طرحت الزيارة المفاجئة التي قام بها رئيس المخابرات العامة
المصرية، اللواء حسن رشاد، ووفد كبير مرافق له إلى شرق
ليبيا، ولقاؤه حفتر ونجليه في هذا التوقيت، الكثير من الأسئلة والتكهنات والقراءات، خاصة في ظل ما تردد عن احتقان في العلاقة بين القاهرة وحفتر.
ووصل رشاد إلى مدينة بنغازي رفقة وفد رفيع المستوى، على رأسه اللواء أحمد عبد الخالق، المعروف بدوره في ملف غزة وفلسطين، والتقى الوفد قائد القيادة العامة، خليفة حفتر، ونجليه صدام وخالد حفتر، لبحث التطورات المحلية والإقليمية، حيث تم التأكيد على أهمية استمرار التواصل والتنسيق بما يخدم المصالح المشتركة بين البلدين، وفق المكتب الإعلامي لقوات حفتر.
وجاءت الزيارة الثانية لرئيس المخابرات المصري في أقل من خمسة أشهر للقاء حفتر وقادة قواته، وسط تداول أنباء عن حالة سخط لدى الرئيس المصري بسبب استمرار حفتر في تقديم الدعم اللوجستي والعسكري لقوات الدعم السريع
السودانية بقيادة "حميدتي".
كما جاءت الزيارة بعد أيام من نشر عدة تقارير تؤكد تنفيذ الطيران المصري ضربات جوية منذ بداية الشهر الجاري لاستهداف أي دعم عسكري قادم من دولة الإمارات مروراً بالشرق أو الجنوب الليبي الواقع تحت سيطرة حفتر، وسط صمت مطبق من الأخير.
وترفض القاهرة ما يقوم به حفتر ونجلاه من الاستمرار في تسهيل دعم قوات حميدتي، سواء بالوقود أو العتاد العسكري، وأبلغت حفتر ونجله صدام أكثر من مرة بهذا الخصوص، ما جعل كثيرين يصفون الزيارة الأخيرة لرئيس المخابرات المصري بأنها رسالة ضغط وتهديد أخيرة لحفتر.
والسؤال: هل تضغط المخابرات المصرية على حفتر لوقف دعم "حميدتي"؟ وهل جاءت الزيارة المصرية الأخيرة لتأكيد ذلك وتقديم إنذار أخير؟
انتزاع التزامات أمنية من حفتر
عضو لجنة الدفاع والأمن القومي بمجلس النواب الليبي، ربيعة بوراص، أكدت أن "الزيارة لم تكن زيارة مجاملة، بل تدخل في سياق إعادة ضبط القاهرة لشبكة نفوذها الأمنية غرب حدودها عقب تولي قيادة جديدة للجهاز، ولقاء رشاد بالمشير حفتر ونجليه صدام وخالد يعكس إدراكاً مصرياً بأن مراكز القرار العملياتي داخل الشرق الليبي لم تعد محصورة في المستوى القيادي التقليدي، بل باتت موزعة على جيل ثانٍ يدير ملفات ميدانية ذات امتدادات إقليمية، خاصة في الجنوب".
وقالت في تصريحات خاصة لـ"عربي21" إن "اصطحاب اللواء أحمد عبد الخالق، المسؤول عن ملفات معقدة مثل غزة والتعامل مع الفاعلين غير النظاميين، يحمل مؤشراً واضحاً على أن الزيارة لم تقتصر على الملف الليبي الداخلي، بل تناولت تقاطعاته مع الساحة السودانية، خاصة بالنظر إلى التقارير المتداولة حول خطوط إمداد تمر عبر الجنوب الليبي نحو قوات الدعم السريع. فمن المرجح أن القاهرة سعت إلى انتزاع التزامات أمنية تحد من أي دعم محتمل لقوات حميدتي، باعتبار أن مآلات الصراع في السودان تمس توازنها الاستراتيجي المباشر"، وفق تقديرها.
اظهار أخبار متعلقة
زيارة قالن لطرابلس
وأضافت البرلمانية الليبية: إن تزامن هذه الزيارة مع تحرك رئيس الاستخبارات التركية إبراهيم قالن في غرب ليبيا يشير إلى استمرار نمط إدارة التوازن بين أنقرة والقاهرة داخل الجغرافيا الليبية، حيث يعمل الطرفان على تثبيت مناطق النفوذ ومنع أي اختراق متبادل قد يفضي إلى إعادة عسكرة الصراع.
وتابعت: "وعليه، فإن جزءاً متزايداً من إدارة الأزمة الليبية بات يُدار فعلياً عبر قنوات استخباراتية إقليمية، في ظل تراجع فعالية المسارات السياسية الدولية، ما يعكس انتقال مركز الثقل من الدبلوماسية متعددة الأطراف إلى ترتيبات أمنية ثنائية تعيد تشكيل قواعد الاشتباك على الأرض. وهذا التوازي في الانخراط الأمني يشير إلى محاولة احتواء المشهد الليبي ضمن معادلات النفوذ الإقليمي، في ظل امتدادات صراعات الجوار، وعلى رأسها الحرب في السودان، بما يضع العملية السياسية الداخلية أمام تحدي الحفاظ على استقلالية القرار الوطني وسط بيئة جيوسياسية شديدة التشابك"، كما وصفت.
"تطمينات وإرضاء للسعودية"
في حين قال الأكاديمي الليبي، فرج دردور، إن "الزيارة المفاجئة لم تكن لتتم لولا شعور القيادة المصرية بالرضا عن حفتر وأولاده بسبب التطمينات التي قدمها للجانب المصري بشأن وقف دعمه لحميدتي، وهذا أيضاً يتوافق مع الرضا السعودي الذي كان يود تقليص الدور الإماراتي في مناطق سيطرة حفتر، والنتيجة ظهرت في تمرير صفقة السلاح بين حفتر وباكستان، والتي لن تتم دون موافقة السعودية التي تمتلك تأثيراً كبيراً على الجانب الباكستاني".
وأضاف لـ"عربي21" أن "الزيارة ربما حملت رسائل محددة من الرئيس السيسي إلى عائلة حفتر تتضمن نتائج زيارة الرئيس التركي إلى القاهرة، على اعتبار أن مصر تنسق مع الجزء الشرقي من ليبيا حول الموقف من الاتفاقية بين تركيا وليبيا، ولا أظن أن حفتر يمتلك القدرة على تحدي الأمن القومي لمصر فيما يتعلق بالحرب في السودان. لهذا السبب ما زالت مصر تثق في حليفها حفتر، وتبادله الزيارات، وتستدعيه إلى القاهرة وقتما تشاء"، بحسب تعبيره.
اظهار أخبار متعلقة
احتواء ومنع حفتر من استقبال فلسطينيين
الباحث السوداني، عباس محمد صالح، رأى من جانبه أن "الملف الليبي، انطلاقاً من الوضع في الشرق والجنوب، قد أصبح بالفعل محل حراك واهتمام كبيرين للقوى الإقليمية، وتحديداً مصر والسعودية وتركيا، من زاويتين: أولاهما ضبط موازين القوة والصراع بين الحكومتين في شرق وغرب ليبيا، والحفاظ على مستويات منخفضة من الصراع حتى يتم حل الخلافات بين الحكومتين".
وأضاف: "وثانيهما تداعيات الصراع في السودان، ويبدو أن تقاطع المصالح بين القوى الثلاث يدفعها إلى التنسيق والتعاون لاحتواء «كيان حفتر» ليكون داعماً للسياسة الإقليمية الجديدة تجاه بؤرتي الصراع هاتين، وبالتالي تعمل على تغيير مواقفه السلبية إلى مواقف أكثر إيجابية تصب في تعزيز الاستقرار الإقليمي".
وتابع الباحث السوداني: "واصطحاب اللواء أحمد عبد الخالق ربما كان لإقناع فريق حفتر بالعدول عن إغراءات كانت قد قُدمت له لاستقبال فلسطينيي غزة ضمن دول عدة، خاصة في أفريقيا، كانت قد جرت عمليات تواصل معها لهذا الغرض في ضوء تكوين مجلس السلام الذي يقوده ترامب"، كما صرح لـ"عربي21".