرات المناخية المتسارعة.

وفي تقرير حديث صدر الأسبوع الماضي، حذرت لجنة التغير المناخي البريطانية من أن المنازل البريطانية قد تصبح مضطرة مستقبلاً إلى الاعتماد بشكل واسع على أنظمة تكييف الهواء مع وصول درجات الحرارة إلى مستويات "يصعب تحملها".

ودعت اللجنة إلى إدخال أنظمة التكييف خلال السنوات العشر المقبلة في جميع دور الرعاية والمستشفيات، على أن تشمل هذه الإجراءات المدارس خلال ربع القرن المقبل، إضافة إلى وضع حدود قصوى لدرجات الحرارة في أماكن العمل المغلقة والمفتوحة.

وأوضحت هيئة الأرصاد البريطانية أن موجة الحر الحالية جاءت نتيجة تشكل منطقة ضغط جوي مرتفع فوق البلاد، أدت إلى هبوط الهواء وانضغاطه وتسخينه، ما تسبب في ارتفاع كبير بدرجات الحرارة.

غير أن العلماء يرون أن العوامل الجوية الطبيعية وحدها لا تفسر شدة هذه الظواهر، مؤكدين أن ارتفاع متوسط حرارة الأرض عالمياً بفعل الانبعاثات الكربونية جعل موجات الحر الشديدة أكثر تكراراً وحدة من السابق.

وقال غاريث ريدموند كينغ، من وحدة معلومات الطاقة والمناخ البريطانية، إن خفض الانبعاثات الكربونية إلى مستويات صفرية يبقى "الوسيلة الوحيدة القادرة على وقف التغير المناخي والحد من مخاطره".

وأضاف أن المؤشرات المناخية الحالية ترجح تسجيل مزيد من موجات الحرارة المتطرفة خلال العام الجاري، خاصة إذا ترافقت آثار التغير المناخي مع ظاهرة "إل نينيو" المناخية التي ترتبط عادة بارتفاع إضافي في درجات الحرارة عالمياً.

وتثير هذه التطورات تساؤلات متزايدة داخل بريطانيا حول مدى جاهزية البنية التحتية التقليدية لمواجهة مناخ مختلف عما عرفته البلاد لعقود طويلة، خاصة أن المملكة المتحدة لم تكن تاريخياً من الدول التي صُممت مساكنها ومدارسها ومستشفياتها للتعامل مع درجات حرارة مرتفعة وممتدة زمنياً.

ويبدو أن مشهد صيف بريطاني معتدل، الذي شكّل جزءاً من الصورة التقليدية للبلاد لعقود طويلة، بدأ يتغير تدريجياً أمام واقع مناخي جديد يفرض نفسه بقوة، ويعيد رسم العلاقة بين الإنسان والبيئة وحدود التكيف الممكن مع عالم يزداد سخونة عاماً بعد آخر.

اظهار أخبار متعلقة


التعليقات (0)