وجه الرئيس الأمريكي دونالد
ترامب، الجمعة، رسالة إلى رئيس النظام
المصري عبدالفتاح
السيسي، أكد فيها استعداد
بلاده استئناف الوساطة بين مصر وإثيوبيا لحل مسألة تقاسم مياه نهر النيل، القائمة
منذ عام 2011 مع بناء أديس أبابا سدا على النيل الأزرق يهدد حصتي مصر والسودان
التاريخية (55.5 و18.5 مليار متر مكعب سنويا).
الرسالة التي ثمنها السيسي،
في منشور له عبر "فيسبوك"، أشادت بداية بدوره في "وقف إطلاق النار
بين إسرائيل وحماس"، وأكدت أن حل التوترات حول سد الإثيوبي يتصدر جدول أعمال
ترامب، مضيفة أن إدارته ترى أنه "لا ينبغي لأي دولة أن تسيطر بشكل منفرد على
موارد النيل، أو أن تلحق الضرر بجيرانها"، معربا في نهايتها عن أمله في ألا
يؤدي الخلاف الذي وصفه بـ"المفهوم"، إلى اندلاع صراع عسكري كبير بين مصر
وإثيوبيا.
تهديد مبطن رغم الإطراء
ورغم إطراء ترامب، بالسيسي،
في موضعين بالرسالة الموجهة في الوقت ذاته إلى قادة السودان، وإثيوبيا، والسعودية،
والإمارات؛ إلا أن سياسيين وخبراء مصريين رأوا أنها "حملت نبرة مزدوجة"،
وفيها "تهديد مبطن لمصر"، فهي "من جهة تدعو للهدوء لتجنب صراع
عسكري في القرن الأفريقي قد يضر بالمصالح الأمريكية، ومن جهة أخرى تلمح لإجراءات
عقابية صارمة".
وربطوا بين تزامنها مع
"زيادة التواجد العسكري المصري بالصومال والذي يثير غضب إثيوبيا"،
مؤكدين أن "أمريكا أرسلت هذا الخطاب لرفضها الدعم المصري لمقديشيو إثر اعتراف
إسرائيل بانفصال إقليم صوماليلاند، الشهر الماضي".
والجمعة الماضية، كشفت
وكالة "بلومبيرغ"، عن أن السعودية بصدد تشكيل تحالف عسكري جديد مع
الصومال ومصر، في إطار الحد من النفوذ الإقليمي للإمارات، في اليمن والصومال
والسودان وليبيا، ما يعني زيادة الحضور المصري المزعج لإثيوبيا بالقرن الأفريقي.
وفي هذا الإطار، كشف أستاذ
الدراسات الأمنية الصومالي، حسن شيخ علي نور، لـ"عربي21"، أن ضباطا من
الجيش المصري زاروا الصومال عدة مرات عقب هذه التطورات، في إطار التنسيق بين
وزارتي دفاع البلدين ضمن اتفاقية عسكرية أُبرمت العام الماضي.
ولفت المراقبون المصريون
إلى "لغة التحذير الأمريكي الناعم من الصدام العسكري بين مصر وإثيوبيا"،
معتقدين أن "هذه ليست نصيحة، بل ترسيم لخط أحمر، ورسالة ضمنية واضحة بأن أي
تحرك حاسم سيُقرأ كخروج عن الإجماع الدولي، لا كدفاع عن حق مصر".
كما قرأوا في رسالة ترامب،
للسيسي، "تهديد ووعيد وليس فقط عرض للوساطة، وتأكيد بأن واشنطن من تدير
العالم، وأن الوجود المصري في الصومال لن يعطيها الحق في ضرب إثيوبيا، وأن أي تحرك
مصري لابد من موافقة أمريكية عليه".
وأكد المراقبون أن
"الخطاب لا يحمل وعودا، ولا ضمانات، ولا ضغطا على الطرف الإثيوبي، ولا يتحدث
عن حقوق مائية، ولا عن ضرر جسيم، ولا عن قواعد ملء وتشغيل ملزمة، ولا عن آلية
تنفيذ أو ضمان".
"ضابط إقليمي لا ضامن للحقوق"
وفي قراءته في رسالة ترامب،
إلى الرئيس المصري بشأن
سد النهضة، وحول توصيفها السياسي ودلالات مضمونها، تحدث
الكاتب الصحفي والمحلل السياسي المصري إلهامي المليجي، لـ"عربي21"،
قائلا: "يمكن توصيفها باعتبارها وثيقة سياسية رمزية أكثر منها مبادرة عملية".
ورأى أنها "تعبير عن
رغبة واشنطن في إعادة الإمساك بملف سد النهضة، لا عن تقديم حل حقيقي له؛ وخطابها
تهدوي في الشكل، لكنه إداري في الجوهر، يهدف إلى احتواء احتمالات التصعيد دون
معالجة أسباب الأزمة".
اظهار أخبار متعلقة
وحول ما أشار إليه مراقبون
من أن "رسالة ترامب تحمل طابع تحذير أو تهديد مبطن لمصر"، أكد المليجي،
أنه "لا يمكن وصفها بالتهديد المباشر، لكنها تتضمن إشارة واضحة إلى حدود
الحركة المقبولة أمريكيا"، موضحا أن "هذا النوع من الخطاب ليس جديدا في
السياسة الأمريكية، حيث يتم استخدام لغة الوساطة لتكريس دور الضابط الإقليمي، لا
الضامن للحقوق".
ويعتقد أن الربط بين
الرسالة والتحرك المصري في الصومال والقرن الإفريقي، "بلا أساس، لكنه ليس
سببيا بشكل مباشر؛ فالتحرك المصري في الصومال قانوني وبطلب رسمي، لكنه يعكس توسعا
في الحضور الإقليمي المصري خارج الأطر التقليدية، وهو ما تراقبه واشنطن بحساسية"،
موضحا أن "الرسالة هنا تُفهم كجزء من سياق المتابعة لا الاعتراض الصريح".
وفي رؤيته لاحتمالات أن
تكون الرسالة ضمن سعى الولايات المتحدة إلى وضع سقف للتحرك المصري، قال الكاتب
المصري إن "واشنطن لا تضع (سقفا) معلنا، لكنها تسعى إلى إبقاء أدوات التأثير
الكبرى تحت إدارتها"، مبينا أن "أي تحرك إقليمي فاعل خارج هذا الإطار
يُنظر إليه باعتباره عنصر عدم استقرار، حتى لو كان مبررا من منظور الأمن القومي
للدولة المعنية".
"يشجع التعنت الإثيوبي"
وبشأن ما قد تحمله الرسالة
من ضمانات حقيقية لحقوق مصر المائية، يرى المليجي، أنها "تخلو تماما من أي
التزام واضح بشأن: الحقوق التاريخية لمصر في مياه النيل، ومبدأ عدم إحداث ضرر
جسيم، وقواعد ملء وتشغيل ملزمة، وآليات تنفيذ وضمان"، مبينا أن "هذا ما
يجعلها، من زاوية قانونية وسياسية، غير كافية ولا مُطمئنة".
ويعتقد أنه "يمكن أن
تُفسَّر الرسالة كعامل يشجع التعنت الإثيوبي"، ملمحا إلى أن "غياب الضغط
الصريح على إثيوبيا، أو حتى الإشارة إلى مسؤوليتها القانونية، قد يُفهم باعتباره
تغاضيا ضمنيا"، ملمحا إلى أن "التجربة السابقة تُظهر أن أديس أبابا
تستثمر مثل هذه الرسائل لتكريس سياسة الأمر الواقع".
وفي تقييمه لفكرة الوساطة
الأميركية مجددا، بعد فشلها في ولاية ترامب الأولى، أكد أن "الوساطة
الأميركية جُرِّبت سابقا، ولم تُنتج اتفاقا ملزما، وإعادة طرحها دون أدوات ضغط
جديدة أو تصور قانوني مختلف، يعني إعادة إنتاج الفشل نفسه، مع منح الوقت للطرف
الأقوى ميدانيا".
وخلص المحلل السياسي
المصري، للقول إن "رسالة ترامب لا تمثل تحولا في الموقف الأميركي بقدر ما
تعكس حرص واشنطن على إدارة الأزمة لا حلها؛ فهي لا تضغط على الطرف المسبب للأزمة،
ولا تقدم ضمانات للمتضرر، لكنها تسعى إلى تجميد الصراع عند مستوى منخفض من التوتر".
اظهار أخبار متعلقة
وختم مؤكدا أنه
"بالنسبة لمصر، فالتعاطي مع الرسالة ينبغي أن يكون بواقعية باردة: الترحيب
بأي مسار تفاوضي مشروط، مع الاستمرار في بناء أوراق القوة الإقليمية، وعدم القبول
بأي وساطة لا تضع الحقوق المائية المصرية في صلبها وبصورة ملزمة؛ ما عدا ذلك، يظل
خطابا دبلوماسيا بلا أثر عملي".
فرصة جيدة لمصر
وفي قراءته، قال الكاتب
الصحفي والمحلل السياسي محمد السطوحي، لإدارة ترامب السابقة محاولة سابقة في هذا
الملف، ولكن محاولته الحالية مرتبطة بشكل وثيق مع ما يجري من تطورات في إقليم
الشرق الأوسط الملتهب وخاصة ملف قطاع غزة، وهو ما يؤكده إطرائه في مقدمة رسالته
على دور الرئيس المصري بالملف".
وفي حديثه
لـ"
عربي21"، أضاف: "وذلك إلى جانب إدراك البيت الأبيض لما يجري من
تحرك مصري جنوب البحر الأحمر وفي القرن الأفريقي، وسط تقارب سعودي تركي، وبمواجهة
نفوذ إسرائيلي يجري صناعته بالاعتراف بإقليم صوماليلاند، ما يمثل مقدمة لتنفيذ
رغبة تل أبيب بتهجير الغزيين إلى هناك".
ولفت الإعلامي المصري، إلى
أن "الإدارة الأمريكية في هذا الإطار تسعى إلى ترتيب أوراق حلفائها في
الإقليم وغلق بعض الملفات وتهدئة الأخرى وبينها ملف مياه النيل الذي أخفق فيه
ترامب سابقا بسبب التعنت الإثيوبي ورفض وفدها في واشنطن عام 2021 توقيع الوثيقة
الأمريكية التي قبلت مصر بها".
وأكد أنه "على مصر أن
تفطن لما يجري من تحولات جنوب البحر الأحمر، وأن تضع حدودا فارقة وخطوطا حمراء لا
يتجاوزها الآخرون في ملفات تضر بأمنها القومي"، ملمحا إلى أنها "في ملف
مياه النيل بموقف جيد الآن في ظل وفرة مائية متدفقة يمكن أن تحسن وضعها التفاوضي
ولا يجعلها تخضع لأية ضغوط أو إملاءات أو شروط وتنازلات".
ويعتقد أنه "يمكن
استغلال العرض الأمريكي؛ خاصة وأن ترامب لم ينس أن أديس أبابا تعنتت معه سابقا ما
اعتبره حينها إهانة شخصية للرئيس الأمريكي، ما دفعه حينها لمنح مصر إشارة خضراء
بضرب السد، ولذا فإن وضع مصر أفضل والفرصة قائمة وعلى القاهرة استغلالها بما يخدم
أمنها القومي المائي وحقها التاريخي في مياه النيل واستكمال ما جرى التوصل إليه من
توافقات".
كي لا ننخدع
وعبر صفحته
بـ"فيسبوك"، طالب الكاتب الصحفي الدكتور محمد حسين أبوالحسن بـ"ألا
ننخدع بالمديح الأمريكي إلا بخطوات عملية تحقق المصالح المصرية على الأرض، دون أن
نتكبد أثمانا غير مرغوبة أو يوضع أي سقف على التحرك المصري الفاعل مؤخرا في القرن
الأفريقي أو في غيره من الملفات الوجودية للدولة المصرية".
وفي تحليله السياسي
للرسالة، حمَّل الخبير المصري تامر النحاس، عبر "فيسبوك"، "تعامل
الإدارة المصرية السيئ في الملف"، و"توقيع اتفاقية المبادئ الكارثية
آذار/ مارس 2015"، وصولنا إلى "لقطة أن يُقدم لنا عرض لا يمكن رفضه".
وربط بين اختيار الإدارة
الأمريكية، رئيس المخابرات المصرية حسن رشاد، بالمجلس التنفيذي لقطاع غزة وسط
توقعات بـ"دور مصري في الإدارة والأمن والإعمار"، وبين عرض ترامب دور
الوسيط مع إثيوبيا، ملمحا إلى أنها "قد تبدو صفقة أوسع من هذا وتتضمن ترتيبات
أخرى للإقليم"، محذرا من "عودة فكرة تهجير الفلسطينيين إلى سيناء".
15 عاما بلا حل.. وتبعات كارثية
في نيسان/ أبريل 2011، وضعت
إثيوبيا حجر الأساس لسد على النيل الأزرق المصدر الموسمي الأكبر لمياه النيل، تلا
ذلك وفي آذار/ مارس 2015 توقيع السيسي "إعلان المبادئ" مع إثيوبيا
والسودان، ما اعتبره خبراء خطأ مصري.
وقالوا إنه سمح بقدوم
التمويل الدولي للسد من دول ومؤسسات دولية واستكمال أعماله وملء حوضه دون اتفاق
نهائي مع دولتي المصب، وفرض أديس أبابا الأمر الواقع وبدء التشغيل العام الماضي
دون حل نهائي للنزاع القانوني حول "اتفاق ملزم للتشغيل بسنوات الجفاف".
ويمثل حدوث "جفاف
ممتد" سيناريو تخشاه السلطات المصرية، خاصة مع عجز مائي قد يتجاوز 30 مليار
متر مكعب سنويا، ما يمثل أكثر من نصف حصة مصر التاريخية من مياه النيل (55.5 مليار
متر مكعب)، بما قد يؤدي لبوار 2.5 مليون فدان بدلتا مصر، ويرفع فاتورة استيراد
الغذاء 25 بالمئة، وتراجع توليد الكهرباء من السد العالي إلى 40 بالمئة، ويضع مصر
أمام خيارات تحلية مياه البحر وتدوير مياه الصرف الصحي.