ملفات وتقارير

من ناشط في نقابة إلى أسير لدى أمريكا.. رحلة مادورو في حكم فنزويلا

أكدت شبكة "سي إن إن" أن لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ الأمريكي لم تبلغ بأي عمل عسكري في فنزويلا- جيتي
أكدت شبكة "سي إن إن" أن لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ الأمريكي لم تبلغ بأي عمل عسكري في فنزويلا- جيتي
شارك الخبر
بعد سلسلة من التوترات بين واشنطن وكاراكاس تخللتها تحشيدات عسكرية وتهديدات، استيقظت فنزويلا السبت على هجمات جوية استهدفت مناطق مدنية وعسكرية، قبل أن يرد نبأ اعتقال أمريكا الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو من قبل قوات "دلتا" الخاصة.


الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، كتب في منشور على منصة تروث سوشيال: "نفذت الولايات المتحدة بنجاح ضربة واسعة النطاق ضد فنزويلا ورئيسها نيكولاس مادورو، الذي تم القبض عليه". حيث كان ترامب قد أصدر في آب/أغسطس الماضي أمراً تنفيذياً بزيادة استخدام الجيش بدعوى "مكافحة عصابات المخدرات" في أمريكا اللاتينية، فيما أكدت شبكة "سي إن إن" أن لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ الأمريكي لم تُبلّغ بأي عمل عسكري في فنزويلا.



إجراء جاء رغم إعلان الرئيس الفنزويلي عن استعداده الخميس الماضي للتفاوض بشأن "أي شيء تريده" الولايات المتحدة التي تمارس ضغوطاً على بلاده بنشرها سفناً حربية في منطقة الكاريبي، متهماً واشنطن بالسعي للإطاحة بحكومته من أجل الاستيلاء على احتياطات النفط في البلاد، وهي الأكبر في العالم.
 
فمن هو نيكولاس مادورو موروس الذي شغل منصب الرئيس الثالث والخمسين لفنزويلا منذ عام 2013.

من قصر ميرافلوريس إلى قبضة واشنطن
قاد مادورو فنزويلا خلال أكثر من عقد من الحكم، في ظل اضطرابات اقتصادية حادة، وانقسام سياسي داخلي، وعزلة دولية، وسط صدام دائم مع واشنطن التي صنفته عام 2025 مع حكومته "منظمة إرهابية أجنبية"، واتهمت كاراكاس باستخدام عائدات النفط في أنشطة غير مشروعة.

مادورو  - جيتي

ويُنظر إلى الرئيس الفنزويلي بوصفه أحد أكثر الشخصيات السياسية إثارة للجدل في أميركا اللاتينية، لا بسبب مساره غير التقليدي من سائق حافلة إلى رأس السلطة في قصر ميرافلوريس فحسب، بل أيضاً لدوره المحوري في واحدة من أكثر المواجهات حدة بين دولة في الجنوب العالمي والولايات المتحدة في العصر الحديث.

لطالما قدّم مادورو نفسه كزعيم يخوض "معركة سيادة" ضد ما يصفه بمحاولات تغيير النظام والاستيلاء على الموارد الاستراتيجية للبلاد.

وُلد نيكولاس مادورو موروس في 23 تشرين الثاني/نوفمبر 1962 في العاصمة كاراكاس، وعمل في بداياته سائقاً لحافلة ضمن شبكة "مترو كاراكاس"، وكان ناشطاً في نقابة النقل.

برز اسم مادورو سياسياً في تسعينيات القرن الماضي، حين شارك في الحملات المطالِبة بالإفراج عن هوغو تشافيز عقب محاولة الانقلاب الفاشلة عام 1992 ضد الرئيس كارلوس أندريس بيريز، قبل أن يصبح لاحقاً أحد المقرّبين من تشافيز ويساهم في تأسيس حزب "حركة الجمهورية الخامسة"، الذي شكّل لاحقاً العمود الفقري للسلطة في فنزويلا. 
 
تشافيز يرشح مادورو خليفة له
بدأ صعود مادورو السياسي في عام 1999، حين انتُخب لعضوية الجمعية الوطنية التأسيسية المكلفة بصياغة دستور جديد للبلاد، ثم فاز في انتخابات الجمعية الوطنية في عام 2000، وتدرج داخل المؤسسة التشريعية حتى وصل إلى رئاستها في الفترة بين عامي 2005 و2006.

وفي عام 2006، دخل مادورو الحكومة وزيراً للخارجية حتى عام 2013. وفي 12 تشرين الأول/أكتوبر 2012، اختاره تشافيز نائباً للرئيس، ثم أعلن في العام نفسه، قبيل توجهه إلى إجراء عملية جراحية رابعة لاستئصال ورم سرطاني، ترشيح مادورو لخلافته في حال غيابه.

بعد وفاة تشافيز، أدى مادورو اليمين رئيساً مؤقتاً في 8 آذار/مارس 2013. وخاض الانتخابات الرئاسية في 14 نيسان/أبريل من العام نفسه، ليفوز بفارق ضئيل ويؤدي اليمين رئيساً للجمهورية.

بعد أشهر من توليه السلطة، اتخذ خطوات تصعيدية ضد الولايات المتحدة، فطرد في أيلول/سبتمبر 2013، ثلاثة دبلوماسيين أمريكيين، متهماً إياهم بالضلوع في انقطاع كهربائي واسع.

أزمات سياسية واكبت حكمه
شهدت سنوات حكم مادورو الأولى، احتجاجات طلابية بارزة. ففي 12 شباط/فبراير 2014، لفتت الاحتجاجات الحاشدة الأنظار الدولية بعد مقتل 3 أشخاص، وسط تدهور اجتماعي واقتصادي كبير.

وفي 21 شباط/فبراير، دعا مادورو، الرئيس الأمريكي آنذاك باراك أوباما، إلى قبول "التحدي" وإجراء محادثات مباشرة. 

في 15 كانون الثاني/يناير 2016، أعلن مادورو حالة الطوارئ الاقتصادية بعد نشر بيانات اقتصادية متأخرة لسنوات. ثم وسع الإجراءات بإعلان حالة طوارئ دستورية في 13 مايو من العام نفسه. 

وفي 1 آيار/مايو 2017، أعلن توقيعه مرسوماً يمهد لتعديلات دستورية تعيد تشكيل السلطة التشريعية وتوسع صلاحياته، وفي 30 تموز/يوليو، أجريت انتخابات لاستبدال الجمعية الوطنية بهيئة تشريعية جديدة موالية له تسمى "الجمعية التأسيسية".

وبعد مقتل ستة أشخاص جراء اندلاع اشتباكات بين المتظاهرين وقوات الأمن، فرضت وزارة الخزانة الأمريكية، عقوبات على مادورو، وحظرت على الأمريكيين التعامل معه. 

إعادة انتخاب ومحاولات اغتيال
أعلن مادورو ترشحه لولاية جديدة في 24 كانون الثاني/يناير 2018، وشهدت انتخابات 20 آيار/مايو عزوفاً كبيراً بعد حملة تشكيك واسعة من المعارضة والمجتمع الدولي، إذ تراجعت نسبة المشاركة إلى 46 بالمئة مقارنة بـ80 بالمئة في 2013. واعتبرت "مجموعة ليما" الانتخابات غير شرعية. 

وبعد أشهر، وتحديداً في 4 آب/أغسطس 2018، تعرض مادورو لمحاولة اغتيال عبر طائرات مُسيرة محملة بالمتفجرات خلال عرض عسكري، قبل أن تكشف صحيفة "نيويورك تايمز" عن اجتماعات سرية بين ضباط فنزويليين ومسؤولين أمريكيين خططوا لانقلاب عسكري.

وفي 25 أيلول/سبتمبر، فرضت واشنطن عقوبات على زوجته و3 من دائرته المقربة، بعد ظهوره وهو يتناول وجبة فاخرة أعدها الشيف التركي، نصرت جوكشيه، في ظل أزمة اقتصادية تعاني منها البلاد.

في 26 أيلول/سبتمبر 2018، تحدث مادورو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث وصف الأزمة الإنسانية بأنها "مختلقة"، واتهم الولايات المتحدة وحلفاءها في أميركا اللاتينية بمحاولة "التدخل في شؤون البلاد".

وفي 10 كانون الثاني/يناير 2019، أدى مادورو اليمين لولاية ثانية، رغم امتناع عدة دول عن الاعتراف به، فيما أعلنت "منظمة الدول الأميركية" عدم الاعتراف بشرعيته. 

وفي 23 كانون الثاني/يناير 2019، أعلن رئيس الجمعية الوطنية،  خوان جوايدو، نفسه رئيساً مؤقتاً، واعترفت به الولايات المتحدة، فيما اتهم مادورو واشنطن بدعم انقلاب، ليقوم على إثرها بطرد الدبلوماسيين الأميركيين من البلاد. 

محاولات انقلاب مدعومة خارجيا
في 30 نيسان/أبريل 2019، أعلن مادورو إحباط محاولة للانقلاب عليه، شارك فيها، على حد قوله، الرئيس  ترمب ومستشاره للأمن القومي آنذاك، جون بولتون، بينما قال وزير الخارجية الأمريكي حينها، مايك بومبيو، إن مادورو كان يستعد لمغادرة البلاد قبل أن تثنيه روسيا عن قراره. 

ووجهت وزارة العدل الأمريكية، في عام 2020، اتهامات بالإرهاب المرتبط بالمخدرات وجرائم أخرى، إلى مادورو وعدد من كبار مسؤولي حكومته، متهمة إياهم بقيادة عصابة "كارتل دي لوس سولس" والتعاون مع حركة "القوات المسلحة الثورية الكولومبية" (فارك) لتهريب الكوكايين. 

و"كارتل دي لوس سوليس" أو "كارتل الشموس" ليس تنظيماً فعلياً ولا كارتلاً قائماً بذاته، بل هو مصطلح يُستخدم في فنزويلا للإشارة إلى كبار الضباط العسكريين الذين اتهموا بجمع ثروات طائلة من خلال تهريب المخدرات.

وجاءت تسمية "الشموس" من الشارات الشمسية التي يضعها الضباط الكبار على أكتافهم، ومع اتساع اتهامات الفساد خلال عهد هوجو تشافيز ولاحقاً نيكولاس مادورو، اتسع استخدام المصطلح ليشمل مسؤولين حكوميين يُشتبه بتورطهم في أنشطة فساد متنوعة.

وفي 10 كانون الثاني/يناير 2025، أدى مادورو اليمين لولاية رئاسية ثالثة، وسط جدل دولي واسع وانتقادات أميركية على خلفية نتائج الانتخابات. 

تمهيد ترامب للتدخل العسكري
على الرغم من أن العلاقات شهدت فترات من التصعيد والانتقادات، إلا أن الحدث الأخير يمثل نقطة مفصلية، أفضت إلى تدخل عسكري أمريكي مباشر لتغيير النظام السياسي في كاراكاس، والتي يهيمن عليها اليسار الراديكالي على مقاليد الأمور فيها طوال عقود خلت.


وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد هدّد مرارًا بتنفيذ عمليات برية في فنزويلا. ففي مقابلة مع شبكة "إن بي سي نيوز" بتاريخ 19 كانون الأول/ديسمبر، أشار ترامب إلى أن احتمال الحرب مع فنزويلا لا يزال مطروحًا على الطاولة، مضيفًا: "لا أستبعد ذلك، لا". كما أعلن أن هناك خططًا لعمليات مصادرة إضافية لناقلات النفط بالقرب من المياه الفنزويلية.

وفي سياق تحركاتها العسكرية، كثّفت الولايات المتحدة نشر قواتها في البحر الكاريبي، بما في ذلك أكبر حاملة طائرات في العالم وعدد من السفن الحربية، كما حلّقت طائرات عسكرية أمريكية فوق الساحل الفنزويلي خلال الأسابيع الأخيرة.

كما أعلن ترامب في كانون الأول/ديسمبر فرض "حصار شامل وكامل" على ناقلات النفط الخاضعة للعقوبات التي تبحر من فنزويلا وإليها، وصادر خفر السواحل ووزارة الدفاع ناقلتين تحمل كل منهما أكثر من مليون برميل. بررت واشنطن هذه الإجراءات بأنها تهدف لوقف تمويل تهريب المخدرات.
التعليقات (0)