في أول أسبوع من عمر حكومة رئيس الوزراء
العراقي علي
فالح
الزيدي، وجد العراق نفسه أمام تصعيد أمني وإقليمي خطير، بعد اتهامات وجهتها
السعودية والإمارات بانطلاق
هجمات بطائرات مسيّرة من أراضيه استهدفت مواقع محددة
في هذين البلدين.
الهجمات التي طالت دولا خليجية في ظل الهدنة بين
إيران والولايات المتحدة، وضعت بغداد أمام
اختبار مبكر يتعلق بعلاقاتها الإقليمية،
ومدى قدرتها على تنفيذ تعهدها بحصر السلاح بيد الدولة ومنع استخدام الأراضي
العراقية منطلقا للاعتداء على دول الجوار.
على الصعيد الحكومي، أعلن الزيدي رفض حكومته استخدام
الأراضي العراقية منطلقاً للاعتداء على "الدول الشقيقة والصديقة"، مؤكدا
تشكيل لجنة تحقيقية رفيعة المستوى، بهدف الاطلاع على جميع الأدلة من أجل اتخاذ
الإجراءات الأمنية والقانونية كافة بحق المتورطين.
وجاءت تصريحات الزيدي بعد تصعيد لافت في المواقف
الخليجية، إذ أعلنت الإمارات إدانتها "بأشد العبارات" للهجمات التي قالت
إن طائرات مسيّرة قادمة من العراق نفذتها، مشيرة إلى استهداف مولد كهربائي خارج
المحيط الداخلي لمحطة "براكة" للطاقة النووية في أبو ظبي.
كما أعلنت السعودية اعتراض ثلاث طائرات مسيّرة دخلت
أجواءها قادمة من العراق، مؤكدة احتفاظها "بحق الرد في الزمان والمكان
المناسبين"، في لهجة عكست حجم التوتر الذي أحدثته الهجمات.
"رسائل
المسيّرات"
وبخصوص توقيت الهجمات، قال المحلل السياسي العراقي،
أثير الشرع، إن "هناك جهات تريد إيصال رسائل بأنها لا تهتم بالإجراءات الحكومية
والوضع الداخلي العراقي، لذلك هذه رسالة لدول الجوار والإقليم بأنها لن تلتزم بحصر
السلاح بيد الدولة، ولا ما تمليه واشنطن على
الحكومة العراقية".
وأضاف الشرع لـ"
عربي21" أن "بيان
الإطار التنسيقي كان مهما، كونه رفض رفضا قاطعا أن يكون العراق منطلقا لاستهداف
دول الإقليم والجوار، إضافة إلى اللجنة التحقيقية التي شكلتها الحكومة لمعرفة من
الجهات التي تحاول زج العراق في المحرقة الإقليمية".
اظهار أخبار متعلقة
ورأى الخبير العراقي أن "ما يجري في الإقليم هي
حرب غير معلنة بعد الهدنة بين واشنطن وطهران، وأن هناك جهات خفية تعمل على خلط الأوراق
الداخلية في العراق وإفشال ما مرحلة بعد تشكيل الحكومة ونيلها ثقة البرلمان".
وأشار إلى أنه "ثمة جهات تريد توريط العراق في
ما يجري إقليميا من حروب، خصوصا أن هناك تهديدات سعودية وإماراتية لاستهداف بعض
قواعد الفصائل العراقية، وهذا يعرّض البلد إلى جملة من المخاطر التي ستجعله ينخرط
في ما يحصل بالشرق الأوسط".
وتطرق الشرع إلى ما تم كشفه قبل أشهر من قاعدة
عسكرية إسرائيلية في الأراضي العراقية، مؤكدا أنه "ثمة جهة تعمل على زج
العراق في حرب المنطقة، أو إعطاء ذريعة استهداف بعض المواقع في البلاد".
وشدد على أن "اللجنة العراقية التي ستزور
السعودية مهمتها كشف الحقائق، ومن المحتمل ألا تكون أيا من الفصائل المعلومة
متورطة بما حصل من استهداف، لذلك من المؤكد ثمة طرف إقليمي يعمل على زج العراق،
وهو يقف وراء استهدف الإمارات والسعودية".
"اختبار
مبكر"
في المقابل، رأى أستاذ العلوم السياسية في العراق
معتز النجم أن ما جرى يمكن قراءته بوصفه "اختبارا مبكرا" لحكومة الزيدي،
خاصة أنها لم تستكمل بعد تشكيلتها الوزارية ولم تبدأ فعلياً بتنفيذ برنامجها
الأمني.
وقال النجم في حديث لـ"
عربي21" إن العراق
سيكون مسؤولا قانونيا إذا ثبت انطلاق الهجمات من أراضيه، لأن القانون الدولي لا
يعفي الدول من مسؤولية الجماعات المسلحة التي تنشط داخل حدودها، خصوصا إذا كانت
تمتلك غطاءً سياسيا أو تمثيلا برلمانيا.
ولفت إلى أن التطورات الإقليمية الأخيرة، ولا سيما
بعد الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، دفعت بعض الدول إلى التعامل مع الفصائل
المسلحة والحشد الشعبي باعتبارهما كيانا واحدا خارج إطار الدولة، ما يضاعف الضغوط
على بغداد.
وأكد النجم أن حكومة الزيدي تدرك تعقيد ملف السلاح،
لذلك من غير المتوقع أن تلجأ إلى مواجهة مباشرة مع الفصائل المسلحة، بل ستتبنى
سياسة "الاحتواء التدريجي".
اظهار أخبار متعلقة
وأوضح الخبير العراقي أن هذا الاحتواء قد يبدأ عبر
منح بعض القوى المسلحة مواقع ومناصب داخل الدولة مقابل تقليص نفوذها العسكري وسحب
الأسلحة المتوسطة والثقيلة منها، بالتوازي مع تقوية القوات الأمنية الرسمية.
لكن هذا السيناريو، بحسب النجم، سيكون بطيئا ومعقدا،
لأن الفصائل لا تمتلك السلاح فقط، بل لديها أيضا نفوذا سياسيا واقتصاديا وقواعد
اجتماعية وعقائدية تجعل تفكيكها أو مواجهتها أمرا شديد الحساسية.
وأكد النجم أن الحكومة العراقية "ما تزال فتية
وغير قادرة على فرض معالجات جذرية عبر القوة أو الاعتقالات، خصوصا في ظل إدراك
أمريكي بأن إيران ما تزال تستخدم أذرعها الإقليمية في إدارة الصراع مع واشنطن".
وفي 24 نيسان الماضي، أعلنت السلطات الكويتية أن
موقعين على حدودها الشمالية تعرضا إلى هجوم عبر طائرتين مسيرتين انطلقتا من
الأراضي العراقية، وأسفر عن أضرار مادية دون تسجيل إصابات بشرية، بحسب بيان رسمي
للجيش الكويتي.
وعلى خلفية ذلك، أصدر كل من السعودية والإمارات وقطر
والبحرين والأردن ومصر وسوريا واليمن بيانات إدانة شديدة اللهجة، حملت في مضمونها
رسائل واضحة إلى بغداد بضرورة التعامل بمسؤولية أكبر مع التهديدات المنطلقة من
أراضيها.