بين جدران تحمل ندوب الرصاص
وأحياء بدأت تستعيد هدوءها، عادت الإفطارات الجماعية إلى ساحات الخرطوم في مشهد
استثنائي لم تره العاصمة
السودانية منذ اندلاع
الحرب في نيسان/ أبريل 2023.
واستعاد السودانيون تقليدهم
التاريخي، محولين أرصفة الشوارع التي شهدت صراعا محتدما إلى مآدب مفتوحة تضج
بالحياة.
وتحت ظلال المباني التي لا
تزال تحمل آثار الشظايا، يتسابق الشباب في أحياء الخرطوم لفرش الحصائر التقليدية
في وسط الطرقات قبل موعد الإفطار في مشهد توارى قسراً منذ اندلاع الحرب في نيسان/ أبريل
2023، قبل أن يعود اليوم ليؤكد أن النسيج الاجتماعي السوداني عصيّ على التمزق.
ونشر عدد من النشطاء صورا
وفيديوهات لعودة الإفطارات الجماعية إلى العاصمة الخرطوم، فيما بدأت بعض المنظمات
غير الحكومية تنظيم إفطارات جماعية بشوارع العاصمة.
تكافل اجتماعي
وفي ظل الأوضاع الاقتصادية
الصعبة في السودان أصبح الإفطار الجماعي وسيلة لضمان حصول الجميع على وجبة
متكاملة، حيث يتقاسم الجيران ما توفر لديهم من مواد غذائية.
ويقول عدد من السودانيين إن
العودة إلى الساحات هي إشارة لعودة الأمان في بعض المربعات السكنية في الخرطوم،
فيما تمثل هذه الإفطارات فرصة لمعرفة من عاد من النزوح ومن غادر، ولتبادل الأخبار
عن المفقودين.
اظهار أخبار متعلقة
ورغم غياب الكثير من
الأصناف التي كانت تزخر بها المائدة السودانية قبل عام 2023 بسبب غلاء الأسعار أو
تعطل سلاسل الإمداد، إلا أن الأطباق الأساسية كانت حاضرة.
إثر راسخ
وتعد الإفطارات الجماعية
إرثا راسخا في مختلف مناطق السودان، إذ يقف السودانيون على جنبات الطرق طيلة شهر
رمضان يطلبون من المسافرين وعابري السبيل التوقف، لتناول الماء والتمر والعصائر،
وموائد وضع بعضها على جانبي الطرق.
ورغم الارتفاع الجنوني
لأسعار السلع الاستهلاكية، عاد سكان الخرطوم هذا العام إلى موروثهم بالخروج إلى
الشارع بما تجود به موائدهم الرمضانية ولو حبات تمر فقط.
وعلى مدى السنوات الأخيرة
واجه هذا الإرث التاريخي تحديات جمة، من زحف التحديث وضيق المساحات المدنية،
وصولاً إلى سنوات الحرب الأخيرة التي حاولت تمزيق هذا النسيج، إلا أن عودة
السودانيين لفرش حصائرهم وسط الركام هذا العام، تثبت أن هذا التقليد ليس مجرد
عادة، بل هو نظام دفاع اجتماعي يحمي الهوية السودانية من التآكل.
فاتورة الحرب الباهظة
وتعاني الخرطوم كما بقية
مدن السودان ظروفا اقتصادية صعبة، حيث لم تدمر الحرب المنازل فقط بل ضربت قلب
العملية الإنتاجية؛ فقد تعرضت المناطق الصناعية في الخرطوم لعمليات نهب وتخريب
واسعة، وتوقف إنتاج النفط في حقول كبرى، ما حرم الدولة من أهم مواردها.
اظهار أخبار متعلقة
وجراء الحرب تحولت
"سلة غذاء العالم" إلى عنوان للمجاعة، وانهارت البنى التحتية في جميع
أنحاء البلاد، بينما تجاوزت أعداد النازحين الـ14 مليون نازح غادروا بيوتهم تحت دوي
المدافع والرصاص، سالكين دروب الهروب الوعرة نحو دول الجوار والمناطق الأكثر أمنا.
ووفق معطيات رسمية تجاوزت
معدلات التضخم حاجز 100%، بالتوازي مع انهيار حاد في قيمة العملة المحلية، التي
تراجعت من نحو 570 جنيها سودانيا مقابل الدولار قبل اندلاع الحرب إلى ما يقارب
3500 جنيه في السوق الموازية عام 2026، الأمر الذي ضاعف الأعباء المعيشية على
الأسر العائدة إلى منازلها.
وتمكن الجيش السوداني في أيار/
مايو الماضي من استعادة ولاية الخرطوم بشكل كامل وتطهيرها من أي وجود لعناصر قوات
الدعم السريع، التي كانت تتمدد في مفاصل العاصمة ومواقعها الاستراتيجية قرابة
العامين.
وأتاحت سيطرة الجيش بشكل
كامل على الخرطوم عودة تدريجية للسكان، رغم الدمار الواسع الذي طال الأحياء
والأسواق والبنية التحتية.
وتركت الحرب في كل بيت
سوداني جرحاً، وفي كل شارعٍ حكاية وجع، مخلّفةً وراءها شتاتاً غير مسبوق في تاريخ
البلاد، لكن عودة هذه الموائد ترمم ما انكسر من روح العاصمة؛ فهي تؤكد أن الندوب
التي خلفتها الحرب على واجهات المباني، لا يمكن أن تمنع نبض الهوية السودانية من
الجريان مجدداً في عروق المدينة.