في قلب حي حمرية،
بمدينة مكناس
المغربية، لا يبدو الرصيف المتواجد قرب فندق "الريف" مجرد
فضاء عابر للمارة، الخيام البلاستيكية، والبطانيات، ولافتات تطالب بالإنصاف، كلها
تفاصيل أضحت جزءا من المشهد اليومي للمدينة. ومع حلول شهر رمضان، تعمقت معاناتهم،
إذ تصبح لياليهم أطول، وسط صيام يحول انتظار الحل، إلى امتحان يومي للصبر والكرامة.
أكثر من 500 عاملة
وعامل، يواصلون اعتصامهم المفتوح، منذ سنوات، في المكان نفسه، عقب توقف شركة
"سيكوم سيكوميك" ("سيكوم" سابقا) عن العمل، تاركة خلفها مسارا
اجتماعيا معقدا، لم يطو بعد.
اظهار أخبار متعلقة
لم يعد الاعتصام مجرد
شكل احتجاجي عابر، بل بات إقامة قسرية طويلة، وعنوان يومي لمعركة قانونية
واقتصادية تتجاوز أسوار المصنع المغلق، لتلامس أسئلة أوسع حول مصير قطاع بأكمله.
العاملات، وهن
الغالبية داخل الاعتصام، يتحدثن عن انتقال مفاجئ من استقرار مهني نسبي إلى حالة
فراغ كاملة. سنوات طويلة من الاشتغال داخل المصنع، في الخياطة، والمراقبة،
والتوضيب، انتهت بقرار إداري ترك وراءه أسئلة معلقة. بعضهن ربات أسر، وبعضهن
معيلات وحيدات، ما جعل فقدان العمل لا يعني فقط خسارة أجر، بل اهتزازا لمنظومة
حياة كانت قائمة على انتظام الدخل.
القصة من البداية..
ماذا يحصل؟
"الإحساس بالخسارة لم يكن ماديا فقط، بل
اقتلاعا من حياة كاملة"، بهذه الجملة عبرت زهرة، وهي إحدى العاملات
المعتصمات، في حديثها لـ"عربي21" مبرزة أن جذور الأزمة تعود إلى سنة
2016، حين دخل مستثمر مغربي في شراكة مع طرف أجنبي بهدف إعادة هيكلة الشركة وضخ
استثمارات جديدة تضمن استمرار النشاط.
وحصلت المؤسسة، خلال
تلك المرحلة، بحسب وثائق اطلعت عليها "عربي21" من مصادر نقابية، على دعم
مالي عمومي قدر بحوالي أربعة ملايين درهم، ناهيك عن تسهيلات مرتبطة بمتأخرات تجاه
مؤسسات عمومية، في إطار محاولة لإنقاذ مناصب الشغل ومنع الانهيار.
غير أن هذه التدخلات،
وفقا للمصادر نفسها، لم تمنع تراكم الصعوبات المالية، إلى أن تم إعلان التوقف عن
العمل، بشكل نهائي في تشرين الثاني/ نوفمبر من عام 2021؛ حيث غادر الشريك الأجنبي،
وتخلى المستثمر المحلي عن المشروع. القرار الذي فتح الباب على مصراعيه أمام مسار
قضائي واجتماعي يوصف بـ"المعقد"، إذ لا تزال فصوله مفتوحة إلى يومنا هذا.
في المقابل، مصدر
إداري سابق في الشركة، أشار إلى أن: "السياق الدولي بعد جائحة كورونا قد لعب
دورا في تعميق الأزمة، خاصة مع تراجع الطلبيات الأوروبية وارتفاع كلفة المواد
الأولية والنقل والطاقة". مردفا أن: "هامش الربح في قطاع النسيج بطبيعته
ضيق، وأن أي اضطراب خارجي كفيل بإسقاط شركات تعتمد على كثافة تشغيلية مرتفعة".
بالموازاة مع ذلك، يرى
العمال المعتصمون أمام فندق "الريف" -الذي يملكه صاحب الشركة المتوقفة-
أن: الصعوبات الاقتصادية، مهما كانت حدتها، لا تعفي الإدارة من احترام الالتزامات
القانونية المؤطرة للفصل الجماعي. ويشددون، في تصريحاتهم، على أن ما جرى خلال مرحلة
التصفية اتسم، وفق تعبيرهم، بـ"غياب الشفافية"، معتبرين أن تعثر
المقاولة لا يبرر الإخلال بحقوق الأجراء.
وتحمل اللافتات، التي
يعلقها العمال أمام فندق "الريف" عدة شعارات، من قبيل: "نحن 500
عاملة وعامل، نناشد السلطات وكل الجهات المعنية لإيجاد حل عاجل لوضع مأساوي"
و"الباطرون (المدير) يستعمل الفصل 19 من مدونة الشغل لطرد العاملات".
وبحسب ما اطلعت عليه
"عربي21" فإن جوهر النزاع يتمحور حول نقطتين أساسيتين: الأولى: تتعلق
بالمستحقات المالية المرتبطة بالأجور والتعويضات، والثانية: ترتبط بالاستفادة من
تعويض فقدان الشغل، وهو نظام أقر لتعويض الأجراء في حالات التوقف غير الإرادي عن
العمل.
وفي السياق نفسه، يؤكد
العمال أنهم: حرموا من هذا التعويض إثر إشكالات مرتبطة بتحويل الاقتطاعات إلى
الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، على الرغم من خصمها من الأجور، فيما لم تصدر
الجهات الرسمية أي توضيح يحسم في هذه النقطة.
الفراغ في المعطيات
الرسمية أدى إلى إطالة أمد الاحتجاج، وعمق أكثر من شعور العاملين المحتجين بأن
قضيتهم عالقة بين تعقيدات إدارية ومساطر قضائية بطيئة.
أي متدخلين؟
على المستوى الحزبي،
ندد حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بمكناس، بالوضع، الذي يعيشه عمال
الشركة، معبرا في بيان له، عن تضامنه مع المعتصمين منذ أكثر من سنة في ظروف وصفها
بالقاسية، ومستنكرا ما اعتبره تجاهلا رسميا لمطالبهم وتوقفا غير مبرر لقنوات
الحوار.
كما تأسست قبل أشهر، "لجنة
الدعم والتضامن مع عاملات وعمال سيكوميك"، بمشاركة ممثلين عن حزب التقدم
والاشتراكية والحزب الاشتراكي الموحد، وحزب النهج الديمقراطي العمالي، إلى جانب
شبكة "تقاطع" للحقوق الشغلية وفعاليات مدنية أخرى، بهدف تأطير التضامن
ومواكبة الملف.
وبمقر الجمعية
المغربية لحقوق الإنسان، وهي أكبر الجمعيات
الحقوقية المغربية، نظمت في شهر يوليوز
الماضي، في العاصمة الرباط، ندوة، قدمت فيها "لجنة دعم عاملات وعمال سيكوم/
سيكوميك" مستجدات "المعركة التي يخوضها العمال والعاملات المطرودون من
المعمل، والظروف التي يعيشها المعتصمون منذ أزيد من 365 يوما".
وقالت لجنة دعم عاملات وعمال سيكوم "في ظل حرارة السنة الحالية والسنة الماضية،
وبرد مكناس طيلة فصل الشتاء ننام على الكارتون وداخل خيم من البلاستيك، وإلى اليوم
500 عامل وعاملة يعيشون في وضع لا يقبله حتى الحيوان، ومعرضون للحشرات بأنواعها،
والإهانات، وصار عمال اشتغلوا لعقود عالة على أنفسهم وأسرهم والمجتمع، وتنتقص
كرامتهم، ولا توجد الحماية الاجتماعية التي هي الورش الذي أطلقه صاحب الجلالة،
ونتساءل أين نحن من الدولة الاجتماعية؟".
وكشفت معطيات من
الندوة، عن تداعيات وصفت بـ"الخطيرة" لهذه الأزمة الاجتماعية، حيث يعاني
ما يزيد عن 50 في المائة من العمال والعاملات من أمراض مزمنة، مع تسجيل 6 حالات
وفاة، وإصابة قرابة 10 في المائة بأمراض خطيرة، بينها: السرطان، وفقدان البصر،
والشلل النصفي.
وخلال الندوة الصحفية،
نفسها، التي انعقدت قبل أشهر قليلة، أوضح عضو اللجنة الوطنية لدعم عاملات وعمال
سيكوم/ سيكوميك بمكناس، معاد جحري، أن: "الحل يوجد بيد رئيس الحكومة"؛
مشيرا إلى أن الحكومة يقع على عاتقها تحمل المسؤولية المالية لهذا الملف، على غرار
ما قامت به حكومات سابقة في ملفات اجتماعية مماثلة.
هنا طنجة.. تفاصيل مشابهة
القضية لم تبق محصورة
في مكناس. ففي مدينة طنجة، برزت خلال الأشهر القليلة الماضية ملفات مشابهة؛ حيث أن
حوالي 450 عاملة وعامل في شركة "نماطيكس" تحدثوا عن إنهاء جماعي للعقود
في سياق وصفته النقابات بالمفاجئ.
وأوضح عدد من العمال
المحتجين، في تصريحات صحافية، متفرقة، أن: "الشركة تواصل التملص من
مسؤولياتها"، فيما وجهوا أصابع الاتهام إلى مستثمر أجنبي بالاستفادة من ثغرات
قانونية للتهرب من أداء الأجور المتأخرة، ما دفعهم إلى اتخاذ خطوة الاحتجاج أمام
مكان إقامته تعبيرا عن الاحتقان الذي يعيشه العمال.
وبحسب المحتجين،
أنفسهم، فإن: أوضاعهم الاجتماعية بلغت مستوى بالغ الخطورة، خاصة أن بعضهم قضى أزيد
من 18 سنة داخل المؤسسة، ويعيلون أسرا تعتمد بشكل كلي على مداخيل توقفت بشكل غير
مفهوم.
أيضا، عبر ما يناهز
400 عامل في شركة "نيكا صارل" المتواجدة في منطقة اكزناية عن تضررهم من
توقف النشاط دون تسوية شاملة. ورغم اختلاف التفاصيل بين حالة وأخرى، فإن تزامن هذه
الملفات في مدن صناعية، مختلفة، بات يطرح تساؤلا حول ما إذا كانت البلاد أمام
حالات معزولة، أم أمام مؤشر لتحول أعمق في بنية قطاع يشغل عشرات الآلاف.
وبحسب تقرير من إعداد
لجنة العمال أطاك طنجة فإنه تم: "رصد وتوثيق الانتهاكات الجسيمة التي
تعرضت لها الطبقة العاملة بشركة Nika Sarl المتواجدة بالمنطقة الصناعية اكزناية بطنجة،
والتي انتهت بكارثة اجتماعية تمثلت في إغلاق مفاجئ للمعمل و تشريد مئات العائلات".
وتابع التقرير الذي اطلعت
"عربي21" على نسخة منه، أنه: "من خلال متابعة اللجنة الميدانية
لملف عمال وعاملات الشركة (البالغ عددهم حوالي 400)، سجلنا الخروقات التالية التي
كانت تمارسها الإدارة بشكل منهجي قبل الإغلاق".
"السطو على الحقوق الاجتماعية: عدم التصريح
بكامل أيام العمل لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، وهو ما يشكل "سرقة
موصوفة" لمستقبل العمال وحرمانهم من التغطية الصحية، والتقاعد والتعويضات
الضرورية في حالة فقدان الشغل و غيرها" وفقا للتقرير نفسه.
وأضاف المصدر نفسه:
"هضم الأجور وتعويمها: خرق سافر لفتات الحقوق المضمونة بموجب مدونة الشغل من
خلال عدم صرف الأجور كاملة في موعدها، واللجوء إلى "تقسيطها" طيلة
الشهر، مما وضع العمال في دوامة من الاستدانة الدائمة"، مردفا: "التمييز
لضرب الوحدة العمالية: نهج سياسة تمييزية في الأداء والتوقيت بين العمال العاديين
والعمال بـ "القطعة"، وهي آلية تهدف بالأساس إلى تفتيت التضامن العمالي
الداخلي وإضعاف القدرة التفاوضية".
وأبرز التقرير أن:
"جريمة الإغلاق الفجائي" قد تمت بما وصفوه بـ"شكل وحشي وبدون أدنى
إشعار قانوني، واستفاق العمال على واقع إغلاق المعمل، وهو ما نعتبره في اللجنة:
طردا تعسفيا جماعيا، مكتمل الأركان، حيث تم تشريد ما يقارب 400 عامل وعاملة دون
صرف أي تعويضات عن سنوات الكدح التي تتراوح لدى عدد كبير من العمال بين 10 و20 سنة".
ويعتبر قطاع النسيج
والألبسة أحد أعمدة الصناعة التصديرية في المغرب، ويرتبط بعقود من الشراكات، مع
شركات أوروبية تعتمد على القرب الجغرافي وسرعة التسليم. غير أن هذا النموذج القائم
على الإنتاج بتكلفة منخفضة وهامش ربح محدود يظل هشا أمام التقلبات العالمية، سواء
تعلق الأمر بالأزمات الصحية، أو بارتفاع أسعار الطاقة، أو أيضا بتشدد المعايير
البيئية في الأسواق الأوروبية.
أي اختبار
لـ"الدولة الاجتماعية"؟
في الوقت الذي يتبنى
فيه المغرب خطاب "الدولة الاجتماعية"، وعمل منذ سنوات على توسيع برامج
الحماية والتغطية الصحية، يجد نفسه اليوم أمام اختبار عملي يتعلق بمدى القدرة على
حماية العمال في حالات الإفلاس أو التصفية.
ووجه نشطاء حقوقيون
مراسلات إلى رئيس الحكومة المغربية، عزيز أخنوش، للمطالبة بتدخل يضمن تسوية الملف،
كما ينتظر العمال لقاء مع وزير الإدماج الاقتصادي والتشغيل، يونس السكوري، عقب
وعود سابقة بدراسة إمكان تمكينهم من تعويض فقدان الشغل. غير أن طول أمد الانتظار
يفاقم هشاشة الأسر المعنية، ويحول الرصيف إلى فضاء إقامة قسري مفتوح على المجهول،
وفقا لعدد من العمال أنفسهم، تحدثت إليهم "عربي21".
اظهار أخبار متعلقة
وخلف توالي أيام
الانتظار الجماعي، تبرز جملة من القصص الفردية. عاملات يبعن الخضار أو الفواكه
لتأمين الحد الأدنى من الدخل، وأسر تواجه صعوبات في سداد القروض أو تكاليف
الدراسة، وحالات مرض مزمن تضاعف العبء المادي والنفسي.
ووفق ما توصلت إليه
"عربي21" فإن المسار الممتد من مكناس إلى طنجة يكشف عن ثلاثة مستويات
مترابطة. يرتبط الأول بمدى احترام إجراءات الفصل الجماعي وتعويضات التوقف؛ ويرتبط
الثاني بقدرة قطاع النسيج على التكيف مع تحولات السوق العالمية، فيما يمس الثالث،
الثقة في منظومة الحماية.
مكناس.. مرة ثانية
وليلا، حين تخف حركة
المرور في قلب مدينة مكناس، يظل ضوء صغير يتسلل من تحت إحدى الخيام البلاستيكية،
حيث تجلس عاملات يتبادلن القصص عن سنوات طويلة ماضية من العمل، وعن انتظار لا يبدو
له أفق واضح.
وبين مصنع مغلق وملفات
معروضة على القضاء، وبين وعود رسمية لم تتحول بعد إلى قرارات تنفيذية، يتردد
السؤال: هل يتعلق الأمر بأزمة عابرة ستحل بتسوية مالية وإدارية، أم أننا أمام مؤشر
لتحول هيكلي يعيد رسم خريطة قطاع كان ينظر إليه طويلا باعتباره أحد ركائز التشغيل
النسوي في المغرب؟
في انتظار الجواب،
سيظل الرصيف في مكناس وطنجة شاهدا على صراع يتجاوز حدود الشركة الواحدة. ويختبر
قدرة النموذج الصناعي والاجتماعي على حماية الحلقة الأضعف العمال حين يتعثر رأس
المال.