نشرت صحيفة "
غازيتا" الروسية تقريرا يسلط الضوء على الفارق بين الأسلحة الكيميائية والنووية من حيث القوانين والتشريعات الدولية ومدى الالتزام العالمي بعدم استخدام هذه الأسلحة.
وقالت الصحيفة في تقريرها الذي ترجمته "عربي21"، إن الأسلحة الكيميائية محظورة دوليا، لكنها استُخدمت في عدة حروب، على عكس الأسلحة
النووية التي لم تلجأ إليها الدول التي تمتلكها رغم عدم وجود نصوص مُلزمة تحظر استخدامها.
جهود مبكّرة
ذكرت الصحيفة أن منظمة
حظر الأسلحة الكيميائية تأسست قبل 29 عامًا، لتشكل تتويجا لجهود الأمم المتحدة والمجتمع الدولي الرامية إلى التخلص من استخدام السموم كوسيلة في الحروب.
وأضافت الصحيفة أن منظمة حظر الأسلحة الكيميائية لم تكن الأولى من نوعها في مجال الحد من هذه الأسلحة، إذ سبقتها محاولات تاريخية متعددة شاركت فيها قوى وشخصيات بارزة، من بينها القياصرة الروس.
اظهار أخبار متعلقة
في سنة 1899، وبمبادرة من القيصر نيكولاي الثاني، تم التوقيع في لاهاي على إعلان يحظر استخدام القذائف المحمّلة بالغازات السامة. فيما كان جده ألكسندر الثاني، قد سعى قبل ذلك بنحو ربع قرن إلى تحقيق الهدف ذاته.
وعلى نطاق أوسع، لم يكن هذا المسار ابتكارًا حديثًا، إذ تُعد إحدى أقدم الوثائق التي تناولت تقييد استخدام الأسلحة الكيميائية اتفاقًا فرنسيًا ألمانيًا يعود إلى سنة 1675، والذي نصّ على التخلي عن استخدام الرصاص المسموم.
وأضافت الصحيفة أن السلاح الكيميائي لم يكن محل قبول أو ترحيب في أوروبا عبر مختلف العصور، على أساس أن استخدامه نابع من "وحشية مفرطة" ويسبب معاناة تفوق الحد المقبول.
ويعود هذا الرفض في جوهره إلى منظومة من القيم الأخلاقية التي تشكلت لدى النخب الأوروبية، والموروثة عن عصر الفروسية، والتي كانت تميز بين القتال "الشريف" في المبارزات أو ساحات المعارك، وبين عمليات الاغتيال التي كانت وسيلتها الأكثر شهرة هي تسميم طعام الخصوم.
درس الحرب العالمية الأولى
في صيف سنة 1915، عندما بدأت القوات البريطانية ترد بالمثل على الهجمات الألمانية بالغازات السامة، لم يُخفِ القادة العسكريون البريطانيون امتعاضهم من هذا النوع من الحروب.
وكتب الجنرال تشارلز فيرغسون قائلاً: "هذا النوع من أساليب القتال يليق بالجبناء. لكننا لا نستطيع كسب الحرب دون قتل أو تحييد أكبر عدد من جنود العدو مقارنة بما يفعله بنا. وإذا كان ذلك لا يتم إلا بتقليد العدو في اختيار سلاحه، فلا ينبغي أن نرفض مثل هذه الوسائل".
أما ألمانيا، فقد لجأت إلى هذا الخيار بعد فشل خطتها للحرب الخاطفة ووقوعها في مأزق استراتيجي، إضافة إلى اعتبار أن الحصار البحري الذي فُرض عليها - والذي تسبب في مجاعة واسعة النطاق - لا يقل قسوة عن استخدام الغازات السامة.
وبحسب الصحيفة، سرعان ما تبيّن أن الأسلحة الكيميائية لا تمنح أي طرف تفوقًا حاسمًا في الحروب الحديثة بين الدول المتقدمة تقنيًا، بل إن استخدامها لا يؤدي إلا إلى تفاقم معاناة الجنود على جانبي الجبهة دون تحقيق مكاسب عسكرية حقيقية.
وقد شكّل ذلك -وفقا للصحيفة- أحد الأسباب الرئيسية وراء عدم اللجوء إلى هذه الأسلحة على نطاق واسع خلال الحرب العالمية الثانية، رغم أن مختلف قوانين وأعراف الحرب كانت تُنتهك بشكل متكرر من جميع الأطراف.
سياق مختلف
وأوردت الصحيفة أن
السلاح النووي ظهر في سياق تاريخي مختلف تمامًا، خلال حرب عالمية غير مسبوقة في نطاقها وشراستها.
وعلى عكس الكيميائي، لم يكن النووي محاطًا بإرث طويل من الرفض أو الأحكام الأخلاقية المسبقة، لكن العالم كان يملك نظريًا فرصة لحظره بشكل فوري، إذ كان واضحًا للعلماء والسياسيين على حد سواء أنه يمتلك قدرة تدميرية هائلة.
وذكرت الصحيفة أنه قبل أول تجربة نووية، تساءل الخبراء القائمون على المشروع عن إمكانية أن يؤدي الانفجار إلى سلسلة تفاعلات متتابعة تُحرق الغلاف الجوي للأرض بأكمله؟
من جانبه، علّق الرئيس الأمريكي هاري ترومان على قصف هيروشيما قائلاً إن السلاح الجديد يستخدم قوة أساسية من قوى الكون، ويُسقط على الأعداء الطاقة نفسها التي تغذي الشمس.
اظهار أخبار متعلقة
مقترح أمريكي
في ربيع سنة 1946، قُدِّم في الولايات المتحدة تقرير "آتشيسون-ليلينتال"، الذي اقترح وضع كامل سلسلة إنتاج المواد النووية، من المناجم إلى منشآت التخصيب والمفاعلات المنتجة للمواد الانشطارية، تحت ملكية "لجنة الطاقة الذرية التابعة للأمم المتحدة".
كما نصّ المقترح على أن تقوم الولايات المتحدة بكشف سر السلاح النووي للاتحاد السوفييتي، مقابل التزام متبادل بعدم إنتاج
قنابل ذرية جديدة.
وقد كُلِّف بتنفيذ هذه الفكرة عبر الأمم المتحدة رجل المال والسياسة الأمريكي برنارد باروخ، الذي قال خلال اجتماع اللجنة: "خلف النذير القاتم لعصر الذرة، تلوح فرصة، إذا اقترنت بالإيمان، قد تمنحنا الخلاص. وإن فشلنا في ذلك، فإننا سنحكم على كل إنسان بأن يعيش رهينة للخوف
غير أن الاتحاد السوفييتي رفض الدخول في هذه المفاوضات، مبررًا موقفه بأن الأمم المتحدة خاضعة لهيمنة الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين. وطرح الوفد السوفييتي شرطًا مسبقًا يتمثل في أن تقوم الولايات المتحدة أولًا بتدمير ترسانتها النووية، قبل أن يتم مناقشة نظام الرقابة.
وتقول الصحيفة إن مقترح باروخ لم يكن قابلا للتطبيق، إذ كان يتضمن منح المفتشين الدوليين وصولًا كاملا إلى البرنامج النووي السوفييتي، مع فرض نظام عقوبات لا يمكن لأي طرف في مجلس الأمن استخدام حق الفيتو ضده.
كان هذا أمرًا غير مقبول بالنسبة للقيادة السوفييتية، حيث كان جوزيف ستالين يرى أن الصراع مع العالم الغربي الرأسمالي لا يُدار عبر تقاسم السيطرة، بل عبر مواجهة حاسمة لا مجال فيها للتنازلات.
هواجس الحرب الباردة
ترى الصحيفة أنه بعد امتلاك الاتحاد السوفييتي سلاحا نوويا في 1949، كان من الممكن نظريًا إحياء تلك الفكرة من جديد، إلا أن المزاج السياسي في الغرب، خصوصًا بعد اندلاع الحرب الكورية، كان يميل إلى الاعتقاد بأن الاتحاد السوفييتي يحمل نوايا عدائية، وأن أي مفاوضات معه لن تكون مجدية.
وتضيف أنه حتى منتصف ستينيات القرن العشرين، شغلت عقول عدد كبير من السياسيين والعسكريين في الولايات المتحدة فكرة لا تتعلق بنزع السلاح النووي، بل بإمكانية توجيه ضربة نووية استباقية ضد الاتحاد السوفييتي قبل أن يتمكن الشيوعيون من امتلاك قدرة على ضرب الأراضي الأمريكية.
كما أن التخلي عن السلاح النووي لم يكن يومًا خيارًا جيدا للأمريكيين، ففي أوائل خمسينيات القرن الماضي، كان الاتحاد السوفييتي متفوقا من حيث القوات التقليدية داخل أوروبا، ما يعني أن أي اتفاق متبادل على التخلي عن السلاح النووي كان يُعدّ بالنسبة لواشنطن وحلفائها تنازلًا استراتيجيًا خطيرًا.
وفي مراحل لاحقة، ومع تغيّر ميزان القوى في الاتجاه المعاكس، أصبح تنفيذ خطة باروخ أو أي خطة مشابهة لها أمرًا غير ممكن عمليًا.
وعلى عكس السلاح الكيميائي، كان يُنظر إلى السلاح النووي على أنه عامل حاسم، إذ إن قدرة أي طرف على توجيه ضربة أولى لتعطيل مطارات العدو، ومراكز النقل، ومستودعات الذخيرة، وتجمعات الجنود، كانت كفيلة تقريبًا بحسم أي معركة.
بناء على ذلك، تخلّت جيوش العالم عن عن السلاح الكيميائي وعملت في المقابل على امتلاك السلاح النووي، وبذلت خلال حقبة الحرب الباردة جهودًا هائلة للحد من آثار الانفجارات النووية.
حظر صارم بلا قوانين
تضيف الصحيفة أنه بعيدا عن النصوص والقرارات الدولية، هناك عوامل أخرى تقيد سلوك الإنسان. فالقنابل النووية لم تُستخدم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية في أي صراع مسلح، رغم أنها غير محظورة دوليا.
حتى في الحالات التي شاركت فيها دول نووية في حروب أو تعرضت لهجمات، سواء حرب الولايات المتحدة في فيتنام، أو الحرب في أوكرانيا، أو الحروب العربية الإسرائيلية.
اظهار أخبار متعلقة
وعلى النقيض، فإن السلاح الكيميائي المحظور على الورق، استُخدم بشكل متكرر في النزاعات المسلحة، وكان آخر استخدام واسع النطاق له خلال الحرب بين العراق وإيران في عهد صدام حسين.
ومن المثير للاهتمام -وفقا للصحيفة- أن استخدام هذا السلاح لم يؤدِّ إلى نتائج حاسمة رغم ضعف مستوى الحماية لدى الجيش الإيراني في ذلك الوقت.
وتختم الصحيفة بأن السلاح النووي لا يعدّ محظورا من الناحية القانونية في غياب آلية حظر دولية شاملة، لكنه في الواقع محظور عمليا لأن لا أحد يستطيع التنبؤ بحجم الدمار الذي قد تسببه أي معركة نووية، وهو ما يمثل أحد أكثر أشكال الحظر غير المكتوب صرامةً في التاريخ الحديث.