صدام غير مسبوق.. نادي القضاة في مصر يتحرك ضد نقل التعيينات للأكاديمية العسكرية

هذا التحرك غير مسبوق في عهد السيسي- جيتي
هذا التحرك غير مسبوق في عهد السيسي- جيتي
شارك الخبر
كشفت تحركات في أوساط "نادي القضاة" المصري إثر اجتماع طارئ الأربعاء، ودعوة لجمعية عمومية 6 شباط/ فبراير المقبل، عن حالة غضب بأروقة ودهاليز إحدى أعرق المنظومات القضائية، لما أثير عن سحب ملف تعيينات "النيابة" وترقيات "القضاة" من يد الهيئات القضائية وجعله بيد "الأكاديمية العسكرية" التي تقدم تدريبا أصبح إلزاميا لكل المعينين الحكوميين وبينهم القضاة.

وهذا هو الصدام الأول بين "نادي القضاة" والنظام الحالي بقيادة عبد الفتاح السيسي الذي قاد انقلابا عسكريا منتصف 2013، أطاح بأول رئيس مدني منتخب ديمقراطيا الرئيس الراحل محمد مرسي، وكان لـ"نادي القضاة" ولرئيسه حينها أحمد الزند دور مسبق فيه عبر الجمعية العمومية الشهيرة 24 نيسان/ أبريل 2013.

اظهار أخبار متعلقة


اجتماع عاجل وجمعية عمومية
والأربعاء، شهد مقر النادي بشارع عبد الخالق ثروت بقلب العاصمة القاهرة، اجتماعا حاشدا ملأ القاعة الرئيسية والحديقة الجانبية بشيوخ القضاة ورؤساء المحاكم بدعوة من رئيس النادي المستشار أبو الحسين قايد، لمناقشة أمر وصف بـ"الجسيم"، ويمس السلطة القضائية، دون إعلان رسمي عما يجري، أو رد من السلطات يكشف عن نوع الخلاف.

لكن، بيان للنادي أكد أنه "لن يتوانى قيد أنملة عن الدفاع عن استقلال القضاء وصون هيبته"، داعيا القضاة للالتفاف خلف ناديهم في مرحلة "دقيقة"، مؤكدا على اتخاذه "خطوات تصعيدية بينها الدعوة لعقد جمعية عمومية غير عادية"، مقررة يوم 6 شباط/ فبراير المقبل، ومنح الحلول التفاوضية مدة أسبوعين.

ووفقا لموقع "المنصة"، فإن أحد القضاة المجتمعين، أكد أن "الأزمة تتعلق بوجود توجه داخل الدولة لنقل ملف تعيينات الجهات والهيئات القضائية وترقياتها بالكامل إلى الأكاديمية العسكرية، لتصبح الجهة المسؤولة عن التقديم والمقابلات والاختيار، بدلا من الهيئات القضائية".

وكشف عن إبلاغ مدير مكتب رئيس الجمهورية عمر مروان، رؤساء الجهات والهيئات القضائية، بالقرار 15 كانون الثاني/ يناير الجاري، وتأكيده أنه "قرار سيادي من رئاسة الجمهورية، وأن الموضوع انتهى وأنهم بصدد تنفيذه"، مبينا أن رئيس محكمة النقض رئيس مجلس القضاء الأعلى المستشار عاصم الغايش، اعترض على الخطوة كونها تمس "استقلال القضاء".

"المادة 184" من الدستور المصري تؤكد استقلال السلطة القضائية، حيث تنص على أن "السلطة القضائية مستقلة،... ، ويبين القانون صلاحياتها، والتدخل في شؤون العدالة أو القضايا، جريمة لا تسقط بالتقادم"، وتمنح "المادة 185" الجهات القضائية سلطة إدارة شؤونها الخاصة، كما تضمن "المادة 186" استقلالية القضاة وعدم قابليتهم للعزل.

وأُنشئت الأكاديمية، كمؤسسة عسكرية بديلة عن الأكاديميات المدنية، تضم منشآت تعليمية وميادين تدريب ومجمعات رياضية وسكنية بمساحة 1500 فدان بالقيادة الاستراتيجية بالعاصمة الجديدة، في تحول لأدوار "الكلية الحربية" و"أكاديمية ناصر العسكرية" بالقاهرة سابقا من الإعداد العسكري للضباط فقط إلى تدريب عسكري لجيل من المدنيين.

وتعاظم دور الأكاديمية مؤخرا ليمتد إلى القطاع المدني، حيث أصبحت وجهة إلزامية لتدريب وتأهيل الموظفين الجدد بوزارات التعليم، الأوقاف، النقل، الخارجية، والهيئات القضائية، بالإضافة إلى حاملي الدكتوراه من دعاة الأوقاف؛ وذلك بهدف غرس قيم الجمهورية الجديدة والوعي بالأمن القومي، وفق تصريحات المتحدث باسم القوات المسلحة.

إجراءات نزع الصلاحيات
ووفق صفحة "متصدقش"، فإن التعليمات الجديدة بحسب 4 قضاة، تبدأ من العام المقبل وتمثلت بـ"إلغاء مقابلات التفتيش القضائي الخاصة بتعيينات النيابة العامة، وإلغاء دور مجلس القضاء الأعلى بالتعيينات والترقيات بالجهات والهيئات القضائية، وقصر الترقيات على من يجتاز دورات الأكاديمية العسكرية، وإلغاء إدارة التعيينات بمكتب النائب العام".

وأكدت أن اجتماع الأربعاء، منح فرصة لتشاور نادي القضاة والمجلس الأعلى للقضاء، ومساحة للتفاوض بين الجهات المعنية وهي: مجلس القضاء، ووزير العدل عدنان فنجري، ومدير مكتب رئيس الجمهورية عمر مروان، ورئيس الأكاديمية العسكرية الفريق أشرف سالم، لتعقد الجمعية العمومية حال عدم التوافق.

ويجري تعيين أعضاء النيابة والقضاة وفقا للمادتين (38 و116) من قانون السلطة القضائية، حيث تبدأ بإعلان النيابة العامة، وهيئة النيابة الإدارية، وقضايا الدولة، قبول خريجي كليات الحقوق، والشريعة والقانون، والشرطة، ليخضع المتقدم وأسرته حتى الدرجة الرابعة للتحريات الأمنية.

ما يتبعه اختبارات تحريرية وإلكترونية ومقابلة شخصية أمام لجنة سباعية من المجلس الأعلى للقضاء أو رؤساء الهيئات القضائية، ليضاف بالسنوات الأخيرة، تدريب إلزامي 6 شهور بـ"الأكاديمية العسكرية" (أكاديمية ناصر العسكرية سابقا) لدراسة مقررات عن الأمن القومي كشرط أساسي للتعيين.

ويفرض المشهد طرح التساؤلات: حول حدود الصراع بين نادي القضاة والنظام الحالي، وأوراق الضغط بيد القضاة، واحتمالات تكراره تجربة النادي مع الرئيس مرسي مع السيسي، والتوقعات حول رد فعل النظام بين التراجع عن قراره أو ارتكاب مذبحة بحق القضاة المتصدرين للمشهد.

غضب واسع يمنع العقاب
الخبير القانوني الدكتور سعيد عفيفي: قال لـ"عربي21"، إن "الجسم القضائي بخير وأعتقد أن ٨٠ بالمئة من القضاة يعملون بشكل صحيح، ولم ينخرطوا بدهاليز الفساد السياسي".

وأضاف: "دأبت الأنظمة السياسية المتعاقبة السيطرة على النقابات والأندية المهنية بما فيها نادي القضاة، الذي كان يصدر بيانات خلال عام حكم الرئيس مرسي وكأننا في معركة عسكرية".

ويعتقد عفيفي، أن "أعضاء النادي أدركوا مدى خطورة القرارات التنفيذية على كيفية تسيير عمل السلطة القضائية والتي من المفترض أن تكون مستقلة تماما عن باقي السلطات وخصوصا التنفيذية التي تمثلها الحكومة، والتي بدورها ألعوبة في يد السيسي، ومن يشير عليه بقرارات لا تصدر إلا عن جاهل لا يعرف معنى استقرار السلطة القضائية وأثره على استقرار المجتمع".

وحول حدود هذا الصراع ألمح إلى احتمال حدوث "مذبحة جديدة لبعض قضاة يقودون هذا الصراع؛ وهذا مستبعد في تقديري لأن رقعة الغضب تغطي كل أندية القضاة بكافة المحافظات، ورفض القرارات التنفيذية نابع من جميع أفرع القضاء، وهذا يمنع السيسي من اللجوء لمذبحة بحقهم".

وفي نهاية حديثه يعتقد أن "الأمر الحتمي المفروض هو التفاهم مع هذه الفئة بإلغاء القرارات التي تخل بمبدأ الفصل بين السلطات المعمول به طبقا للدستور".

حالة شماتة لها خطورتها
وفي جانب الموقف الشعبي من الأزمة، أكد الباحث المصري مصطفى خصري، أن "رد الفعل الشعبي تجاه تغول السلطة التنفيذية على القضاء حالة معقدة من الشماتة -الطبيعية والمبررة- الناتجة عن سيكولوجية اليأس؛ فمنذ أحداث عام ٢٠١٣؛ تصاعد القمع، وتدهورت الأوضاع الاقتصادية، وتشكلت قناعة لدى المواطن بأن القضاء تحول من حصن للعدالة إلى أداة للنظام".

وأضاف لـ"عربي21": "حدث ارتباط شرطي بين الظلم الواقع على المجتمع -والذي كان القضاء أحد أدواته- وبين تمتع القضاة في المقابل بامتيازات فئوية ومحسوبية في التعيينات؛ لذا، يرى المواطن المظلوم أن انكسار هيبة القضاة -وأي ضرر آخر يمكن أن ينالهم- هو نوع من العدالة القدرية، فالمجتمع هنا يستخدم -معنويًا- قوة النظام الذي كان الفاعل الرئيسي في ظلمه؛ كسوط ينتقم به ممن استعلى عليه، أو شارك في ظلم أحبائه بأحكام قاسية، أو صادر أموالهم وسكت عن التنكيل بهم".

وتابع: "رؤية القاضي خاضعا لنفس الظلم الذي عانى منه الشخص العادي؛ تكسر هالة القداسة، وتمنح المظلوم شعورا زائفا بالمساواة، إذ يتساوى القاضي صاحب المنصة مع المواطن المظلوم، في كونهما مجرد أدوات أمام إرادة سياسية واحدة، مما يقلل من حدة الشعور بالدونية النفسية تجاه النظام".

واستدرك: "لكن هذا التشفي يمثل انتحارا عقلانيا، فالمواطن في لحظة إحباطه؛ يفضل العدالة الانتقامية اللحظية على الأمان المستقبلي، فمنطق هدم المعبد فوق الجميع سيترك الدولة في عراء قانوني تام؛ حيث أن السيطرة المطلقة للسلطة التنفيذية على التعيينات القضائية؛ تعني تحول القضاء إلى سكرتارية قانونية، مما يقضي على أي هامش للمناورة عند بعض القضاة أصحاب الضمير، ويجعل الاستثناء قاعدة مؤسسية ثابتة".

اظهار أخبار متعلقة


سقوط مفهوم الدولة
ويرى خضري أن "الخسارة المستقبلية ستكمن في: فقدان صمام الأمان الأخير في النزاعات البينية، وهدم منظومة الحماية للملكية الخاصة، حيث سيصبح الخصم والحكم جهة واحدة؛ وبذلك يتحول المجتمع من دولة القانون إلى دولة التعليمات، حيث يكفي قرار إداري من موظف مدعوم؛ لسلب الحقوق، دون وجود أي جهة مستقلة يشتكي إليها المواطن".

ويعتقد أن "هذا لا يعني أن القضاة وحدهم من سيخسرون، بل الجميع خاسر حتى السلطة التنفيذية نفسها، والتي لو سقط أفرادها عن كراسي السلطة؛ سيعاملون نفس معاملة المواطن العادي وربما أسوأ"، مؤكدا أنها لحظة انهيار آخر جدار دفاعي حيث سيكتشف الجميع متأخرا أن سقوط استقلال القضاء -بعد أن أتم النظام هندسة السلطة التشريعية مطلع هذا الشهر- هو السقوط النهائي لمفهوم الدولة الحديثة ذات السلطة الثلاثية وإعلان  مصر دولة شمولية".

مذبحة القضاة.. من ناصر إلى السيسي
واجه القضاة أزمات عديدة مع السلطة عرضتهم لما يطلق عليه "مذبحة القضاة"، عام 1969، بعزل الرئيس جمال عبد الناصر، أكثر من 200 قاض تمسكوا باستقلال القضاء، ليقوم نادي القضاة في أيلول/ سبتمبر 2013، بفصل 75 قاضيا لتأييدهم "شرعية"، حكم الرئيس الراحل محمد مرسي، ليعزل السيسي، 44 قاضيا ويحيلهم للتقاعد في 11 أيار/ مايو 2016، إثر بيانهم الرافض لفض "اعتصام رابعة" الدموي 14 آب/ أغسطس 2013.

وشهد عهد السيسي، تقديم الدعم المالي والمعنوي للقضاة برفع الرواتب والمعاشات والخدمات الصحية وتدشين الصناديق، فيما استخدم القضاء كأداة لتصفية المعارضين، وأسس دوائر "الإرهاب"، واختار لها قضاة أصدروا آلاف الأحكام المغلظة بالإعدام والمؤبد والسجن المشدد بحق أكثر من 60 ألف معتقل سياسي.

إلا أن السيسي أسس بالتعديلات الدستورية في نيسان/ أبريل 2019، مرحلة جديدة مع القضاة نزع خلالها الكثير من السلطات والصلاحيات، فيما يمكن وصفه بـ"مذبحة قانونية".

تعديلات السيسي، على الهيكل القضائي شمل تعديل آلية اختيار رؤساء الهيئات القضائية كرئيس محكمة النقض ورئيس مجلس الدولة، لتصبح بقرار مباشر من رئيس الجمهورية بدلا من نظام الأقدمية المطلقة المعمول به سابقا، وذلك إلى جانب سلطة الرئيس في اختيار النائب العام، ما اعتبره قضاة ومعارضون تفريغا للقضاء من سلطة حارب عليها "قضاة الاستقلال" مدة عقود.

لهذا خسر القضاة
وفي حين اشتكى قضاة من تعرضهم للغبن، عبر مواقع التواصل الاجتماعي، حملهم البعض نتيجة ما يجري لهم الآن لدعمهم السابق بلا حدود للسلطة الحالية.

وعبر قضاة عن غضبهم من القرار، وما سبقه من إجراءات تنتقص من حقوقهم وبينها: خضوع المعينين للدورة العسكرية، وإصدار القانون "رقم ١٣ لسنة ٢٠١٧"، و"التعديل الدستوري" نيسان/ إبريل ٢٠١٩، وعدم تنفيذ قرار جمهوري بالمساواة بين جميع الدرجات بمختلف الهيئات القضائية.


وعلى الجانب الآخر، قال الباحث في الشؤون القانونية عباس قباري: أصبحت السلطة القضائية في مصر سيف العسكر وأداة قمعه؛ فلا داعي لتمثيل دور الشرف في مسرحية استقلال العدالة، ولا داعي لدموع التماسيح التي لن تجدي هذه المرة".


وفي ذات السياق، أكد الكاتب والباحث محمد فخري، أن "حالة الرضا العام التي تصاحب تغول العسكر على القضاء، تشير إلى أن الأخير قد فقد -بمواقفه وانحيازاته- ظهيره الشعبي والحقوقي والسياسي".

وفي تعليقه قال الصحفي أحمد حسن: "وظيفة الأكاديمية العسكرية المزعومة هي لتعميق كراهية الشعب لجيشه؛ ومن قبل أهانت رجال وعلماء الأزهر حتى من حملة الدكتوراه، وتدخلت بتعيين أعضاء هيئات التدريس، والآن تتحرش بالقضاة لتسلبهم بعض سلطاتهم".
التعليقات (0)

خبر عاجل