من الكوفية إلى البدلة "المادورية".. كيف تُعبّر الشعوب عن سخطها؟

ارتدى لاعبو نادي ريال مايوركا الإسباني لكرة القدم خلال دخولهم إلى ملعب "إيبيروستار" أطقماً مشابهة لزي مادورو - جيتي
ارتدى لاعبو نادي ريال مايوركا الإسباني لكرة القدم خلال دخولهم إلى ملعب "إيبيروستار" أطقماً مشابهة لزي مادورو - جيتي
شارك الخبر
مرة أخرى، أثبتت الشعوب أنها أكثر جرأة من الحكومات في التعبير عن سخطها لسياسات الاستبداد وأحادية القرار التي تنتهجها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. تجلت تلك المواقف عبر تظاهرات اجتاحت مدن الغرب والشرق، رُفِعَت خلالها لافتات بعناوين صريحة، وارتدى المشاركون أزياءًا تعبر عن التضامن والدعم لشعوب مقهورة وشخصيات تلاحقها واشنطن لمجرد رفضها الخنوع.

 
صور اعتقال الرئيس الفنزويلي، نيكولاس مادورو، التي انتشرت عقب العملية العسكرية الأمريكية (Absolute Resolve) ليل الجمعة - السبت، أثارت موجة غير مسبوقة من البحث الإلكتروني، ليس فقط بسبب الأبعاد السياسية للحدث، بل بسبب الملابس التي ظهر بها مادورو بعد إلقاء القبض عليه ونقله إلى نيويورك، حتى أن البعض أطلق عليها اسم "الرمادي المادوري" بحسب صحيفة واشنطن بوست.

 
وكشفت بيانات اتجاهات البحث (Search Trend Data) عن ارتفاع حاد في الاستفسارات المتعلقة بمنتج (Nike Tech Fleece) فور تداول صور مادورو وهو يرتدي طقماً رياضياً رمادياً من هذه العلامة التجارية، وأشارت التقارير التقنية إلى أن الترند ارتبط بشكل مباشر بلحظة نشر الرئيس ترامب صورة الرئيس الفنزويلي، وذلك أثناء نقله من كراكاس بواسطة السفينة الحربية (USS Iwo Jima) إلى الولايات المتحدة. 

Image1_12026812822467515286.jpg

ويربط خبراء التسويق بين هذا الإقبال وبين ما يُعرف بـ"تأثير الصورة الصادمة"، حيث تتحول الملابس التي ترتديها الشخصيات العامة في أحداث كبرى إلى محط أنظار الشعوب، وليس عفويًا أبدًا أن يظهر لاعبو نادي ريال مايوركا الإسباني لكرة القدم وهم يرتدون أطقمًا مشابهة للزي الذي ظهر به مادورو لحظة دخولهم إلى ملعب "إيبيروستار" قبل مواجهة جيرونا، حيث حظي موقفهم بتفاعل واسع.


مفارقة استفزازية.. معارض يرتدي زيا أمريكيا

صحيفة "التيمبو" أشارت إلى أن الصورة التي أظهرت مادورو ببدلة رياضية من شركة أمريكية شهيرة، أصبحت واحدة من أكثر الصور تداولًا في الأخبار العالمية، ليس فقط بسبب الحدث السياسي الضخم، ولكن أيضًا بسبب المفارقة الاستفزازية لزعيم دولة معادية للولايات المتحدة وهو يرتدي منتجات أمريكية في لحظة حرجة.



على خُطى كاسترو.. مادورو يختار برندًا أمريكيًا ليكون بطل مشهد نهايته

 أعادت صورة مادورو بملابس "نايكي" إلى الأذهان ظاهرة ولع زعماء أمريكا اللاتينية بالبدلات الرياضية العالمية، وهو ما استحضره المتابعون بمقارنته بالزعيم الكوبي الراحل فيدل كاسترو، الذي اشتهر بارتداء بدلات "أديداس" في سنواته الأخيرة، وتكمن المفارقة في ارتداء مادورو علامة تجارية تمثل رمزية الرأسمالية الأمريكية التي طالما انتقدها في خطاباته الرسمية.

تعمدت إدارة البيت الأبيض إظهار صور مادورو وهو مكبل بالأغلال ومشعث الشعر، في مسعى لإظهار القوة وإيصال رسالة لخصوم ترامب تحديدًا، وهذا بحد ذاته جريمة حرب بموجب القانون الدولي، إذ يندرج تحت حظر "الاعتداءات على الكرامة الشخصية، ولا سيما المعاملة المهينة والمُذلة". واللافت في الأمر أن المحكمة الفيدرالية في مانهاتن التي مَثُل فيها مادورو هي نفسها المحكمة التي مَثُل فيها المجرم جيفري إبستين، وهو أحد المقربين من ترامب، أمامها في عام 2019.

صور صممتها أمريكا لإظهار خصومها منزوعي السلطة

وربط مدونون بين محاولات إذلال مادورو، وتلك اللقطات التي نشرتها وسائل الإعلام الأمريكية للرئيس العراقي الراحل صدام حسين خلال أسره، حيث ظهر بملابس رثة شعر رأس أشعث ولحية طويلة، يقف مستسلما دون مقاومة وحوله عدد من الجنود الأمريكيون، وهو ما عده البعض بأنها رسالة لزعماء العرب آنذاك بأن مصيرا مشابها ينتظرهم حال تمردهم ضد واشنطن.


مجلة "Time" الأمريكية قالت إن صور مادورو لا توحي باختفاء اللغة البصرية للسلطة، بل بتشابكها مع رموز تعمل كاختزال ثقافي، مشيرةً لوجود تباين في الصور التي نُشرت بعد القبض على صدام حسين عام 2003، حيث صُممت للتعبير عن التمزق والقهر عبر إظهار الـ"شعر أشعث، وجسد منهك بشكل واضح، وعلامات القوة الجلية". كلها رسائل واضحة مفادها: "لقد جُرِّد من السلطة، وأكدت الصورة على هذا التقييم".

كيف تحولت الكوفية الفلسطينية إلى رمز للنضال العالمي ضد الاستعمار

رغم ارتداء الكوفية في جميع أنحاء الشرق الأوسط، إلا أنها أصبحت تُعرف في العقود الأخيرة كرمز للهوية الفلسطينية والمقاومة بشكل خاص، ووضع المتظاهرون هذه الأوشحة حول أعناقهم، أو استخدموها لتغطية وجوههم، أثناء الاحتجاجات المؤيدة للفلسطينيين في جميع أنحاء العالم، رفضًا لحرب الإبادة في غزة وفق ما أكده تقرير لشبكة "سي أن أن".


وفي الستينيات، شهدت الكوفية الفلسطينية إحياءًا كرمز قومي موحد، يعبر عن مقاومة الاحتلال الإسرائيلي، في هذا الوقت، بدأت النساء أيضًا في تبني هذا الرمز، ملفوفات بالكوفيات حول شعورهن وأعناقهن، ليظهرن بذلك قوة وتحدي الهوية الفلسطينية.

Image1_12026812178820959730.jpg

وخلال الانتفاضة الفلسطينية الأولى التي انطلقت عام 1987، عمد الشباب المقاوم إلى ارتداء اللثام على الوجه، من أجل مراوغة جنود الاحتلال، وإخفاء تفاصيل وجوههم، لتجنب الإيذاء والاعتقال، وإرهاب جنود الاحتلال الإسرائيلي خلال تجولهم في شوارع القرى والمدن المنتفضة، وقد لاقت هذه الطريقة رواجًا بين الشباب المنتفض والمطاردين من قبل الاحتلال، فتلثموا بالكوفية بشكل يبرز عيونهم لا غير.

خلال الفترة التي حظرت فيها سلطات الاحتلال الإسرائيلي العلم الفلسطيني من عام 1967 حتى اتفاقيات أوسلو في 1993، برزت الكوفية كرمز قوي للنضال الفلسطيني. يشير تيد سويدنبرغ، أستاذ الأنثروبولوجيا بجامعة أركنساس، إلى أن الرموز المرئية كانت ضرورية للفلسطينيين خلال هذه الفترة، حيث شكّلت الكوفية "التعبير البصري عن الهوية الفلسطينية".

الكوفية الفلسطينية.. لباس مفضل لدى المتظاهرين السياسيين

ويقول سويدنبرغ إن الكوفية الفلسطينية تجاوزت العالم العربي في ذلك الوقت وأصبحت لباساً مفضلاً لدى المتظاهرين السياسيين ورمزاً للمقاومة، حيث ارتداها مناهضون للإمبريالية، مثل الزعيم الكوبي الراحل فيدل كاسترو. في ذلك الوقت، كان هناك تعاطف واسع النطاق مع النضالات ضد الاستعمار والمناهضة للإمبريالية في العالم النامي.


وفي عام 1990، أظهر نيلسون مانديلا، الزعيم المناهض للفصل العنصري والرئيس الأول لجنوب أفريقيا، تضامنه العميق مع القضية الفلسطينية بارتدائه الكوفية حول رقبته، مما عزز من مكانتها كرمز للمقاومة والتحرر على الساحة العالمية.


ومع تصاعد حرب الإبادة التي يشنها الاحتلال على غزة، تزايد عدد من يرتدون الكوفية حول أعناقهم حول العالم، ففي أغلب الاحتجاجات العالمية المؤيدة للفلسطينيين، عبر الملايين من المتظاهرين عن تضامنهم مع الشعب الفلسطيني من خلال ارتداء الكوفية، على الرغم من التضييق والعقوبات، مثل الغرامة التي فرضتها السلطات الفرنسية على أحد المتضامنين بقيمة 135 يورو لارتدائه الكوفية، فإن روح التضامن انتشرت بقوة في مدن العالم.
التعليقات (0)