اجتماع أوروبي طارئ بعد حادثة سبتة.. هل تأثرت منطقة الشنغن؟

أعادت إسبانيا 70 ألفا من أصل 72 ألف مهاجر عبروا إلى سبتة خلال أيام- الأناضول
أعادت إسبانيا 70 ألفا من أصل 72 ألف مهاجر عبروا إلى سبتة خلال أيام- الأناضول
شارك الخبر
أعادت موجة العبور غير النظامية لعشرات الآلاف من المهاجرين إلى سبتة في شمال أفريقيا أزمة الهجرة إلى صدارة المشهد الأوروبي، بعدما أثارت تداعياتها نقاشا واسعا حول مستقبل منطقة الشنغن وسياسات حماية الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي، كما دفعت دولا أوروبية إلى المطالبة بإجراءات أكثر تشددا للتعامل مع الظاهرة.

وفي هذا السياق، أكد وزير الداخلية الإسباني فرناندو غراندي مارلاسكا، الثلاثاء، أن التدفق الأخير للمهاجرين إلى سبتة لم يقوض منطقة الشنغن، مشددا على أن حرية التنقل داخل المنطقة الأوروبية لم تكن معرضة للخطر.

وجاءت تصريحات مارلاسكا عقب محادثات طارئة جمعته بنظرائه الأوروبيين، حيث قال للصحفيين في مدريد: "من الواضح أن هذه الأزمة لم تقوض منطقة الشنغن بأي شكل"، مضيفاً: "اتفقنا جميعاً على أن منطقة شنغن لم تكن في خطر على الإطلاق"، ومؤكداً أنه "لم تكن هناك أي إمكانية لانتقال المهاجرين من سبتة إلى قارة أوروبا".

وأوضح الوزير الإسباني أن عمليات تدقيق جوازات السفر لا تزال مفروضة على الحدود بين سبتة والبر الإسباني، وهو ما يمنع انتقال المهاجرين إلى الأراضي الأوروبية عبر المدينة.


وفي الوقت نفسه، ارتفعت حصيلة ضحايا العبور غير النظامي لعشرات الآلاف من المهاجرين إلى جيب سبتة الأسبوع الماضي إلى 75 قتيلا، بحسب ما قاله مسؤولون الثلاثاء.

ونقلت وكالة فرانس برس عن بعثة الحكومة الإسبانية أن عبور آلاف المهاجرين من المغرب إلى سبتة في 30 تموز/ يوليو أسفر عن وفاة العشرات غرقاً أثناء محاولتهم السباحة حول حاجز نقطة العبور في البحر الأبيض المتوسط.

وبحسب السلطات الإسبانية، أعادت مدريد 70 ألفا من أصل 72 ألف مهاجر إلى المغرب، فيما يواجه من بقوا داخل سبتة أوضاعاً معيشية صعبة.

انقسام أوروبي حول التعامل مع الأزمة

وأعادت أزمة سبتة فتح باب الخلاف بين إسبانيا وعدد من شركائها الأوروبيين، بعدما دعت كل من إيطاليا والدنمارك إلى تعليق عضوية مدريد في منطقة الشنغن، في خطوة عكست حجم القلق الأوروبي من تداعيات الأزمة.

ورغم التوقعات بأن تشهد المحادثات الطارئة بين وزراء الداخلية الأوروبيين أجواء متوترة، أكد مارلاسكا أن الاجتماع جرى "في أجواء بناءة تماما".

اظهار أخبار متعلقة



وفي المقابل، واصل رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز الدفاع عن نهج أكثر انفتاحاً في التعامل مع الهجرة غير النظامية، خلافاً للسياسات الأكثر تشدداً التي يتبناها عدد من القادة الأوروبيين.

كما أطلقت الحكومة الإسبانية خلال العام الجاري برنامجاً لتسوية أوضاع المهاجرين غير النظاميين المقيمين في البلاد، ومن المتوقع أن يستفيد منه نحو 500 ألف شخص، معظمهم من دول أمريكا اللاتينية.

الدنمارك ترحب بالإجراءات الإسبانية

من جهتها، رحبت الدنمارك، التي كانت قد لوحت بإمكانية تعليق التعاون مع إسبانيا في إطار اتفاقية شنغن، بسرعة استجابة مدريد لأزمة دخول عشرات الآلاف من المهاجرين إلى سبتة.

وقال وزير الهجرة والاندماج الدنماركي مورتن بودسكوف إنه "سعيد للغاية باستجابة إسبانيا السريعة، لا سيما بنشرها قوات الشرطة والجيش، وعودة العديد من المهاجرين إلى المغرب".

وأضاف، في بيان صدر عقب الاجتماع الطارئ لوزراء داخلية الاتحاد الأوروبي، أن هذه الأحداث تؤكد "مدى أهمية الحفاظ على سيطرتنا على حدود الاتحاد الأوروبي".

وأشار إلى أن المشاركين في الاجتماع أبدوا "دعماً واسعاً" للمقترحات الدنماركية الرامية إلى تعزيز الرقابة على الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي.

وتسعى كوبنهاغن إلى منح وكالة "فرونتكس" الأوروبية صلاحيات أوسع لنشر موظفيها ومعداتها بصورة أسرع، وتحسين قدرات رصد وتوقع تدفقات الهجرة، وربط المساعدات التنموية بهذه الجهود، إلى جانب إجراء تحليلات مستمرة لأوضاع الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي.

وشدد بودسكوف على أن "الهجرة غير المنضبطة تشكل تهديداً لأوروبا والدنمارك"، مضيفاً أن الدول الأوروبية تتحمل مسؤولية مشتركة في تأمين حدودها الخارجية وتعزيز التعاون مع الدول المجاورة للحد من تدفقات المهاجرين نحو أوروبا.

تحرك أوروبي لتعزيز أمن الحدود

وفي خضم هذه التطورات، دعت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين إلى تبني "تحرك موحد" لتعزيز أمن الحدود، وذلك عقب التدفق الكبير لعشرات الآلاف من المهاجرين من المغرب إلى جيب سبتة الإسباني الأسبوع الماضي.

وفي رسالة وجهتها إلى رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، أشادت فون دير لاين بسرعة استجابة حكومته للأزمة، لكنها شددت في الوقت نفسه على أن ما جرى يؤكد الحاجة إلى بذل مزيد من الجهود لتعزيز حماية الحدود الأوروبية عند النقاط الأكثر حساسية.

وبالتوازي مع ذلك، أعلنت إيطاليا تعليق اتفاقية شنغن مع إسبانيا بصورة مؤقتة، وذلك رداً على حادثة العبور الجماعي في سبتة.

وتلغي اتفاقية شنغن عمليات التفتيش على الحدود الداخلية، ويستفيد منها حالياً أكثر من 450 مليون نسمة في 29 دولة أوروبية.

وكانت رئيسة الوزراء الدنماركية ميتي فريدريكسن قد دعت، الجمعة، الاتحاد الأوروبي إلى النظر في تعليق التعاون مع إسبانيا ضمن إطار اتفاقية شنغن، في موقف تلاقى مع النهج المتشدد الذي تتبناه رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني.

اظهار أخبار متعلقة



وعقب ذلك، دعا قادة الدول والحكومات الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، السبت، وبمبادرة من روما وكوبنهاغن، إلى عقد مباحثات طارئة لتقييم تطورات الوضع في سبتة وبحث آليات التعامل معه.
وفي صباح الثلاثاء، عقد وزراء داخلية الاتحاد الأوروبي اجتماعهم الطارئ عبر تقنية الاتصال المرئي لمناقشة تداعيات الأزمة.

إنقاذ 157 مهاجراً في القنال الإنجليزي

وفي وقت تتواصل فيه تداعيات أزمة سبتة، شهد القنال الفاصل بين فرنسا وبريطانيا حادثاً جديداً يعكس استمرار ضغوط الهجرة غير النظامية، بعدما تمكنت عملية إنقاذ فرنسية-بريطانية مشتركة، صباح الثلاثاء، من إنقاذ 157 مهاجرا إثر احتراق القارب الذي كان يقلهم في طريقه إلى الأراضي البريطانية.

وتعد هذه العملية الأكبر من نوعها منذ سنوات، وجاءت بعد أيام قليلة من عبور عشرات آلاف المهاجرين إلى سبتة، في حادث أعاد ملف الهجرة غير الشرعية إلى واجهة الاهتمام الأوروبي.

وانطلقت قوارب إنقاذ من الجانبين الفرنسي والبريطاني إلى موقع الحادث، حيث تمكن قاربان فرنسيان من إنقاذ 103 مهاجرين، بينما أنقذت القوارب البريطانية 54 آخرين.

وبعد انتهاء عملية الإنقاذ، جرى نقل جميع المهاجرين إلى ميناء مدينة بولون سورمير الساحلية شمالي فرنسا.

وأوضحت البحرية الفرنسية أن النيران اندلعت في القارب المطاطي بعد احتراق محركه.

كما أشارت السلطات الفرنسية إلى أن القارب كان قد غادر، مساء الاثنين، من قرية "فول-ليه-روز" الساحلية التابعة لمنطقة نورماندي.

تكلفة مرتفعة ورحلات محفوفة بالمخاطر

وتواصل فرنسا احتفاظها بموقعها كنقطة الانطلاق الرئيسية للمهاجرين الراغبين في الوصول إلى بريطانيا، إذ يدفع هؤلاء مبالغ مالية كبيرة لشبكات تهريب البشر مقابل نقلهم على متن قوارب مطاطية متهالكة تعبر القنال في ظروف شديدة الخطورة.

وبحسب مصدر في خدمات الطوارئ الفرنسية، دفع كل مهاجر كان على متن القارب المنكوب نحو ألف جنيه إسترليني، أي ما يعادل نحو 1345 دولاراً، مقابل رحلة العبور.

وفي المقابل، كشفت السلطات البحرية الفرنسية أن المهربين يحشرون أحياناً ما يصل إلى 65 شخصاً داخل القارب الصغير الواحد.

وتؤكد الأرقام استمرار المخاطر المرتبطة بهذه الرحلات، إذ لقي أربعة أشخاص مصرعهم الأسبوع الماضي في محاولتين منفصلتين لعبور القنال باستخدام قاربين صغيرين، ليرتفع إجمالي ضحايا عبور القنال منذ بداية العام إلى 14 شخصا، مقارنة بـ29 قتيلاً خلال العام الماضي، وفقاً لوكالة فرانس برس.

سياسات باريس ولندن في مواجهة الهجرة عبر القنال

وفي محاولة للحد من عمليات العبور، وافقت بريطانيا في وقت سابق من العام الجاري على دفع 660 مليون جنيه إسترليني، أي ما يعادل نحو 888 مليون دولار، لفرنسا مقابل تعزيز جهود مكافحة عبور القوارب الصغيرة عبر القنال خلال السنوات الثلاث المقبلة.

وتتبع فرنسا في هذا الملف سياسة توصف في بريطانيا بأنها "مثيرة للجدل"، إذ تمتنع عن اعتراض القوارب الصغيرة أثناء إبحارها في القنال خشية تعريض ركابها لخطر الموت، لكنها في الوقت ذاته تتدخل لتنفيذ عمليات الإنقاذ عند الحاجة.

كما لا تسمح القوانين الفرنسية للسلطات البريطانية بالتعامل مع المهاجرين ما داموا موجودين على السواحل الفرنسية أو داخل المياه الإقليمية الفرنسية، انطلاقاً من اعتبار باريس أن أي تدخل بريطاني في تلك المناطق يمس السيادة الفرنسية.

أرقام العبور تواصل إثارة الجدل

ومنذ تولي آندي بيرنهام رئاسة وزراء بريطانيا في 20 تموز/ يوليو الماضي، عبر 2057 مهاجراً القنال إلى المملكة المتحدة، وفق إحصاءات وزارة الداخلية البريطانية.

وسجل العام الماضي وصول أكثر من 41 ألف مهاجر إلى الساحل الجنوبي لإنجلترا، وهو أعلى معدل سنوي منذ عام 2018.

كما شهد يوم الأربعاء الماضي وحده عبور 752 مهاجراً إلى المملكة المتحدة على متن قوارب صغيرة.

ورغم ذلك، تبقى أعداد المهاجرين الذين عبروا القنال خلال العام الجاري أقل بكثير مقارنة بالأعوام السابقة، إلا أن أزمة سبتة الأخيرة أعادت ملف الهجرة غير النظامية إلى واجهة النقاش الأوروبي.

تعهدات حكومية وانتقادات من المعارضة

وفي هذا الإطار، تعهد رئيس الوزراء البريطاني الجديد آندي بيرنهام، الأحد الماضي، بـ"عدم التهاون" مع استمرار عبور القوارب الصغيرة المحملة بالمهاجرين إلى المملكة المتحدة عبر القنال.

ويشكل ملف الهجرة غير النظامية أحد أبرز القضايا الضاغطة في المشهد السياسي والانتخابي البريطاني، إذ لا يزال الحزبان الرئيسيان، المحافظون والعمال، يواجهان انتقادات بسبب عدم تحقيق نتائج ملموسة في هذا الملف.

اظهار أخبار متعلقة



وفي المقابل، يواصل زعيم حزب الإصلاح نايجل فاراج تقديم نفسه باعتباره صاحب الحل لهذه الأزمة.
وتعليقاً على عملية إنقاذ قارب المهاجرين، الثلاثاء، قال فاراج إن "حكومة بريطانية بقيادة الإصلاح كانت لتوقف القوارب الصغيرة عن عبور القنال في غضون أسبوعين اثنين".

ويقترح فاراج نشر وحدات من البحرية الملكية البريطانية في القنال للتصدي لقوارب المهاجرين وإعادتها إلى فرنسا أو بلجيكا.

وتعكس التطورات المتزامنة في سبتة والقنال الإنجليزي حجم الضغوط التي تواجهها أوروبا في ملف الهجرة غير النظامية، إذ تتقاطع الدعوات إلى تشديد الرقابة على الحدود مع استمرار محاولات العبور برا وبحراً، في وقت لا يزال فيه الاتحاد الأوروبي يبحث عن مقاربة مشتركة توازن بين حماية الحدود والالتزامات الإنسانية.
التعليقات (0)