تدريب قسري لنواب البرلمان بأكاديمية عسكرية.. ماذا أبقى السيسي من مدنية الدولة؟

الأكاديمية العسكرية دربت 391 نائبا لم يسبق لهم ممارسة العمل البرلماني- جيتي
الأكاديمية العسكرية دربت 391 نائبا لم يسبق لهم ممارسة العمل البرلماني- جيتي
شارك الخبر
أثار ظهور أعضاء بمجلس النواب المصري داخل قاعات تدريب "الأكاديمية العسكرية" وسط أنباء عن إلزام البرلمانيين الجدد الحصول على دورة تدريبية عسكرية على غرار ما يجري بحق القضاة والدبلوماسيين ودعاة وزارة الأوقاف وغيرهم من المعينين بقطاعات الدولة، التساؤلات حول تغول دور الأكاديمية العسكرية بما يأكل من رصيد مدنية الدولة.

وأعلنت الأكاديمية التعاون مع مجلس النواب، ببرنامج تدريبي بدأ الأربعاء الماضي، لمدة 6 أيام في مقرها بالعاصمة الإدارية موجه لـ391 نائبا لم يسبق لهم ممارسة العمل البرلماني.



وتشمل محاور التدريب: الدبلوماسية البرلمانية، والبروتوكول، والإتيكيت، والمراسم، والخطة العامة للتنمية، والتخطيط الاستراتيجي، وربط القوانين بالسياسات الوطنية، وماهية الخطة، وأهدافها الاستراتيجية، (النمو والعدالة والاستدامة والتوازن الإقليمي)، وربط الخطة برؤية مصر 2030.

تضارب مثير

ويأتي تدريب النواب بالأكاديمية العسكرية برغم تأسيس "معهد التدريب البرلماني"، بمقر مجلس النواب الجديد بالعاصمة الإدارية الجديدة، لتدريب أعضائه والارتقاء بمهاراتهم التشريعية والرقابية، وتأهيل موظفيه فنيا وإداريا، مستعينا بخبراء وأكاديميين ومتخصصين.

وفي السياق، يتواصل تدريب الأكاديمية العسكرية المقامة على مساحة 850 فدانا، لدعاة الأوقاف والدبلوماسيين برغم افتتاح "أكاديمية الأزهر العالمية لتدريب الأئمة والوعاظ وباحثي الفتوى" عام 2019، ووجود "معهد الدراسات الدبلوماسية" بوزارة الخارجية منذ عام 1966، لتأهيل وتدريب أعضاء السلك الدبلوماسي والقنصلي.

وأُنشأت الأكاديمية، كمؤسسة عسكرية بديلة عن الأكاديميات المدنية، تضم منشآت تعليمية وميادين تدريب ومجمعات رياضية وسكنية بمساحة 1500 فدان بالقيادة الاستراتيجية بالعاصمة الجديدة، في تحول لأدوار "الكلية الحربية" بالقاهرة سابقا من الإعداد العسكري للضباط فقط إلى تدريب عسكري لجيل من المدنيين بهدف مشاركة العسكريين في إدارة الجمهورية الجديدة.

اظهار أخبار متعلقة


وتثير دورات التدريب العسكري لأئمة الأوقاف، والمعلمين، والدبلوماسيين، وبوزارة النقل، والمعينين بالهيئات القضائية، وأعضاء هيئة الرقابة الإدارية، انتقادات واتهامات للسلطات بالتوجه نحو عسكرة الوظائف المدنية وتوجيه المعينين الجدد، عبر دورة تدريبية 6 شهور، زادتها الأكاديمية إلى عامين بحق حاملي درجة الدكتوراه من دعاة وزارة الأوقاف.

وفي 8 كانون الثاني/ يناير الجاري، وفي إطار التعاون بين القوات المسلحة ووزارة العدل، تخرج في الأكاديمية العسكرية الدورة الرابعة من المعينين بالهيئات القضائية بعد إتمام دورتهم التدريبية.



وفي إطار تعاظم دورها، وقعت الأكاديمية العسكرية الاثنين الماضي، بروتوكول تعاون مع الاتحاد المصري للفروسية وشركة "Global Champions Tour"، الرائدة عالميا في تنظيم فعاليات قفز الحواجز؛ بهدف استضافة بطولة "لونجين العالمية" بأهرامات الجيزة في تشرين الأول/ أكتوبر المقبل.

وأعلنت الأكاديمية الخميس الماضي، نتائج قبول الالتحاق بـ"المعاهد الصحية" –معاهد مدنية- ونتائج قبول الدفعة الجديدة من الضباط المتخصصين من خريجي الكليات المدنية للعمل بالقوات المسلحة.



تآكل مدنية الدولة


إلا أن أمر تدريب نواب البرلمان فاقم مخاوف معارضين من "توجيه النواب الجدد بما يخدم رؤى النظام لا الدولة والسلطة لا الشعب، وفقدان السلطة التشريعية استقلاليتها"، كما فتح هذا التوجه التساؤل حول مصير الدولة المدنية المصرية في ظل ترسيخ فكرة "عسكرة الدولة" وسيطرة الجيش على كل قطاعاتها المدنية.

وجرى انتقاد صمت العلمانيين والليبراليين والنشطاء المدافعين عن "مدنية الدولة"، والكتاب الذين نادوا بها مع تفجر ثورة 25 يناير 2011، وخاضوا لأجلها معارك صحفية وإعلامية، ووجهوا اتهامات لتيار الإسلام السياسي بالنيل من "مدنية الدولة"، وقادوا لأجلها حملة للإطاحة بالرئيس الراحل محمد مرسي.

الحقوقي والإعلامي المصري هيثم أبوخليل، انتقد تدريب الجيش أعضاء السلطة التشريعية، متسائلا عن "وجود مثل تلك الممارسات في أي من دول العالم"، وعن "استقلال السلطات في مصر وبينها السلطة التشريعية"، وعن صمت "مؤيدي الدولة المدنية"، مؤكدا أن "مصر دولة وليست معسكرا".



ولفت الكاتب الصحفي محمد فخري، إلى أن العسكرة والسطو على الدولة المدنية وصل حتى مجال الفكر والثقافة، ناشرا صورا من افتتاح معرض القاهرة الدولي للكتاب الأربعاء الماضي، يظهر فيها عدد من القادة العسكريين كمنظمين ومشرفين على الحدث الفكري والثقافي الأكبر في البلاد، قائلا: "سيطرة عسكرية على معرض الكتاب".



وتحت عنوان ساخر استدعى به قول السيسي، عقب انقلاب 3 تموز/ يوليو 2013: "لا والله ماحكم عسكر"، نشر السياسي مجدي حمدان، صورة من خطاب موجه من مكتب تعيينات أعضاء النيابة العامة لأحد المعينين الجدد يطالبه بالتوجه لبوابة (9) من الكيان العسكري بالعاصمة الإدارية الجديدة ثم بوابة (4) من الأكاديمية العسكرية 26 كانون الثاني/ يناير الجاري، لإجراء الكشف الطبي.



ويؤمن العلمانيون والداعون لفكرة الدولة المدنية بأن التغول على طرحهم لا يأتي إلا من جانب تيار الإسلام السياسي، والأزهر الشريف، وهو ما يبدو ظاهرا في مقالات وكتابات كتاب مثل إبراهيم عيسى، وعبد المنعم سعيد، وخالد منتصر، وغيرهم، والتي تدعو لتقليم أظافر الأول ونزع صلاحيات الثاني.

ويرى مراقبون أن أصحاب هذا التوجه لم يدركوا بعد خطر تغول الدولة العسكرية على مدنية الدولة، أو أنهم لا يجرؤون على انتقاد إجراءات عسكرة الدولة في ظل حالة القمع والبطش الأمني وغلق المجال العام وتقييد الحريات في مصر بعهد رئيس النظام الحالي عبدالفتاح السيسي.

أين الدولة نفسها؟

وفي تعليقه، قال السياسي والإعلامي المصري الدكتور حمزة زوبع، لـ"عربي21": "لا نتكلم الآن عن مدنية أو عسكرية الدولة؛ بل نتحدث عن الدولة ذاتها، وهل هي موجودة أم لا؟، حيث أن فكرة وجود الدولة أصبح مشكوكا فيها في ظل اختطافها، وفي العلوم السياسية ما يُعرف بالدولة والنظام، والدولة أكبر من النظام، وهو جزء منها، وهو يتغير بالانتخابات وبتداول السلطة أو أي طريقة، لكن الدولة ثابتة ولها مؤسسات ثابتة".

اظهار أخبار متعلقة


وأوضح، المتحدث باسم حزب "الحرية والعدالة"، الحاكم سابقا (2012- 2013)، أوضح أنه "حدث تغيريين منذ انقلاب 3 تموز/ يوليو 2013، تمثل الأول في قول السيسي، إن الناس تحاول أن تفرق بين الدولة، والسلطة أو النظام، والمفروض أنهم لا يفرقون بينهم، وجعل السلطة تبتلع الدولة وألغى أي فارق بينهما، وزعم أن من يقول بتغيير السلطة أو النظام هو يطالب بتغيير الدولة وهدمها وعدم استقرارها".

وأضاف زوبع: "هذا التغيير الأول نتج عنه تغيير آخر؛ أن مؤسسات الدولة التي من المفروض أن تكون تابعة لها مثل الجيش، والشرطة، والمخابرات، والصحة، والتعليم، والقضاء، نجد الدولة بكل مؤسساتها ومعها الشعب أصبحوا تابعين لمؤسسة الجيش، وأصبح أي حديث عن الجيش إهانة للدولة وضرب لاستقرارها، وأصبح الترتيب أن يخدم الكل مؤسسة الجيش، بعدما كون السيسي لسنوات (قبيلة الجيش) لتسيطر على كل شيء بالبلاد".

ابتلع السلطة والدولة

وأشار إلى أنه "فرغ جميع المؤسسات من وظائفها وأدوارها"، ملمحا إلى أنه "من  المفروض أن تصنع الانتخابات البرلمانية السابقة حالة تنافس سياسي تشكل حكومة، تقوم بدورها كسلطة تُتابع من مجلس نواب مفترض أن يكون تابعا للشعب، لكن لا الحكومة تابعة للبرلمان ولا الأخير تابع للشعب، والجميع تابع للسيد العسكري، الذي ابتلع السلطة والدولة".

ويرى زوبع، أنه "في هذا السياق تدريب نواب البرلمان بالأكاديمية العسكرية طبيعي، وكذلك الإشراف على تعيينات القضاء باعتباره الدولة والسلطة معا؛ فنحن أمام وضع كاشف للسيطرة على كل القطاعات بينها معيني النقل، ودعاة الأوقاف ودبلوماسيي الخارجية، بل وأسس كلية طب عسكري للإشراف على الأطباء مستقبلا، ولا تعيين لطبيب ولا مهندس إلا بالمرور من الأكاديمية، وبينما يهمل التعليم ويريد شعبا جاهلا، يعلم تلك المجموعة لتحكم بعد تدريبها عسكريا".

وتوقع السياسي المصري، أن "ما يقوم به القضاة الآن من محاولات للخروج من عباءته لن يسمح بها ولن يرض سوى بأن يكون القضاء تحت سطوة العسكر، وينهي إيمانهم بخرافة القضاء المستقل في ظل هذا النظام".

ومضى للقول إن "لم تعد هناك دولة حتى تكون مدنية"، متسائلا: "أين علامات الدولة بينما عجز الموازنة 7.1 بالمئة من الناتج المحلي العام المالي الماضي، هل مع ديون خارجية 163.71 مليار دولار بنهاية أيلول/ سبتمبر الماضي، تتحملها الموازنة، أم بفرض ضرائب على هواتف مصريي الخارج رغم أنهم أمدوا الدولة بأكثر من 38 مليار دولار العام الماضي".

دولة السيسي العسكرية

ومنذ استيلائه على السلطة منتصف العام 2013، والإطاحة بالرئيس الراحل محمد مرسي بدعوة "اخونة الدولة"، أسس السيسي لدولته العسكرية عبر صناعة ولاءات من الجيش وتغيير قوانين ومنح الجيش والعسكريين سلطات أكلت من سلطة الدولة ونصب القيادات العسكرية بكل قطاعات الحكومة وأجهزتها وهيئاتها.

وكما يقول الباحث في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي يزيد صايغ، في دراسة له بعنوان: "الجمهورية الثانية.. إعادة تشكيل مصر في عهد السيسي"، نشرت في أيار/ مايو 2024، إن  السيسي "بنى شبكات ولاء جديدة عبر تعزيز نفوذ الكوادر الشابة الموالية وإضعاف النخب التقليدية لنظام الحكم السابق".

وأكد في دراسة أخرى، بعنوان: "أولياء الجمهورية: تشريح الاقتصاد العسكري المصري"، كانون الأول/ديسمبر 2019، أن السيسي يؤسس لما يسمى "الجمهورية الثانية"، التي تختلف عن جمهورية 1952، ففي جمهورية السيسي، لم يعد الجيش مجرد شريك في الحكم، بل أصبح الوصي المباشر على الدولة.

وتحدث صايغ، عن أن نظام السيسي، يتعمد إضعاف البيروقراطية المدنية التقليدية وتهميش مجلس الوزراء لصالح دولة موازية تُدار من داخل مؤسسة الرئاسة وبالاعتماد على الأجهزة السيادية والعسكرية.

من إجراءات العسكرة

في تشرين الأول/أكتوبر 2014، صدر القرار الجمهوري رقم 136 الذي وسع اختصاصات القضاء العسكري ليشمل "تأمين المنشآت العامة والحيوية" (مثل محطات الكهرباء، السكك الحديدية، والطرق)، وهو ما أدى لإحالة آلاف المدنيين لمحاكمات عسكرية.

في نيسان/أبريل 2019، أصدر "التعديلات الدستورية"، فيما منحت (المادة 200)، الجيش مهمة "صون الدستور والديمقراطية والحفاظ على مدنية الدولة"، وهو نص تراه المعارضة تقنين لتدخل الجيش في العمل السياسي.

واقتصاديا، توسع الجيش في كل قطاعات الدولة المدنية، بما يضر بالمدنيين على سبيل المثال: القانون (198 لسنة 2014) الذي منح وزارة الدفاع حق استغلال المحاجر والمناجم، ثم القرار (446 لسنة 2015) الذي سمح لجهاز مشروعات أراضي القوات المسلحة بتأسيس شركات تجارية بجميع أشكالها.

وتشير التقارير إلى وجود 97 شركة مملوكة للجيش تهيمن على قطاعات استراتيجية (مثل الأسمنت، الحديد، الطرق، والأغذية)، مستفيدة من إعفاءات ضريبية وجمركية وفقا لقانون ضريبة القيمة المضافة لعام 2016، على حساب القطاع الخاص المدني.

اظهار أخبار متعلقة


كما تم إحكام السيطرة على الجهاز الإداري والقضائي عبر قانون رقم 3 لسنة 2024 بشأن تأمين المنشآت، والذي منح ضباط الجيش صفة "الضبطية القضائية" بشكل دائم وواسع، ليشهد عام 2025، إلزام المتقدمين للوظائف الحكومية والنيابة العامة خوض دورات تدريبية في "الأكاديمية العسكرية"، في إجراء تصفه المعارضة بأنه "عسكرة للدولة" ولضمان ولاء الموظفين والمدنيين للمنظومة العسكرية.
التعليقات (0)