عيد بلا أضاحٍ.. كيف يستقبل الغزيون عيد الأضحى تحت وطأة الجوع والحصار؟

اختفاء طقوس العيد من حياة الأطفال في غزة  - عربي21
اختفاء طقوس العيد من حياة الأطفال في غزة - عربي21
شارك الخبر
في أحد أسواق المواشي القديمة جنوب قطاع غزة، يقف الحاج أبو صالح متأملًا عشرات الحظائر الفارغة، بينما تحوّل اقتراب عيد الأضحى من مناسبة للفرح والتكافل إلى موسم مثقل بالحسرة والعجز، بعد أن غابت الأضاحي عن بيوت الغزيين للعام الثالث على التوالي.

وقال أبو صالح لـ"عربي21"، بصوت تختلط فيه المرارة بالحنين: "منذ ثلاث سنوات لم نتمكن من شراء أضحية. الحرب والحصار وارتفاع الأسعار حرمونا من هذه الشعيرة التي كانت تجمع العائلة وتدخل الفرح إلى البيوت".

وأضاف أنه اعتاد سنويًا شراء الأضحية وذبحها وتوزيع لحومها على الأقارب والمحتاجين، معتبرًا أن حرمان سكان القطاع من الأضاحي "جريمة إنسانية تمس أبسط الحقوق الدينية والاجتماعية".

ويرى الرجل الستيني أن عيد الأضحى في غزة فقد معناه الحقيقي، موضحًا: "فرحة العيد كانت تبدأ من الأضحية، من لمّة العائلة وزيارات الأرحام. اليوم لا مواشٍ ولا قدرة على الشراء، وحتى الزيارات باتت محدودة بسبب النزوح والفقر".

أسعار خيالية وقطاع مدمر

ويأتي العيد هذا العام في ظل واقع اقتصادي وإنساني كارثي، فالحرب المستمرة والحصار المشدد دمّرا قطاع الثروة الحيوانية بشكل شبه كامل، ما أدى إلى اختفاء المواشي وارتفاع أسعارها إلى مستويات غير مسبوقة.

وأكد مدير الغرفة التجارية في قطاع غزة، الدكتور ماهر الطباع، أن القطاع يعيش "العام الثالث على التوالي من دون أضاحٍ حقيقية"، موضحًا أن الاحتلال دمّر معظم مكونات قطاع الثروة الحيوانية، ومنع إدخال المواشي والأعلاف واللقاحات عبر المعابر.

وقال الطباع لـ"عربي21": "قبل الحرب كان متوسط سعر الخروف نحو 500 دولار، أما اليوم فقد يتراوح بين 6 و7 آلاف دولار، وبالتالي حتى العائلات المقتدرة لم تعد قادرة على شراء الأضاحي".

وأشار إلى أن الأزمة لا ترتبط بالأضاحي فقط، بل بانهيار شامل في الأوضاع المعيشية، موضحًا أن معدلات البطالة تجاوزت 80 بالمئة، فيما تخطت نسبة الفقر 90 بالمئة، بينما يعاني أكثر من مليون وستمائة ألف فلسطيني من انعدام الأمن الغذائي، وفق تقارير دولية حديثة.

وحمّل الطباع الحصار الإسرائيلي المسؤولية المباشرة عن تفاقم الكارثة الإنسانية، بسبب الإغلاق المتكرر للمعابر والقيود المشددة على دخول المساعدات والبضائع الأساسية إلى القطاع.

أسواق بلا مواشي

تبدو الأزمة أكثر وضوحًا في حديث أبو راشد، وهو تاجر مواشٍ، يقول إن الكميات المتوافرة حاليًا لا تتجاوز 5 بالمئة مقارنة بما كان موجودًا قبل الحرب.

وشرح لـ"عربي21" أن أسعار المواشي "أصبحت خيالية"، إذ وصل سعر الخروف الذي يزن 45 كيلوغرامًا إلى نحو 14 ألف شيكل، أي ما يعادل قرابة 4 آلاف دولار، فيما تراوحت أسعار بعض الأنواع بين 6 آلاف و10 آلاف دولار.

اظهار أخبار متعلقة


أما الجدي الصغير، الذي كان يُباع قبل الحرب بنحو ألف شيكل، فقد ارتفع سعره إلى ما بين 11 و15 ألف شيكل، في حين تجاوز سعر العجل أو البقرة الواحدة 30 ألف دولار.

ويعزو أبو راشد هذه القفزة الكبيرة في الأسعار إلى استمرار إغلاق المعابر ومنع إدخال المواشي الحية، إلى جانب النقص الحاد في الأعلاف واللقاحات، لافتًا إلى أن أعداد الأغنام تراجعت من نحو 60 ألف رأس قبل الحرب إلى ما يقارب 3 آلاف فقط.

عيد بلا ملامح

ولا تقف تداعيات غياب الأضاحي عند الجانب الاقتصادي أو الديني، بل تمتد إلى الأثر النفسي والاجتماعي، خاصة على الأطفال الذين يعيشون تفاصيل الحرب والحرمان يوميًا.

المتخصصة في الإرشاد والصحة النفسية، الدكتورة سامية جبري، قالت إن اختفاء طقوس العيد من حياة الأطفال في غزة لا يعني غياب الفرح المؤقت فحسب، بل فقدان أحد أهم مصادر الشعور بالأمان والاستقرار النفسي.

وأوضح لـ"عربي21" أن المناسبات المتكررة، مثل الأعياد، تمنح الأطفال إحساسًا بالحياة الطبيعية، بينما يؤدي غيابها إلى مشاعر الحزن والقلق والارتباك، خاصة في ظل أجواء الحرب.

وأضاف: "حين يغيب العيد بملابسه الجديدة وزياراته وأجوائه الأسرية، يشعر الطفل بأن الحياة فقدت شكلها الطبيعي، ما يعمّق لديه مشاعر الخوف والحرمان".

ولفت جبري إلى أن مشاعر العجز لدى الآباء تنعكس مباشرة على الأطفال وعلى العلاقات داخل الأسرة، حيث يزداد التوتر والضغط النفسي بسبب عدم القدرة على توفير الاحتياجات الأساسية أو إدخال الفرح إلى قلوب الأبناء.

وقال إن العيد، الذي يفترض أن يكون مناسبة للفرح، قد يتحول في ظروف الحرب والنزوح إلى مصدر إضافي للضغط النفسي، نتيجة المقارنة بين أعياد ما قبل الحرب والواقع الحالي المليء بالفقد والعجز.

اظهار أخبار متعلقة


كما حذر من أن غياب المناسبات الجماعية والأجواء الاجتماعية يضعف الروابط المجتمعية ويزيد من مشاعر العزلة، خصوصًا لدى العائلات النازحة أو التي فقدت أفرادًا من أبنائها خلال الحرب.

ورغم قسوة الواقع، تشير جبري إلى أن بعض العائلات تحاول خلق بدائل بسيطة للحفاظ على التماسك النفسي والاجتماعي، من خلال اللعب مع الأطفال أو رواية الحكايات أو خلق أجواء أسرية متواضعة تمنحهم شيئًا من الإحساس بالحياة الطبيعية.

لكن بالنسبة لكثير من الغزيين، يبقى العيد ناقصًا. فلا أصوات تكبير تعلو فوق ضجيج القصف، ولا موائد عامرة كما كانت، فيما تتحول أمنيات الأطفال من ألعاب وملابس جديدة إلى مجرد الحصول على وجبة طعام أو ليلة هادئة بلا قصف.

وفي غزة، حيث تتراكم آثار الحرب عامًا بعد آخر، لم يعد غياب الأضحية مجرد تفصيل موسمي، بل صار عنوانًا لحياة كاملة تُسلب منها أبسط مظاهر الفرح والكرامة.
التعليقات (0)