"حين تُجمَّل المدن وتُهدم الأرزاق".. ما كلفة التأهيل الحضري على التجار بالمغرب؟

 تُدرج هذه العمليات رسميا ضمن برامج إعادة التأهيل الحضري- جيتي
تُدرج هذه العمليات رسميا ضمن برامج إعادة التأهيل الحضري- جيتي
شارك الخبر
بدموع حارقة، وملامح تسيطر عليها الدّهشة والصّدمة، روى عدد من التجار بالمدينة القديمة للعاصمة الاقتصادية للمغرب، الدار البيضاء، كيف أتت الجرّافات على محلاتهم التجارية، بين ليلة وضحاها، مبرزين أنّهم: "لم يتسلّموا قرارا مكتوبا، ولم يُبلّغوا بمسطرة واضحة للتّعويض، فقط مدّة قصيرة للإفراغ، ثم التنفيذ".

وقال توفيق، وهو صاحب محلّ لبيع مستلزمات السيارات: "لم يتم تسليمنا قرار الهدم مكتوبا، فقط بشكل شفهي من السلطات المحلية؛ كما أنّهم لم يتحدّثوا معنا عن كيفية التعويض"، مردفا: "أمورنا قانونية، وندفع الضرائب، ومحلّاتنا هي مصدر رزقها الوحيد، ولدينا أسر نعيلها، ومسؤوليات كثيرة، ما نعيشه ظلم حقيقي في حقّنا".

"هذا المحل ربّيت به أولادي، وأشغّل عمالا، وكل أوراقي قانونية؛ اليوم لم يعد لي شيء أشرح به لأبنائي ماذا سنفعل غدا" أكّد توفيق، في حديثه لـ"عربي21"؛ مردفا: "يسعون إلى تشريدنا من رزقنا، كما أنّ علينا ديون، من سوف يؤدّيها؟ هل يودّون أن نُسجن؟".

في هذا التقرير، ترصد "عربي21" هدم محلاّت تجارية، في عدد من المدن المغربية، ما حرم التجار، من رزقهم، بشكل مفاجئ؛ في إطار قرارات نُفذت باسم التأهيل الحضري، دون تعويض أو توفير بدائل مهنية واضحة.

"صدمة العمر"

"اشتغلت أربعين سنة في فرنسا، لأدّخر أموالي التي اشتريت بها عدد من المحلّات في طريق بوقنادل، والآن يودّون هدمهم، وتشريدنا، وسرقة رزقنا، نودّ حلاّ معقولا، لا مجرّد قرارات عشوائية تؤدّي بنا إلى الجحيم" بهذه الشهادة، أوضح تاجر ستيني حجم المشكلة التي وقعت فوق رؤوسهم، في حديثه لعدد من المنابر الإعلامية المحلّية؛ فيما أكّد تجارا آخرين: "أبلغونا بقرار الهدم مع نزع الملكية، إنها صدمة العمر".

وفي حديثه لـ"عربي21" قال سمير، صاحب مقهى في طريق القنيطرة (نواحي مدينة الرباط): "أبلغونا بقرار الهدم، ونحن نشتغل بشكل قانوني، ولدينا الرخصة الرسمية، وهي مصدر عيشنا، ويشتغل معي هنا أكثر من عشرة أشخاص"، مضيفا: "لدينا ديوننا، ومسؤولياتنا، وأسرنا، ماذا يودّون منّا أن نفعل؟".

كذلك، يعاني أصحاب محلات تجارية في شارع ابن الهيثم لسلا، ممّا يصفوها بـ"أزمة حقيقية تهدد مصدر رزقهم ومصير عائلاتهم"، بالقول: "قرار الهدم الصادر من السلطات المحلية، أتى دون أي توضيح بخصوص التعويض أو البدائل المتاحة".

اظهار أخبار متعلقة


وكان تجّار حي درب الانجليز (الدار البيضاء) قد عاشوا خلال الأيام الأخيرة صدمة عملية هدم التي طالت حوالي أربعين محلا تجاريا، في إطار تدخل تنظيمي لإعادة تأهيل المنطقة. ونفس الأمر يتمّ على منطقة درب لوبيلا (الدار البيضاء) عقب توجيه إشعارات إلى عدد من المحلات التجارية المقابلة للسوق الشعبي بضرورة إخلائها، في أجل لا يتجاوز 15 يوما، في إطار عملية هدم أخرى مرتقبة.

ما يجري مع توفيق، وسمير، وغيرهم من المواطنين المغاربة، ليست حالات فردية، إذ أنه على مدار الأيام القليلة الماضية، وثّقت "عربي21" عشرات من الشهادات، المتفرّقة، لتجار صغار في قلب العاصمة الاقتصادية الدار البيضاء، وفي مدينة سلا، ومنطقة بوقنادل في القنيطرة (نواحي الرباط)، وجدوا أنفسهم فجأة دون مورد رزق، جرّاء موجة هدم واسعة طالت محلات وأسواقا شعبية، نُفذت باسم "التأهيل الحضري" وتنظيم المجال العام.



كيف تُنفَّذ قرارات الهدم دون مساطر مكتوبة؟

خلال الأسابيع القليلة الأخيرة، عاشت مناطق متعددة بالدار البيضاء (الحي الحسني وسيدي بليوط)، ومناطق نواحي الرباط، عمليات هدم شملت عشرات المحلات التجارية، بعضها قائم منذ ما يزيد عن خمسة وعشرين عاما، ويشكّل مصدر الدخل الوحيد لأسر بأكملها.

وفيما تُدرج هذه العمليات رسميا ضمن برامج إعادة التأهيل الحضري، وتحرير الملك العمومي، وتحسين جاذبية المدينة. فإنّ وتيرتها السريعة، وغياب بدائل مهنية واضحة، قد فتحت نقاشا واسعا حول الكلفة الاجتماعية لهذه المشاريع، خاصة مع ارتفاع معدلات الهشاشة والبطالة.

وبحسب الشهادات، نفسها، التي استقتها "عربي21"، ناهيك عن مقاطع الفيديو التي رجّت مواقع التواصل الاجتماعي فإنّ: "أغلب التجار المتضررين يتقاسمون الظروف نفسها، وهي: إشعارات بالإفراغ في آجال قصيرة لا تتجاوز 15 يوما، غياب قرارات إدارية مكتوبة تُسلَّم لهم، مع وعود شفوية بالتعويض أو إعادة التوطين دون ضمانات زمنية أو قانونية".

اظهار أخبار متعلقة


من يقرّر الهدم؟

قانونيا، إن قرارت الهدم، في حال تعلّقت بالمنفعة العامة، يُفترض أن تتمّ عبر مساطر محددة، تشمل إعلانا رسميا، وتعويضا مُنصفا، بالإضافة إلى تمكين المتضررين من حق الطعن.

غير أن ما يتم حاليا، وفقا للشهادات التي حصلت عليها "عربي21" فإنّ المتضرّرين من التجار وأصحاب المحلاّت التي تمّ هدمها أو الجاري هدمها، لم يُعثر على ما يثبت تسليم قرارات فردية مكتوبة للتجار، أو إعلان واضح للمنفعة العامة قبل التنفيذ.

إلى ذلك، فإنّ هذا الغموض في تحديد الجهة التي قرّرت الهدم بشكل مباشر، هل هي السلطة المحلية، أم الجماعة، أم الولاية، قد خلق حالة عارمة من الارتباك بالنسبة إلى التجار، وحرمهم بشكل عملي من سلوك المساطر القضائية للطعن أو المطالبة بالتعويض، إلى حدود كتابة هذا التقرير.


البرلمان يدخل على الخط

أمام تصاعد الشكايات، وجّهت النائبة البرلمانية عن فيدرالية اليسار الديمقراطي، فاطمة التامني، سؤالا كتابيا إلى وزير الداخلية، طالبت فيه بتوضيح الأساس القانوني لعمليات هدم المحلات التجارية بالمدينة القديمة في الدار البيضاء.

وأكدت التامني، في سؤالها الذي اطلعت عليه "عربي21"، أنّ هذه الإجراءات تُنفَّذ "دون توفير بدائل مهنية أو تعويضات قضائية تكفل استمرارية أنشطة أصحاب المحلات"، محذّرة من أنّ الهدف المشروع المتمثل في تأهيل المدينة "لا يمكن أن يتحقق على حساب الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للتجار الصغار".

وطالبت النائبة، وفقا للسؤال البرلماني نفسه، بالكشف عن التدابير العملية التي اتخذتها السلطات لتعويض المتضررين، ومدى احترام المقاربة التشاركية، وإشراك المعنيين قبل الشروع في الهدم.

وحتّى وقت إعداد هذا التقرير، لم تُعلن أي تفاصيل رسمية كافية للرأي العام بخصوص مآل هذه الشكايات أو الإجراءات المتخذة لمعالجة آثارها الاجتماعية. فيما ينص الدستور المغربي على حماية الحق في الشغل والعيش الكريم، كما ينظّم قانون نزع الملكية لأجل المنفعة العامة مسطرة دقيقة، تُفترض فيها الشفافية والتدرّج.

لكن عدد من التجار وأصحاب المحلات التجاري الجاري عليها قرار الهدم، أبرزوا في شهاداتهم، المتفرٍّقة، أنّ: "التنفيذ الميداني، في عدد من الحالات، لا يواكب هذه الضمانات، ما يخلق فجوة بين الخطاب القانوني والواقع الاجتماعي".

وفي سياق متصل، راسل عدد من المنتخبين المحليين وفعاليات مدنية، والي جهة الدار البيضاء- سطات، محمد امهيدية، مطالبين بتدخل عاجل لتفادي تفاقم الاحتقان الاجتماعي، وضمان حلول منصفة للمتضررين. بينهم المستشار الجماعي عن حزب التقدم والاشتراكية، مصطفى منظور، الذي عبّر خلال رسالته عن قلقه جرّاء ما تعرّض له عدد من التجار، خلال هدم الأسواق النموذجية بتراب عمالة مقاطعة الحي الحسني، التي كانوا يزاولون بها أنشطتهم التجارية على مدار سنوات طويلة.

المستشار الجماعي، نفسه، بيّن أنّه: "تمّ تشييد ملاعب للقرب فوق نفس الوعاء العقاري الذي كانت تشغّله الأسواق، دون مراعاة الآثار الاجتماعية والاقتصادية المترتبة عن هذا القرار"، مشيرا عبر رسالته أنه رغم تثمينه للمشاريع الرياضية والتنموية، فإنّ ذلك لا يجب أن يتم على حساب حقوق التجار والحرفيين.

اظهار أخبار متعلقة


سيناريو يتكرّر

ما يحدث خلال الأسابيع القليلة الحالية، يعيد إلى الواجهة سيناريوهات مشابهة عاشت على إيقاعها مدن أخرى، أبرزها العاصمة الرباط، إذ أثارت عمليات هدم وترحيل خلال العام الماضي جدلا واسعا، واحتجاجات جرّاء غياب قرارات مكتوبة وتعويضات عادلة.

أحزاب سياسية وهيئات حقوقية تحدثت، آنذاك، كشفت عن "أوامر شفهية" وضغوط غير قانونية، بينهم الرابطة المغربية للمواطنة وحقوق الإنسان، التي نبّهت عبر تقريرها السنوي، إلى ما وصفته بـ"اختلالات عميقة في سياسات الإسكان والتهيئة"، مشيرة إلى أنّ: "هدم المساكن والمحلات دون تعويضات عادلة ساهم في اتساع رقعة الاحتجاجات الاجتماعية".

وأكد التقرير الذي اطّلعت عليه "عربي21" أنّ: "برامج كبرى مثل "مدن بدون صفيح"، رغم مرور نحو عقدين على إطلاقها، لا تزال تعاني من اختلالات بنيوية، وإنّ آلاف الأسر والتجار ما زالوا يعيشون تبعات قرارات هدم دون حلول مستدامة".

مدن جميلة.. لكن لمن؟

قال المعطي، وهو أحد التجّار في مدينة الدار البيضاء: "نحن لسنا ضد التنظيم أن التطوير من جودة البنية التحتية للمدن المغربية، ولكنّنا صدقا نرفض أن يتمّ التعامل معها كأننا أرقام فقط، يمكن محوها بكل بساطة، وبشكل مفاجئ".

واستفسر عدد المتحدّثين لـ"عربي21"، بالقول: "هل يمكن الحديث عن تنمية حضرية عادلة، إذا كانت تقوم على هدم أرزاق الفئات الأضعف دون إشراكها أو حمايتها؟" مشيرين في الوقت نفسه: "التأهيل الحضري، لا يُقاس فقط بجمالية الواجهات واتساع الطرق، بل بقدرته على صون الكرامة، وضمان الحق في الشغل، ومنع تحوّل المنفعة العامة إلى جحيم اجتماعي".
التعليقات (0)