مسخ النماذج الاقتصادية.. وإسقاط قادة العالم الثالث "أدوات التكييف" من الرأسمالية

محمد صالح البدراني
"العلة لا تكمن في النظم الاقتصادية أو النظريات بحد ذاتها، بل في العقلية البشرية التي تقدس القوالب الجاهزة"- CC0
"العلة لا تكمن في النظم الاقتصادية أو النظريات بحد ذاتها، بل في العقلية البشرية التي تقدس القوالب الجاهزة"- CC0
شارك الخبر
لفت انتباهي تكرار كلمة "اقتصاد السوق" منذ تولي السيد علي الزيدي رئاسة مجلس الوزراء في العراق، وانتشار أقلام هواة في مهاجمة الاشتراكية وإعلاء الرأسمالية، رغم أنه لا نظام معينا يطبق في العراق وإنما هي اجتهادات أضحت عرفا.

الاشتراكية كفكرة، والرأسمالية كفكرة، ليستا سوى نتاج بشري خالص في حقل الاقتصاد وإدارة الحياة وتوجيه المجتمعات، وما يحصل هو التعامل مع هذه المنظومات إما بمنطق الكره الأعمى والشيطنة، أو بمنطق الانبهار والتبني المطلق؛ في حين أن الوعي الحضري يتطلب النظر إليهما كـ"قوالب جاهزة" أُنشئت في مجتمعات وثقافات أخرى استجابة لتحديات تاريخية محددة؛ لذا، فإن الاستفادة الحقيقية من هذه الأفكار لا يمكن أن تتحقق عبر الاستيراد الجاهز، بل بصياغة تناسب الأمة يكون فيها الإنسان أولا وليس التقديس لتلك النظم.

اقتصاد السوق وليد التجربة والخطأ

منذ عقود يتم الترويج لـ"اقتصاد السوق" وكأنه قانون رياضي حتمي، أو وصفة سحرية مطلقة صالحة لانتشال المجتمعات من أزماتها بمجرد تطبيق معادلاتها، غير أن القراءة التاريخية الفاحصة تكشف المبالغة بهذا التعميم؛ فاقتصاد السوق ليس تنزيلا أو منظومة معصومة، بل هو بناء بشري بحت، نشأ وتطور في الغرب عبر تراكمات طويلة من التجربة والخطأ، والنجاحات والإخفاقات.

تحول اقتصاد السوق في هذه الدول إلى مسخ لسحق الشعوب وإفقارها بشكل عدمي، وأضحى الفرد الأعزل يواجه غلاء المعيشة، وتآكلت الخدمات الأساسية كالصحة والتعليم، تحت زعم "الإصلاح الاقتصادي" بغياب كوابح الجشع الرأسمالي في مجتمعات هشّة بالأساس، ما حوّل مفهوم السوق من أداة للتنمية إلى آلية لتركيز الثروة

أثبت هذا النظام كفاءته في محطات تاريخية معينة لا سيما في تحفيز الإنتاج، لكنه لم ينجح إلا لأنه كان مدعوماً بآليات ضبط وكوابح اجتماعية ونقابات وقوانين تحمي الإنسان، غير أن الانبهار بالمخرجات الذي وقعت فيه النخب المعاصرة يتجسد في تحويل هذه الأداة الإجرائية، التي ينبغي أن تخضع للتعديل والمراقبة المستمرة، إلى "عقيدة أيديولوجية" مقدسة ومحصنة ضد النقد والتساؤل.

فخ العالم الثالث: المسخ

يتجلى المأزق الأكبر لهذا التقديس الأعمى في اندفاع بعض قادة دول العالم الثالث نحو تبني هذا النظام دون تمحيص، ففي التصور أن بديل الاشتراكية هو نظام السوق، وقع هؤلاء القادة في فخ نقل "نظام السوق" بشكل سطحي وعشوائي، دون أدنى تفكير في بنيته وآلياته المعقدة؛ هذا الاستيراد كان مع إسقاط لـ"أدوات الرحمة" وشبكات الأمان الاجتماعي التي تُثبِّط آثار التوحش وتخفف الكلفة عن كاهل المواطن البسيط هي التيه بعينه.

الدول التي خضعت لمثل هذه التجربة تعاني الكوارث؛ إذ تحول اقتصاد السوق في هذه الدول إلى مسخ لسحق الشعوب وإفقارها بشكل عدمي، وأضحى الفرد الأعزل يواجه غلاء المعيشة، وتآكلت الخدمات الأساسية كالصحة والتعليم، تحت زعم "الإصلاح الاقتصادي" بغياب كوابح الجشع الرأسمالي في مجتمعات هشّة بالأساس، ما حوّل مفهوم السوق من أداة للتنمية إلى آلية لتركيز الثروة في يد قلة مستفيدة، مما عمّق الفجوات الطبقية وهدّد السلم الأهلي.

العلة في البشر لا في النظم

تبرز مغالطة فكرية كبرى يقع فيها قادة ومثقفو العالم الثالث؛ إذ يُرجعون انهيار مجتمعاتهم السابقة إلى "فشل الاشتراكية بحد ذاتها" كفكرة، والواقع التاريخي يثبت أن عجز تلك الدول التي تكيفت مع النظام الاشتراكي لعقود لم يكن بسبب جوهر الفلسفة الاشتراكية، بل بسبب نقل القالب وليس الأنسب، فترهلت أدواتها التنفيذية، وتحجرت بيروقراطياً، وفشلت في إدارة الموارد البشرية، تماماً كما تترهل الأدوات الرأسمالية وتتوحش فيغرق البلد بالفوضى والفساد.

فالعلة لا تكمن في النظم الاقتصادية أو النظريات بحد ذاتها، بل في العقلية البشرية التي تقدس القوالب الجاهزة وتتعامل معها كأصنام معصومة، فيقع القادة والمنظرون في وهم حماية الفكرة عبر تجميدها، متناسين أن القوالب الجامدة لا تحتمل التوسع؛ وبدلاً من ابتكار آليات مدنية مرنة وتحديث الأدوات بما يواكب متطلبات العصر ويحمي الإنسان، يستسلمون للجمود الفكري. هذا العجز عن التجديد هو الذي أسقط النماذج الاشتراكية بالأمس من الداخل، وهو نفسه الذي يحول الرأسمالية المستوردة اليوم إلى أداة سحق وتدمير مجتمعي.

أطروحة آلان تورين:

هنا يلتقي هذا الواقع المرير مع الطرح السلوكي لعالم الاجتماع الفرنسي آلان تورين في كتابه "نهاية المجتمعات". جدلية تورين أن النظام الرأسمالي عندما تضخم وانفلت من كوابحه الأخلاقية والسياسية بفعل جماد النخب، تحول عالمياً إلى رأسمالية مالية عولمية متوحشة تقوم على المضاربات الوهمية، مما أدى إلى تفكك وتحلل مفهوم "المجتمع" كبنية منظمة ومستقرة.

الحداثة الجديدة التي نحتاجها اليوم ينبغي أن تتأسس على عمق الفكر الحضاري وإدارة المدنية، وليس على قوانين العرض والطلب الجافة، فالمدينة والدولة في ظل هذه الرؤية ليستا مجرد فضاءات عقارية استثمارية أو مراكز تجارية ضخمة للاستهلاك، بل هما بيئة تفاعلية إنسانية تُدار بمنطق التضامن، وإتاحة الفرص العادلة

لقد شكلت الأزمة المالية العالمية عام 2008 نقطة تحول حاسمة؛ إذ كشفت عن قطيعة تامة بين وحشية الأسواق وبين الاقتصاد الإنتاجي الحقيقي المرتبط بحياة البشر اليومية. ويعالج تورين مفارقة هي أن هذا النظام، ورغم فقدانه الكامل لشرعيته الاجتماعية والأخلاقية، لا يزال مهيمناً بقوة الدفع العاري؛ لا لقوته الذاتية، بل لغياب بديل أيديولوجي ومؤسساتي جاهز في عالم تشرذمت فيه القوى المجتمعية الكلاسيكية، وهو ما تستغله النخب لتبرير استمرار السياسات الساحقة للشعوب.

إعادة تعريف الحداثة:

أمام الانسداد والفراغ المؤسساتي، تصبح البشرية بحاجة ماسة إلى إصلاح مفهوم الحداثة، تبدأ هذه الخطوة من تحديث تعريف الحداثة بأنها لا تشمل بالضرورة اقتصاد السوق والرأسمالية، وليست مرادفة لهما، فالسوق أداة مدنية لإدارة التبادل البشري، أما الحداثة فهي أفق إنساني، فكري، أوسع بكثير.

الحداثة الحقيقية هي كل فكر، أو فكرة، أو حركة تحدث تغييراً بنيوياً وتطوراً في وعي الإنسان ومحيطه ومؤسساته، فالرسول محمد (ص) قاد رسالة الحداثة التي شعّت على العالم ونحتاجها اليوم فهما لا قالبا ولا برواسب التاريخ، أي بغير تقديس اللامقدس. المأزق الحالي ينبع من الانسداد الفكري الذي يوهم قادة العالم الثالث بأن الرأسمالية هي الحل ولا يرون ما يحدث فعلا، والحق هو وهْم التجديد الحداثي.

البديل المنشود:

الحداثة الجديدة التي نحتاجها اليوم ينبغي أن تتأسس على عمق الفكر الحضاري وإدارة المدنية، وليس على قوانين العرض والطلب الجافة، فالمدينة والدولة في ظل هذه الرؤية ليستا مجرد فضاءات عقارية استثمارية أو مراكز تجارية ضخمة للاستهلاك، بل هما بيئة تفاعلية إنسانية تُدار بمنطق التضامن، وإتاحة الفرص العادلة، وتمكين ما يسميه تورين بـ"الذات الفاعلة" من مقاومة التسليع البشري، نحن رأينا نموذجَ الفشل والارتداد في روسيا، ونجاح الإصلاح في الصين.

حداثة عصرنا منا وإلينا بتفعيل النخب إيجابيا ورفض عبادة الأصنام الاقتصادية والفكرية، والتحرر من نفق العدمية ومنظومة تنمية التخلف، وتفعيل النخب التي انعزلت أو عُزلت، من أجل أن نعيد النبض لقلب الأمة.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)