البرهان في أنقرة بعد القاهرة والرياض.. ما حدود التوافق بشأن أزمة السودان؟
القاهرة- عربي2127-Dec-2509:05 AM
قال مالك عقار نائب رئيس مجلس السيادة في السودان إن الحرب الجارية في البلاد مظهر من الصراع على الموارد ومحاولة لإجراء ديمغرافي- الأناضول
شارك الخبر
استقبل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الخميس، رئيس مجلس السيادة السوداني عبدالفتاح البرهان بالعاصمة التركية أنقرة، وذلك بعد زيارتين قام بهما البرهان للرياض، والقاهرة، التقى خلالهما ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، ورئيس النظام المصري عبدالفتاح السيسي، يومي 15 و18 كانون الأول/ ديسمبر الجاري.
ومنذ منتصف نيسان/ أبريل 2023، يخوض البرهان حربا بمواجهة "ميليشيا الدعم السريع" بقيادة محمد حمدان دقلو، الذي شكل حكومة موازية في "نيالا" جنوب دارفور مدعومة من: تشاد وإفريقيا الوسطى، وجنوب السودان، وكينيا، إلى جانب حليفي مصر: الإمارات، وخليفة حفتر بشرق ليبيا، وسط أكبر أزمة نزوح عالمية - 12 مليون سوداني- بحسب الأمم المتحدة.
حجم التوافق والتلاقي
زيارات البرهان، للعواصم الثلاثة، التي تمثل السودان لها بعدا استراتيجيا وأمنيا واقتصاديا وتجاريا، هاما، تشير إلى توافقات سعودية، مصرية، تركية، وأدوار محتملة مشتركة أو متفرقة في الأزمة السودانية، وفق قراءة محللين، ما يضاف إلى ترتيبات أفريقية باستقبال الرياض قبل زيارة البرهان لها، الرئيس الإريتري أسياسي أفورقي.
اظهار أخبار متعلقة
وفي لقاء القاهرة؛ لوحت مصر بورقة التدخل العسكري وفقا لاتفاقية "دفاع مشترك" مع الخرطوم في آذار/ مارس 2021، وأطلقت 4 خطوط حمراء تمثلت في: "وحدة السودان وسلامة أراضيه"، و"رفض محاولات الانفصال"، و"رفض إنشاء كيانات موازية"، و"الحفاظ على مؤسسات الدولة".
وتتلاقى الرؤى المصرية والسعودية في ملفي السودان واليمن أيضا، بشكل لافت، ما يؤكده بيان الخارجية المصرية، الجمعة، الداعم لموقف الرياض في أزمة انفصال جنوب اليمن، والرافض لتقسيم البلد العربي المطل على مضيق باب المندب عبر ميليشيات مدعومة إماراتيا، على طريقة ما يجري بالسودان بدعم أبوظبي للدعم السريع.
مواقف دفعت بمراقبين بينهم الكاتب الصحفي جمال سلطان، للتساؤل: "هل تطابق الموقفين المصري والسعودي ضد مخططات الإمارات في كل من السودان واليمن، يؤشر إلى تحولات جديدة، ومحاور جديدة في المنطقة؟ وهل تخرج مصر أخيرا من الفخ الإماراتي بدعم سعودي؟".
ماذا عن الموقف التركي؟
خلال عامين و8 أشهر هي زمن الحرب، تتبنى تركيا استراتيجية دعم مؤسسات الدولة الرسمية (الجيش) مع فتح قنوات وساطة، وتجنب الصدام المباشر مع القوى الإقليمية الداعمة للطرف الآخر مثل الإمارات، ففي 20 نيسان/أبريل 2023، دعا أردوغان، البرهان، وحميدتي، للتفاوض في أنقرة، معلنا أن "السودان أمانة تاريخية لتركيا"، ليستقبل البرهان في أنقرة أيلول/ سبتمبر، مؤكدا على "وحدة السودان ومؤسساته الشرعية".
وفي أيار/ مايو 2023، تم نقل السفارة التركية من الخرطوم إلى بورتسودان بعد تعرض موكب السفير التركي لإطلاق نار، فيما قام وزير الخارجية هاكان فيدان، في تموز/ يوليو 2024، بزيارات لعدة عواصم إقليمية، دعما لـ"مبادرات جدة"، ليعلن في تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، استعداد بلاده المساهمة في "إعادة الإعمار".
وعسكريا، وفي آب/ أغسطس 2023، تم توقيع مذكرات تعاون عسكري دفاعي، لتُفيد تقارير خلال 2024 و2025، بتزويد الجيش السوداني بطائرات مسيرة (بيرقدار TB2)، ومعدات رؤية ليلية وذخائر متطورة، وسفينة مساعدات ضخمة وصلت بورتسودان محملة بمستشفيات ميدانية وأدوية، ومسيرات "عنقاء"، وانتحارية صغيرة، وأنظمة رادار محمولة، مع اتفاق لتوريد قذائف هاون وصواريخ.
أدى الدخول التركي على خط الأزمة السودانية لإحداث تغييرات جوهرية في موازين القوى، محولا الصراع من حرب استنزاف برية إلى مواجهة تقنية تميل كفتها لصالح الجيش عبر المسيرات التركية، ما ساهم باستعادة مناطق حيوية في أم درمان والجزيرة، وحماية بورتسودان.
اظهار أخبار متعلقة
في المقابل، فإن ميليشيا الدعم السريع التي تدعمها الإمارات لوجستيا وماديا، اتهمت أنقرة بأنها أصبحت طرفا مباشرا، وحذرت الشركات التركية من أنها ستكون أهدافا مشروعة، خاصة مع ما منحته الأسلحة التركية لجيش السودان من تفوق استراتيجي، وفرضت واقعا عسكريا جديدا يدفع نحو التفاوض.
واقتصاديا، وقعت شركة "تيرمبورت" التركية اتفاقا لتطوير وإدارة رصيف بميناء بورتسودان الجنوبي، وتحويله لمركز للصادرات التركية نحو أفريقيا، مع تنفيذ محطات طاقة شمسية شرق السودان ونهر النيل لحل أزمة الكهرباء، فيما وسعت شركة "إتي بكر" نشاطها في التنقيب عن الذهب، بجانب مشروع "منطقة صناعية تركية" بولاية البحر الأحمر.
لكل طرف موقفه الخاص
وفي قراءته للقاءات البرهان، بابن سلمان، ثم السيسي، ثم أردوغان، خلال 10 أيام، وما قد يعنيه تتابع اللقاءات بزمن قصير من توافق ثلاثي على أزمة السودان، يعتقد الأكاديمي المصري، الدكتور محمد الزواوي، في حديثه لـ"عربي21"، أن "هناك تباينا في وجهات النظر بين القاهرة، وأنقرة، والرياض، فيما يتعلق بالسودان؛ فكل طرف له موقف خاص به".
وأكد أن "السعودية لا تريد أن تشتبك مع الإمارات في السودان، ولا تريد أن تتعارض وجهات نظريهما، وقد صرحت الخارجية السعودية مسبقا بأنه يجب على قوات التدخل السريع، حماية المدنيين، ما يعني أن الرياض مازالت تراها قوات شرعية وعليها واجب ولم تسمها كبقية الدول بأنها ميليشيا لما ترتكبه من جرائم بحق المدنيين".
خبير العلاقات الدولية والدراسات الشرق أوسطية، والمحاضر بجامعة "سكاريا"، التركية، أضاف: "مصر لا تريد لميليشيا الدعم السريع أن تسيطر على مناطق استراتيجية ومدن كبرى بالشمال السوداني تحديدا، خوفا على أمنها القومي".
تسليح تركي وقيادة مصرية
وبشأن ما يمكن أن توفره أنقرة للبرهان من دعم وتسليح، واحتمالات قيام تركيا بأدوار كتلك التي قامت بها دعما لطرابلس في مواجهة خليفة حفتر، وأذربيجان بمواجهة أرمينيا، يعتقد الزواوي، أن "تقارب أنقرة، مع القاهرة بالملف السوداني أكبر من الرياض".
ولذا يعتقد أنه "في حال تخطي الخطوط الحمر المصرية ستكون تركيا مستعدة لتوفر الدعم العسكري فقط، كطائرات مسيرة وتسليح للجيش السوداني، في حين أن مصر ربما تقوم بقيادة العمليات العسكرية بنفسها في الشمال السوداني".
ويرى أن "هذا تطور ملحوظ على الدور المصري، الذي كان يعتمد فقط على تدريب قوات الجيش السوداني بقاعدة (مروي)، وكذلك تقديم الدعم اللوجستي والاستخباراتي، وجرت أنباء سابقة عن القبض على ضباط مصريين في إحدى القواعد".
واستدرك الأكاديمي المصري: "لكن أعتقد أن مصر لن تتدخل مباشرة، ربما تقوم بإدارة الجهود العسكرية، باعتبار أن الجيش السوداني فشل في أن يثبت كفاءة في حروب المدن، ولم يستطيع السيطرة على المدن التي استردها وسرعان ما كانت تُؤخذ منه، ومن ثم فإنه فشل في تثبيت الأوضاع".
اظهار أخبار متعلقة
دور سعودي مع واشنطن
وعن رؤيته لحجم تلاقي الدور التركي والمصري والسعودي المحتمل في السودان مع الموقف الأمريكي من الأزمة، وما إذا كان يصطدم هذا التحالف بأطماع وأدوار الإمارات بالسودان، لفت الزواوي، إلى أن "هناك دور للسعودية هنا، بأن تضغط بالحل السلمي على أمريكا، ومن أجل تطبيق حوار جاد، لكي نصل إلى حل سلمي في السودان".
وخلص للقول: "هناك توافق بين الدول الثلاثة على أنه لا يجب أن تقع السودان فريسة لميليشيا الدعم السريع، وهو ما سيُعتبر انقلابا في الموازين بالنسبة لمصر وتركيا، باعتبار أن الدعم السريع مدعوم من الإمارات التي قامت بالذبح والقتل والتنكيل وكذلك بنهب ثروات السودان".
أنقرة وتغيير المعادلة
وفي تقديره قال الكاتب الصحفي التركي حمزة تكين: "زيارة البرهان إلى تركيا ولقائه الرئيس أردوغان، تأتي في إطار تعزيز العلاقات التركية السودانية بشكل عام، وتأتي بشكل خاص مع التطورات المتسارعة في السودان واستمرار ميليشيا الدعم السريع بأعمالها التخريبية هناك ضد الشعب السوداني".
وفي حديثه لـ"عربي21"، أكد أن "تركيا داعم أساسي للسودان والحكومة السودانية وللشعب السوداني"، موضحا أنه "منذ فترة ليست بالقصيرة تقدم تركيا الدعم للسودان في مجالات عدة منها السياسي والإنساني والإغاثي والتنموي والاستخباراتي والعسكري؛ فتركيا تدعم عسكريا واستخباراتيا الجيش السوداني، وخاصة الطائرات المسيرة".
وأوضح أن "الدعم التركي الاستخباراتي والعسكري للسودان غير الكثير من المعادلات في المرحلة الماضية لصالح الحكومة السودانية، وأوقف ميليشيات الدعم السريع عن الكثير من تقدماتها و تصرفاتها؛ وبالتالي تركيا بدعمها للسودان تساهم بتغيير المعادلة الاستراتيجية هناك لصالح الشعب السوداني وإيقاف ما تقوم به ميليشيا الدعم السريع".
ولفت إلى أن "زيارة البرهان الأخيرة ركزت على زيادة الدعم التركي للشرعية السودانية، وكان هناك قبول تركي لتعزيز هذه الشراكة وزيادة الدعم المرحلة المقبلة، الأمر الذي سيكون له بكل تأكيد تداعيات إيجابية لصالح السودان".
وختم بالقول: "وهنا تؤكد تركيا أنها تقف إلى جانب الشعب السوداني ومستقبله؛ على عكس الكثيرين الذين يدعمون الميليشيات هناك، والتي لم تقدم للسودان إلا الخراب والجوع والقتل والدمار واللجوء والنزوح".
إعادة تموضع استراتيجي
وفي تحليله الاستراتيجي قال الخبير العسكري المصري محمود جمال، إن :"تحركات البرهان باتجاه السعودية ثم مصر ثم تركيا لا يمكن قراءتها كزيارات منفصلة، بل تأتي ضمن سياق إعادة تموضع استراتيجي للقيادة السودانية في ظل انسداد مسارات الحسم الداخلي، وتصاعد الدور الخارجي في الحرب، خصوصا الدعم الإماراتي لميليشيا الدعم السريع".
وأوضح عبر صفحته بموقع "إكس"، أن "السعودية لاعب محوري في البحر الأحمر، وتملك وزنا سياسيا وماليا وقدرة على ضبط الإيقاع الإقليمي دون الانخراط العسكري المباشر، ومصر ترى في السودان عمقا استراتيجيا لا يحتمل السقوط في يد ميليشيا منفلتة أو كيان وظيفي مدعوم خارجيا".
وبحسب رؤيته، بين أن "تركيا تمتلك خبرة في إدارة النزاعات المركبة، وأدوات عسكرية وتقنية (خصوصا في مجال المسيرات وإعادة بناء الجيوش النظامية) دون أن تكون طرفا تقليديا في الاستقطاب الخليجي".
وحول شكل التحالف المصري السعودي التركي بالملف السوداني، قال جمال، إن "المؤشرات لا تدل على تحالف عسكري صلب، بل على تنسيق متعدد المستويات يشمل: غطاء سياسيا وإقليميا لشرعية الجيش السوداني، ودعما لوجستيا وتقنيا غير معلن، وتحجيما دبلوماسيا لمسارات الشرعنة الدولية للدعم السريع".
اظهار أخبار متعلقة
تلاعب الإمارات
وعبر مواقع التواصل الاجتماعي انتقد سياسيون ونشطاء عرب، أدوار الإمارات، بينهم السياسي اللبناني وليد جنبلاط، الذي كتب تغريدة عبر موقع "إكس" –حذفها لاحقا- يلمز الأفعال الإماراتية بتطويق مصر والسودان والسعودية، قائلا: "دولة عربية تقيم مع إسرائيل علاقة مميزة، تحاول تطويق السعودية عبر حضرموت، ونشر الفوضى في السودان، وصولا لحدود مصر الجنوبية".
وعبر صفحته بـ"فيسبوك"، حذر الكاتب السوداني وائل نصر الدين، من أدوار الإمارات بالمنطقة العربية وخاصة بالسودان وسوريا وليبيا واليمن، مطالبا الجامعة العربية بوقف ما أسماه "البلطجة الإماراتية".
وكتب الصحفي المصري جمال سلطان يقول: "المحاور الجديدة تتبلور بسرعة مثيرة، المحور الإماراتي الإسرائيلي بمواجهة المحور السعودي التركي المصري، يتواجهان في ثلاث مناطق شديدة الحساسية، السودان، اليمن، القرن الأفريقي".