أحداث سبتة المحتلة: أطروحات مضطربة!

بلال التليدي
الأناضول
الأناضول
شارك الخبر
قدمت أطروحات تفسيرية كثيرة لأحداث سبتة المحتلة، والسبب الذي جعل آلاف المهاجرين غير النظاميين من جنسيات مختلفة يتداعون إلى اقتحام المعبر، لكنها جميعها لم تخل من اضطراب وعدم تماسك، لأن الاطمئنان إليها يفضي في نهاية المطاف إلى نتائج لا يصدقها واقع الأمر.

لنرسم منذ البدء منهجية تمايز بشكل واضح بين التفسير بالأسباب، والتفسير بالنتائج، فثمة فرق كبير بين بحث الأسباب وترابط بعضها إلى بعض وقياسها إلى النتائج المترتبة، ومدى تطابق ذلك كله مع واقع الأمر، وبين التحليل وفقا للنتائج، أو ما يعرف بمعادلة الرابح والخاسر، وهل يمكن لها أن تشكل عناصر أطروحة للتفسير.

السردية الإسبانية والمغربية-وإن اختلفتا في زمن تصريف الموقف، ومستوى التمثيلية في التعبير عنه، والأرقام المقدمة سواء عن عدد المهاجرين أو عدد الضحايا-فإنهما تشتركان في تفسير سبب الهجرة، وأيضا في توصيف شكل التعاون الإيجابي بين البلدين، وعدم اتهام أي طرف للآخر بالمسؤولية عن الأحداث.

ولذلك، لن تكون هاتان السرديتان مهمتين، إلا في حيثيات محدودة، تتعلق بالزاوية التي ينظر إليها المغرب للحكم القضائي الإسباني، الذي يعتبر أن الهجرة غير النظامية عبر السباحة لا يخول للسلطات الإسبانية إعادة المهاجرين، مما اعتبره المغرب، هدما للنواة الأساسية لسياسة مكافحة الهجرة غير النظامية، وأنها فتحت الشهية لشبكات الاتجار في البشر لتوسيع الهجرة.

الرواية التي يتم تداولها بشكل كبير في المشرق، تقرأ الأحداث في ضوء الموقف الإسباني من الإبادة الصهيونية لغزة، وتستصحب الاتفاق الثلاثي، وتعتبر أن المغرب نفذ بذكاء مؤامرة أمريكية صهيونية لإسقاط حكومة بيدرو سانشيز، وتقدم مؤشرين، أولهما اتهام مسؤولين إسرائيليين مدريد بالمسؤولية عن الأحداث، وأنها تتعامل بازدواجية مع الاحتلال، فتدين احتلال إسرائيل لغزة وتبرر احتلالها لسبتة، وتدعي أنها جزء من التراب الإسباني، وثانيهما تصريح ترامب الذي اتهم مدريد بالضلوع في إغراق أوروبا بالمهاجرين غير النظاميين.

تبدو هذه الأطروحة متماسكة في الظاهر، لكن عطبها، أنها تتعامل مع المغرب كما لو كان مجرد أداة وظيفية، لا دولة لها مصالحها المعتبرة، ولها وضعها الإقليمي الذي تسعى بذكاء لتحسين تموقعها فيه. بيان ذلك، أن المغرب لا يمكن له بأي حال أن يخدم هدف سقوط حكومة بيدرو سانشيز، لسببين: أن سقوطه يعني تقديم خدمة لليمين المتطرف وهو ما يتعارض مفصليا مع مصالح المغرب الحيوية، وثانيهما، أن العلاقات المغربية الإسبانية في عهد بيدرو سانشيز عرفت مستويات جد متقدمة، وبلغ تطور الموقف الإسباني من قضية الصحراء في عهده مبلغا غير مسبوق، فكيف يمكن للمغرب أن يخطط لإزاحة حلف وإصعاد عدو.
تصريحات المسؤولين الإسبان، في رئاسة الحكومة والداخلية والخارجية والجيش، لم تتهم المغرب، بل أشادت بجهوده وبعلاقة الشراكة الاستراتيجية معه

تستند الأطروحة الثانية على وقائع 2021، وتعتبر أن السلطات المغربية هندست بدهاء كبير هذه الأحداث، حتى تستثمر نتائجها إما لمنع تنسيق إسباني جزائري مفترض، أو لممارسة مزيد من الضغط على مدريد وبروكسيل لتحسين مضمون الشراكة المغربية الإسبانية الأوروبية (رفع الدعم المالي المقدم لمكافحة الهجرة، ودعم المشاريع التنموية في المناطق الشمالية لخلق شروط اقتصادية واجتماعية تحصن الشباب خاصة من الهجرة). مؤشرات هذه الرواية تساهل قوات الأمن في منع تدفق أعداد المهاجرين على طول الطريق الممتدة بين تطوان وسبتة أو بين طنجة وسبتة، وحديث مصدر حكومي إلى وكالة الأنباء المغربية، يكرر تصريحات سابقة لوزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة بعيد أحداث 2021 من أن المغرب ليس دركي أوروبا، وأنه ليس ملزما بحماية أي حدود أخرى غير حدوده، وأنه إنما يلتزم بسياسة مكافحة الهجرة لاعتبار الشراكة مع أوروبا، وأن للمغرب يعبئ موارد مالية وتقنية وبشرية تقدر تقريبا بـ 500 مليون يورو لحماية حدود أوروبا، بينما لا تقدم له أوروبا سوى 146 مليون يورو مقابل جهوده لمكافحة الهجرة.

تبدو هذه الأطروحة وجيهة من حيث البناء، لكن عطبها، أنها لا تأخذ بعين الاعتبار الزمن السياسي الذي وقعت فيه الأحداث ورمزيته، وهل يمكن التسوية بين تدخل أمني متشدد في هذا الزمن المخصوص وبين التدخل نفسه في زمن آخر.

الزمن السياسي بالغ الحساسية، لأنه يتعلق بعيد العرش، الذي يقدم فيه الملك حصيلة إنجازات الدولة في سنة كاملة، ويتم فيه تجديد البيعة التي تعتبر طقسا مركزيا في احتفالات هذا العيد.

لقد لاحظ المراقبون ووسائل الإعلام المختلفة أن خطاب العرش لهذه السنة تحدث عن نقطتين اثنتين: الإنجازات الكبيرة للدولة، وأهمية الاستقرار الذي يتمتع به المغرب، وقد كان الملك في خطابات سابقة، قدم نقدا قاسيا للحكومة والنخب السياسية، لكنه هذه السنة، ركز على إشاعة ثقافة الأمل وحذر من نشر ثقافة الإحباط والتيئيس.

الأحداث التي عرفتها سبتة، قدمت صورة غير إيجابية عن الوضع الاجتماعي، حتى إن بعض المراقبين الغربيين اعتبروها صورة معاكسة لخطاب العرش، مما لا يجعل هذه الأطروحة التفسيرية فاقدة للأساس، إذ لا يمكن للسلطات أن تستثمر في هندسة سيناريو يضع الخطاب الملكي ومنجزات الدولة في دائرة الشك.

يضاف لذلك أن عيد العرش، يتطلب تعبئة أمنية كبيرة، توجه أساسا للحدث بجميع فعالياته، وأن استثمار في سيناريو الهندسة المقصودة، يتطلب إلى جانب تعبئة مزيد من الموارد تأمين المخاطر، وهو ما لا يمكن أن يطمئن إليه أي جهاز أمني، بحكم عدم القدرة على توقع نتائج التدخل، وتداعياته.

ما يزيد في تأكيد هذه الحجة، أن المغرب حسب إفادة المصدر الحكومي لوكالة الأنباء الرسمية، لم يتلق من إسبانيا أي تحذير من إمكانية تدفق أمواج من الهجرة غير النظامية، حتى يوفر الجاهزية المطلوبة في التعاطي مع هذا الحادث، وأنه بسبب من الأعداد الكبيرة، تعاطت القوات الأمنية معها بطريقة مهنية تناسبية، تجنبت أي تدخل عنيف من شأنه أن يسيء إلى سمعة المغرب الحقوقية، ويشوش على حدث عيد العرش.

أطروحة وجود «تنسيق خارجي» لإحراج المغرب، وأن المغرب ابتلع الطعم وحاول توجيه الأحداث لصالحه، لا تستند إلى معطيات قوية. فالمؤشرات المتداولة تبقى محدودة، ولا تكفي لبناء تفسير متماسك لما جرى. أما الوقائع، فتشير إلى أن بعض الحسابات على منصات التواصل الاجتماعي شجعت شبابا من جنسيات مختلفة على الهجرة عبر معبر سبتة، لكن هذه المعطيات، إلى الآن، لا تزال غير كافية لاستخلاص نتائج حاسمة. كما أن تصريحات المسؤولين الإسبان، في رئاسة الحكومة والداخلية والخارجية والجيش، لم تتهم المغرب، بل أشادت بجهوده وبعلاقة الشراكة الاستراتيجية معه، مما يعني أن مدريد حافظت على خيارها في تعزيز التعاون مع الرباط، رغم تعقيدات الظرف الإقليمي والدولي.

التحليل بالنتائج يقول بأن المغرب-على الرغم من تضرر صورته الاجتماعية-يبقى هو الرابح الأكبر، فهذه الأحداث تشكل قرصة أذن لإسبانيا تمنعها من المناورة مع المغرب أو الانقلاب على التزاماتها تجاهه، وشكلت أكبر حافز لإسبانيا والاتحاد الأوروبي لإعطاء مضمون أكثر جدية للشراكة معه، ليس فقط من زاوية زيادة الدعم المالي لمكافحة الهجرة ولكن أيضا المساهمة في تنمية المناطق الشمالية على الخصوص، التي دفعت الثمن غاليا كثيرا من جراء توقف اقتصاد التهريب.

القدس العربي


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)