بعد التذرع بها.. هل سحبت أمريكا ورقة "سجناء تنظيم الدولة" من قسد لصالح دمشق؟

قال الرئيس ترامب إن الأكراد في سوريا تلقوا أموالاً طائلة ومُنحوا النفط وغيره وما فعلوه هناك كان لمصلحتهم وليس لمصلحة أمريكا - سانا
قال الرئيس ترامب إن الأكراد في سوريا تلقوا أموالاً طائلة ومُنحوا النفط وغيره وما فعلوه هناك كان لمصلحتهم وليس لمصلحة أمريكا - سانا
شارك الخبر
رغم مرور أكثر من 7 سنوات منذ إعلان القضاء على تنظيم الدولة، إلا أن نحو 12 ألف سجين من 56 جنسية يُتهمون بالانتماء إلى التنظيم بقوا محتجزين داخل سبعة معتقلات رئيسية تديرها قوات سوريا الديمقراطية، منفصلين عن العالم الخارجي، بعيدين عن كل أشكال العدالة أو المحاكمة وفق بيانات صادرة عن الأمم المتحدة.

لطالما أثارت الظروف الإنسانية في سجون قوات قسد قلق المنظمات الحقوقية، ودعت باستمرار الدول الغربية لإعادة رعاياها المحتجزين في هذه السجون وتقديمهم إلى محاكمات عادلة، إلا أن هذه الدول وعلى رأسها المملكة المتحدة، كانت ترفض استقبال مواطنيها.

وهو ما ترك هؤلاء السجناء لسنوات في وضعية غير قانونية داخل معسكرات تعرض فيها المعتقلون لمعاملة قاسية، بما في ذلك تفشي الأمراض مثل السل، فضلًا عن ظروف الحياة القاسية التي تهدد حياتهم بحسب تقرير لمنظمة هيومن رايتس ووتش.

السجون.. قنابل موقوتة بين دمشق وقسد

كثيرًا ما كانت توصف سجون تنظيم الدولة في سوريا بـ"القنبلة الموقوتة"، في إشارة إلى خطورة المعتقلين فيها وطبيعة أفكارهم الـ"المتطرفة"، ولكن على ما يبدو فإن هذا المصطلح كان أكثر حضورًا خلال الأيام الماضية، مع تداول أنباء بشأن هروب المئات من مقاتلي تنظيم الدولة من السجون عقب انسحاب عناصر قسد باتجاه محافظة الحسكة ذات الغالبية الكردية، التي عُدَّ حمايتها مظلوم عبدي بـ"خط أحمر".

وكشفت الاشتباكات التي جرت بمحيط عدد من السجون التي كانت تديرها "قسد" هشاشة الاتفاق والتنسيق بين السلطات السورية وقوات سوريا الديمقراطية بحسب صحيفة نيويورك تايمز، ورغم إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لـ "نيويورك بوست"، تمكن الولايات المتحدة من وقف عملية هروب جماعي لمعتقلي "داعش" بالتعاون مع الرئيس الشرع، إلا أن ملف السجون تحوّل إلى ورقة ضغط بين قسد ودمشق.

نقل سجناء تنظيم الدولة من سوريا إلى العراق

وهو ما دفع القيادة المركزية للجيش الأمريكي للإعلان بأن قواتها بدأت نقل سجناء تنظيم الدولة من سوريا إلى العراق، وأوضحت أن الولايات المتحدة تمكنت من نقل 150 مقاتلاً من التنظيم كانوا في مركز احتجاز بمدينة الحسكة السورية إلى موقع "آمن" في العراق.

وأضاف البيان أنه ربما يجري في نهاية المطاف نقل ما يصل إلى سبعة آلاف محتجز من تنظيم الدولة من سوريا إلى منشآت خاضعة لسيطرة العراق، وقال الأميرال براد كوبر، قائد القوات الأمريكية في الشرق الأوسط: "ننسق عن كثب مع الشركاء الإقليميين، بما في ذلك الحكومة العراقية، ونقدر بصدق دورهم في ضمان الهزيمة الدائمة لتنظيم الدولة".

انسحابات من السجون.. وفرار تحت مظلة الفوضى

وشمل انسحاب قوات قسد من مخيم الهول، الذي يضم أكثر من 24 ألف شخص، بينهم 6200 أجنبي، من عائلات مقاتلي تنظيم الدولة، ودعا عبدي التحالف الدولي بقيادة واشنطن إلى تحمّل مسؤولياته بشأن حماية المرافق التي يُحتجز فيها عناصر التنظيم في سوريا، بعد انسحاب المقاتلين الأكراد.


وبعيد إعلان التفاهم، قال المبعوث الأمريكي إلى سوريا توم براك إن الغرض الأساسي من قوات سوريا الديمقراطية كقوة رئيسية في الميدان لمكافحة تنظيم "داعش" انتهى إلى حد كبير، وأضاف أن السلطات السورية باتت الآن مستعدة وفي موقع يؤهلها لتولي المسؤوليات الأمنية، بما يشمل السجون التي يُحتجز فيها عناصر التنظيم والمخيمات التي تضم أفراد عائلاتهم.


كيف بدأت قصة نقض الاتفاق والتلويح بعودة الـ"إرهاب"؟

غداة إعلان الطرفين توقيع اتفاق نصّ على وقف إطلاق النار بشكل فوري، عقد رئيس الحكومة السورية أحمد الشرع وقائد قوات سوريا الديمقراطية (قسد) مظلوم عبدي اجتماعاً في دمشق الاثنين خُصص لبحث آلية تطبيق بنود الاتفاق.

إلا أن قسد، بتعنتٍ وضغط من بعض التيارات المدعومة من حزب العمال في "جبل"، نقضت الاتفاق الذي جرى بحضور مبعوث ترامب توم باراك وبضمان من رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود بارزاني، وفق مصدر حكومي نقلت عنه لـ"بي بي سي".
 

وبدا عبدي أنه لم يكن صاحب قرار وظهر متردداً، بحسب الوكالة الألمانية للأنباء التي كشفت كواليس الاجتماع والتي قالت إن قائد قسد رفض منصب نائب رئيس الدفاع أو حتى ترشيح اسمه لمنصب محافظ الحسكة، فيما طالب بمهلة خمسة أيام للتشاور، وهو ما رفضه الشرع، قبل أن يلمح عبدي لإمكانية عودة الإرهاب بسبب فقد السيطرة على السجون التي تديرها قسد.

على إثر ذلك، حذرت الحكومة السورية قوات سوريا الديمقراطية من "مغبة الإقدام على أي خطوات متهورة تتمثل في تسهيل فرار محتجزي تنظيم داعش"، معبرة عن رفضها لأي محاولة لـ"استخدام ملف الإرهاب كورقة ابتزاز سياسي أو أمني تجاه المجتمع الدولي"، فيما قالت "قسد" إن سجن "الشدادي"، بمحافظة الحسكة والذي يضم آلاف السجناء من عناصر "داعش"، خرج عن سيطرتها.


وعلى ما يبدو، ووفق مجريات الأحداث وما رافقها من تصعيد، فإن الأوامر الصادرة من "قنديل" كان لها أثر في وضع العراقيل، وهو ما يفسر وجود بند ضمن الاتفاقية يلزم "قسد" بـ"إخراج كل قيادات وعناصر حزب (العمال الكردستاني) غير السوريين خارج حدود الجمهورية العربية السورية لضمان السيادة واستقرار الجوار.

وشخص مسعود بارزاني الحالة، خلال لقاء جرى العام الماضي، عقب توقيع دمشق وقسد اتفاق العاشر من آذار، حيث علم أن الـ"بي كا كا" كانت تدفع نحو تأزيم الأوضاع في سوريا، داعياً إياهم لترك القرار لـ"قسد".



خارطة سجون احتجاز عناصر تنظيم الدولة في شمال شرقي سوريا

وتضم مناطق شمال شرقي سوريا نحو سبعة سجون رئيسية ومراكز احتجاز مخصصة لآلاف المعتقلين من عناصر تنظيم الدولة، وتشكل هذه المعتقلات أحد أخطر الملفات الأمنية في المنطقة نظرًا للكثافة العددية للمحتجزين واحتواء بعضها على قيادات بارزة من التنظيم.

وفي محافظة الحسكة، يعد سجن غويران الواقع في الجهة الجنوبية من حي غويران بمدينة الحسكة أكبر سجن مخصص لمقاتلي تنظيم الدولة في العالم، حيث يضم قرابة خمسة آلاف معتقل، ويقع بالقرب منه سجن الصناعة الذي كان سابقًا مبنى للثانوية الصناعية قبل تحويله إلى سجن بعد سقوط آخر معاقل التنظيم في الباغوز، ويحتجز فيه أكثر من ألف عنصر من التنظيم.

وانتشرت قوات خاصة تابعة للجيش الأمريكي حول سجن الصناعة في حي الغويران بمدينة الحسكة، حيث يُحتجز معتقلون من تنظيم داعش.
وفي شرق مدينة الشدادي بريف الحسكة الجنوبي يقع سجن كامبا البلغار الذي يضم نحو خمسة آلاف معتقل ويقع ضمن منطقة عسكرية محصنة قرب القاعدة الأمريكية ويخضع لحراسة مشددة من قبل قوات سوريا الديمقراطية، كما يوجد في مدينة الشدادي سجن الشدادية الذي يضم مئات العناصر من تنظيم الدولة.

وفي ريف الحسكة الشمالي يقع سجن ديريك المالكيّة المعروف محليًا باسم دارك، وهو سجن تحت الأرض بعدة أمتار، ويضم مئات المعتقلين من عناصر التنظيم، أما في محافظة دير الزور فيقع سجن الكسرة في ريف دير الزور الغربي، ويضم نحو 750 من أبرز قادة تنظيم الدولة داعش، ويقع داخل منطقة أمنية وعسكرية قرب قاعدة كونيكو.


وفي ريف القامشلي يوجد سجن رميلان الذي يضم مئات المعتقلين، إضافة إلى سجن نافكر داخل مدينة القامشلي، حيث تم خلال الشهر الماضي نقل 450 معتقلاً من عناصر التنظيم إلى أحد سجون الحسكة، وفي مدينة الرقة يوجد السجن المركزي الذي يحتجز مئات من سجناء تنظيم الدولة داعش، ويُعد أحد مراكز الاحتجاز الرئيسية في المنطقة.

إعادة التحقيق مع جميع الموقوفين في سجون قسد

قال معاون وزير الداخلية السوري اللواء عبد القادر طحان، إنهم سيعيدون التحقيق مع جميع الموقوفين في السجون التي يسيطر عليها تنظيم "قسد" بعد تسلمها.

وذكر طحان أن لديهم "تجربة سابقة في إدارة السجون التي تضم عناصر من تنظيم الدولة، والأمر نفسه ينطبق حالياً في محافظة الرقة، حيث يوجد سجن يضم بعض الموقوفين والسجناء من التنظيم، إضافة إلى موقوفين آخرين".

وأضاف: "نحن حالياً نرتّب لتسلم هذا السجن ممن هم موجودون فيه، وكذلك الأمر في منطقة الشدادة حيث تجري الترتيبات ذاتها. وما يهمّنا في هذه المرحلة هو الحفاظ على الموقوفين في أماكنهم، ومنع حدوث أي عمليات هروب أو تفلّت، ولا سيما أننا نتخوّف من مسألة فرار بعض العناصر، ولذلك نحن مستعجلون في تسلمها".

وتابع: "نحن الآن بصدد تسلم السجون التي تضم عناصر من تنظيم الدولة، إضافة إلى بعض عناصر الجيش وبعض عناصر الفصائل سابقاً. وبعد تسلم السجون، سندرس ملفات جميع الأشخاص الموجودين فيها"، وأوضح المسؤول أنه "قد يتبين وجود أشخاص لا علاقة لهم بتنظيم داعش مطلقاً، وأن بعض الحالات يتعلق بجرائم جنائية، وستُحال هذه القضايا إلى المحاكم المختصة".


التعليقات (0)