ملفات وتقارير

إعلان ترويجي لمؤسسة عسكرية يثير الجدل حول صناعة "من سيحكم مصر"

تأهيل إلزامي لموظفي الوزارات داخل الأكاديمية العسكرية- جيتي
تأهيل إلزامي لموظفي الوزارات داخل الأكاديمية العسكرية- جيتي
شارك الخبر
نشرت الفضائيات المصرية التابعة للشركة المتحدة للخدمات الإعلامية المملوكة لجهات سيادية، مساء السبت، إعلانا ترويجيا عن "الأكاديمية العسكرية المصرية" التابعة لوزارة الدفاع، في سابقة قد تكون هي الأولى لمؤسسة عسكرية تابعة للجيش المصري.

وأنشأت الأكاديمية، كمؤسسة عسكرية بديلة عن الأكاديميات المدنية، تضم منشآت تعليمية وميادين تدريب ومجمعات رياضية وسكنية بمساحة 1500 فدان بالقيادة الاستراتيجية بالعاصمة الجديدة، في تحول لأدوار "الكلية الحربية" بالقاهرة سابقا من الإعداد العسكري للضباط فقط إلى تدريب عسكري لجيل من المدنيين بهدف مشاركة العسكريين في إدارة الجمهورية الجديدة.

وتعاظم دور الأكاديمية مؤخرا ليمتد إلى القطاع المدني، حيث أصبحت الوجهة الإلزامية لتدريب وتأهيل الموظفين الجدد بوزارات التعليم، الأوقاف، النقل، الخارجية، والهيئات القضائية، بالإضافة إلى حاملي الدكتوراه من دعاة الأوقاف؛ وذلك بهدف غرس قيم الجمهورية الجديدة والوعي بالأمن القومي، وفق تصريحات المتحدث باسم القوات المسلحة.

اظهار أخبار متعلقة



وفي خطوة استراتيجية افتتحت الأكاديمية العام الجديد، بتشكيل مجلس علمي لها برئاسة وزير الأوقاف أسامة الأزهري، ليكون منصة لانطلاق رؤية رئيس النظام عبدالفتاح السيسي، نحو تحديث المناهج التعليمية والأزهرية؛ وإعداد دعاة وزارة الأوقاف، في ظل تجاهل لدور أكاديمية الأزهر العالمية للتدريب، وفق مراقبين.

إعداد عسكري للمدنيين.. قادة المستقبل
وتحت عنوان: "الأكاديمية العسكرية المصرية.. فخر لكل المصريين"، ظهر في الإعلان الترويجي شباب مصري من الجنسين يتحدثون عن برامج الأكاديمية العسكرية التعليمية ومنها ما يتعلق بالأمن القومي، ودورها في تغيير حياتهم وأفكارهم قبل الالتحاق بالوظائف المدنية.

يشير المتحدثون في الإعلان إلى أن الأكاديمية العسكرية تقوم بإعداد وتخريج كوادر قيادية لإدارة الدولة وجميع مؤسساتها في جميع المجالات والتخصصات، إلى جانب تنمية روح القيادة وصناعة رجال وأبطال على أعلى مستوى لقيادة البلاد، وفق الإعلان.



إعداد العسكريين لحكم مصر
وفي ذات سياق ما جاء بالإعلان الترويجي، تشير بعض المقاطع المصورة والمنشورة عبر صفحة الأكاديمية العسكرية بـ"فيسبوك"، إلى أنه يجري إعداد طلاب الأكاديمية من العسكريين وتجهيزهم بالأكاديمية بهدف واحد يجمعهم وهو إعداد جيل عسكري متخرج من الأكاديمية قادر على حكم مصر.

وتقول إحدى المقاطع مخاطبة المصريين: "دي حياتنا اللي اخترناها"، و"إحنا هنا علشان (لأجل أن) نفكر ونقرر ونقود"، مؤكدا على زرع وترسيخ فكرة أنهم أصحاب الرؤية والقرار والقيادة للدولة المصرية في نفوس الطلاب العسكريين (ضباط المستقبل) من مراحل التعليم الأولى لهم.



ويقول مقطع ثاني: "اخترنا التعب عن الراحلة واخترنا الوطن عن نفسنا وهذا طريق ليس سهلا"، مضيفا: "طريقنا الذي بدأناه هنا لصناعة قائد".



ليأتي مقطع ثالث تحت عنوان: "اطمأنوا فهؤلاء من يحموكم"، ليعرض طرق تدريب طلاب الكليات العسكرية، ويقدم حالة من الطمأنينة للمصريين أنهم ومصر في أيد مدربة وقوية.

ليقول مقطع رابع: "اللي اتربي هنا عمره ما يتكسر... واللي يتخرج من هنا يقدر يواجه أي حاجة.. كلهم زي بعض وبيحلموا نفس الحلم"، في إشارة إلى تفرد وقدرات العسكريين، ومؤكدا على فكرة إعداد هؤلاء الأبطال لقيادة مصر مستقبلا.



وفي مقطع نشرته الأكاديمية حمل عنوانا تحريضيا ضد المعارضة وجماعة الإخوان المسلمين، يقول: "قلنا لهم: لا تلعبوا بالنار مع الجيش ولا تستفزوا رجال الجيش"، ما يمثل وفق رؤية محللين، محاولة من الجيش لتقديم تبرير للطلاب لما جرى من عمليات قتل واعتقال للمعتصمين المؤيدين للرئيس الراحل محمد مرسي، والتي تورط فيها قادته عام 2013، في "رابعة العدوية والنهضة".



صناعة جيل عسكري.. ونهاية دور منظمات الشباب
وفي قراءتهم لدلالات الإعلان الترويجي الذي يخرج للمصريين عبر الفضائيات، إلى جانب ما تعرضه الأكاديمية من مقاطع دعائية، أكد مراقبون أنها "تكشف عن توجه الدولة المصرية نحو صناعة جيل عسكري الفكر والهوى ينزع عن المدنيين القدرة على القيادة دون الخضوع لتدريب عسكري بالأكاديمية 6 شهور".

وأوضحوا أنه توجه "يأكل من رصيد وأدوار منظمات: (البرنامج الرئاسي لتأهيل الشباب للقيادة) 2015، و(الأكاديمية الوطنية للتدريب) 2017، و(تنسيقية شباب الأحزاب) 2018، و(كيان شباب مصر) 2021: التي اعتمد عليها السيسي لسنوات، ومثلت الظهير الشبابي له، وقدمت وجوها داعمة لنظامه تدافع عنه إعلاميا وعبر مواقع التواصل الاجتماعي، وشخصيات قيادية في كل التخصصات كمساعدين لرؤساء الأحياء والمحافظين، ونوابا بالبرلمان".

وكما يقول الباحث في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي يزيد صايغ، في دراسة له بعنوان: "الجمهورية الثانية.. إعادة تشكيل مصر في عهد السيسي"، ونشرت في أيار/ مايو الماضي، إن  السيسي "بنى شبكات ولاء جديدة عبر تعزيز نفوذ الكوادر الشابة الموالية وإضعاف النخب التقليدية لنظام الحكم السابق".

وظهر نشاط شباب البرنامج الرئاسي، والتنسيقية، وكيان، بدعم أجهزة سيادية بقوة عبر مؤتمرات الشباب التي عقدها السيسي، بشكل دوري وكانت منصته للحديث إلى المصريين، لـ"يتحول إلى توجيه رسائله عبر الأكاديمية العسكرية وإلى المتدربين المدنيين فيها وإلى طلاب الأكاديمية من العسكريين، في تراجع لدور المنظمات الشبابة، مقررا الاعتماد على أشخاص لهم صفة عسكرية أو تدربوا على يد جهة عسكرية"، بحسب محللين.

اظهار أخبار متعلقة



وعقد السيسي نحو 10 مؤتمرات انتقد معارضون حجم ما صرف عليها من أموال، وهي مؤتمرات: شرم الشيخ تشرين الأول/ أكتوبر 2016، والقاهرة كانون الأول/ ديسمبر 2016، وأسوان كانون الثاني/ يناير 2017، والإسماعيلية نيسان/ أبريل 2017، و الإسكندرية تموز/ يوليو 2017، والقاهرة أيار/ مايو 2018، وجامعة القاهرة تموز/ يوليو 2018، والعاصمة الجديدة تموز/ يوليو 2019، والقاهرة أيلول/ سبتمبر 2019، والإسكندرية حزيران/ يونيو 2023.

وتاريخيا، اعتمدت الأنظمة المتعاقبة في مصر على إنشاء أذرع شبابية تنظيمية لتكون ظهيرا سياسيا للنظام، وضمان ولاء الأجيال الجديدة، وتجهيز كوادر مستقبلية، حيث شهد عهد جمال عبدالناصر، "التنظيم الطليعي" (1963 - 1965)، و"الاتحاد الاشتراكي" (1965)، ثم جهاز الشباب (1971)، و"منظمة شباب مصر" (1973) بعهد أنور السادات، ومنظمة الشباب بالحزب الوطني (1980 – 2011)، وأمانة الشباب بالحزب الوطني (2002)، بعهد حسني مبارك.

وصي على الدولة
وفي دراسة يزيد صايغ، بعنوان: "أولياء الجمهورية: تشريح الاقتصاد العسكري المصري"، كانون الأول/ ديسمبر 2019، أكد السيسي يؤسس لما يسمى "الجمهورية الثانية"، التي تختلف عن جمهورية 1952، ففي جمهورية السيسي، لم يعد الجيش مجرد شريك في الحكم، بل أصبح الوصي المباشر على الدولة.

وتحدث صايغ، عن أن نظام السيسي، يتعمد إضعاف البيروقراطية المدنية التقليدية وتهميش مجلس الوزراء لصالح دولة موازية تُدار من داخل مؤسسة الرئاسة وبالاعتماد على الأجهزة السيادية والعسكرية.

وفي حديثهما لـ"عربي21"، قدم سياسيان مصريان قراءة في دلالات الإعلان الترويجي للأكاديمية العسكرية، وهدف تصديره للمصريين، ورسائل الأكاديمية من الترويج لجملة: "إحنا هنا علشان نفكر ونقرر ونقود"، وأسباب استغناء السيسي عن كيانات شبابية صنعها الأمن الوطني والاستعانة بشباب مدنيين وعسكريين تحت رعاية المخابرات الحربية.

إحدى مراحل السقوط
وقال السياسي المصري عمرو عادل، إن "العقد الحالي كما يبدو عقد التوقف عن الأداء السياسي المسرحي؛ فكل الأنظمة سواء الإمبريالية أو الاستبدادية وصلت لمرحلة من السلطوية والحماقة ما يجعلها تتصرف وكأنه لا أحد غيرها".

رئيس المكتب السياسي للمجلس الثوري المصري المعارض، أضاف لـ"عربي21": "لم يعد القانون الدولي رادع لرأس الشر الأمريكي، كما لم تعد كلمة الحكم العسكري تثير حفيظة النظام الحاكم في مصر؛ وما كان يحدث في الغرف المغلقة ويعلن بأنماط لخداع الجماهير لم يعد يجدي".

وأكد أن "الحقيقة هي أن المؤسسات العسكرية هي المكان الذي يصدر كل المسؤولين السياسيين والأمنيين والبيروقراطيين في مصر؛ وكانت الاستعانة ببعض المدنيين دون سلطات حقيقية مرحلية ولأسباب لم تعد موجودة الآن".

ويرى أنه "لم يعد هناك داعي للأداء المسرحي السياسي، ولنكن واضحين تماما؛ ستكون الأكاديميات العسكرية هي المالكة الحصرية لصناعة الكوادر لإدارة الدولة بكل مستوياتها".

ويعتقد أن "المشكلة الحقيقية أن هذا سيؤدى إلى نتائج غاية الخطورة؛ فإدارة الدول لا يمكن أن تنجح بالنمط العسكري فقط، كما أن الثوابت التاريخية تؤكد أن عدم رؤية الآخر والتصرف كأنك وحدك إحدى مراحل السقوط المدوي، كما يحدث الآن من الأمريكان، وعلى مستوى صغير متواضع من النظام العسكري المصري في إحكام السيطرة التامة على البلاد".

هندسة الدولة وفق عقيدتها
من جانبه قال السياسي المصري رضا فهمي: "هناك أكثر من بعد في هذه المسألة، ففكرة عسكرة الدولة بكل مؤسساتها: جيش، شرطة، قضاء، أزهر، كنيسة، تعليم، صحة، في النهاية الرسالة واضحة وتقول إن هذه البلد ملكية خاصة للجيش".

رئيس لجنة الأمن القومي بالبرلمان المصري سابق، أضاف لـ"عربي21": "وبالتالي المؤسسة العسكرية تعيد هندسة هذه الدولة وفق عقيدتها ورؤيتها وثقافتها ووفق منظومتها الفكرية؛ وبالتالي تسلم البلد كاملة بكل أطيافها أن مصر ملك للمؤسسة العسكرية".

ولفت إلى وجود 3 أبعاد هنا أولها: "بعد نفسي، بحيث يترسخ أنه كل ما يأتي عن المؤسسة العسكرية هو الأصل، وكل ما يأتي من غيرها من المؤسسات المدنية سواء في العمل أو التعليم وغيره، محل أخذ ورد ومحل شك، طالما أنها لم تأتي من قبل المؤسسة العسكرية".

اظهار أخبار متعلقة



وأشار إلى أن "البعد الثاني، يكشف عن حالة الفراغ التي تعيشها المؤسسة العسكرية للدرجة التي تدفعها للبحث لنفسها عن أدوار في الحقيقة ليست لها وهي غير مؤهلة للقيام بها".

وأوضح أنه "إذا كانت المؤسسة العسكرية ترى أنها من الفروض أنها تؤهل قيادات الأزهر؛ فعلى الأزهر أن يؤهل كوادر من عنده ليحموا الحدود المصرية ويدافعوا عن الأمن القومي، لأن الجيش الذي هذه مهامه مشغول بأمور أخرى داخل منظومة الدولة".

وأكد أن البعد الثالث، هو: "فكرة عسكرة الدولة من تلك الإجراءات والخطوات، وهي فكرة قديمة وليست مستحدثة أنشأتها دولة 23 تموز/ يوليو 1952، ومن وقتها المحاولات لا تتوقف، وإن كانت أخذت منحنى كبيرا في عهد عبدالناصر وبدرجة أقل في عهدي السادات وحسني مبارك، لكنها عادت بصورة أوسع وأسوأ وأفظع مما كانت عليه في عهد عبدالناصر، في عهد السيسي".

وخلص فهمي للقول: "هذه المسارات والأبعاد الثلاثة تقول رسالة مجملة مفادها إن الجيش هو الدولة، والدولة هي الجيش، وبالتالي يتوجب على مكونات الدولة أن تخدم على المؤسسة العسكرية، وفق رؤية ومراد هذه المؤسسة".

إعادة صياغة الولاء
وأشار خبير مصري في الإدارة –فضل عدم ذكر اسمه- إلى أن "محاولة السيسي عسكرة الكوادر المدنية عبر تدريبهم بالأكاديمية العسكرية ليس بهدف تطوير المهارات الفنية للموظفين، بل إعادة صياغة ولائهم".

وأوضح لـ"عربي21"، أنه "يثق في النموذج العسكري ويرى أن المدنيين بطيئون أو فاسدون، لذا يسعى لغرس عقيدة الانضباط والسمع والطاعة في الموظف المدني قبل تسلمه العمل بهدف تنفيذ الأوامر دون مراجعة أو اعتراض".

ويرى أن "دعواته تحديث المناهج الأزهرية والتعليمية من داخل الأكاديمية العسكرية محاولة لتأميم الفكر الديني وتوجيه عقول الطلاب والدعاة بحيث تتوافق ورؤية الجمهورية الجديدة".
التعليقات (0)

خبر عاجل