النفط الفنزويلي بعد اعتقال مادورو.. سوق مترقبة وثروة رهينة لأحلام ترامب

واشنطن تعيد رسم خريطة النفط في فنزويلا بعد إزاحة مادورو - جيتي
واشنطن تعيد رسم خريطة النفط في فنزويلا بعد إزاحة مادورو - جيتي
شارك الخبر
ارتفعت أسعار النفط بشكل طفيف في مستهل تعاملات الاثنين، في وقت يقيم فيه المستثمرون التداعيات المحتملة للتطورات السياسية غير المسبوقة في فنزويلا، عقب العملية الأمريكية التي أسفرت عن اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو، وسط سوق عالمية تبدو حتى الآن جيدة الإمدادات، لكنها شديدة الحساسية لأي اضطراب جيوسياسي في الدول المنتجة.

وسجلت العقود الآجلة لخام برنت ارتفاعا قدره 17 سنتا لتصل إلى 60.92 دولارا للبرميل بحلول الساعة 00:24 بتوقيت غرينتش، بعد أن قلصت خسائرها المبكرة، فيما صعد خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي 11 سنتا إلى 57.43 دولارا للبرميل.

ويأتي هذا الارتفاع المحدود في ظل ترقب الأسواق لاحتمال تعطل شحنات النفط الفنزويلية، خاصة أن البلاد تعد عضوا مؤسسا في منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك)، وتمتلك أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم، رغم التراجع الحاد في إنتاجها خلال العقدين الماضيين.



ترامب.. عيني على أكبر احتياطي بالعالم

كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب٬ أكد عزم بلاده السيطرة على الاحتياطيات النفطية الضخمة في فنزويلا، والعمل على جذب شركات أمريكية كبرى لاستثمار مليارات الدولارات بهدف إعادة إحياء قطاع النفط الذي تعرض لدمار واسع خلال السنوات الماضية.

وخلال مؤتمر صحفي عقده، السبت الماضي، عرض ترامب رؤيته لإعادة بناء صناعة النفط الفنزويلية، مؤكدا أن واشنطن ستسخر مواردها المالية وخبراتها الصناعية لإعادة هذا القطاع إلى ما وصفه بـ«موقعه الطبيعي» على خريطة الطاقة العالمية.

ونقلت وكالة «بلومبيرغ» عن ترامب قوله في خطاب عام: «سنجعل شركات النفط الأمريكية العملاقة، وهي الأكبر في العالم، تدخل فنزويلا وتنفق مليارات الدولارات لإصلاح البنية التحتية المتهالكة بشدة، ثم تبدأ في جني الأموال لصالح البلاد».

وأضاف الرئيس الأمريكي أن إزاحة مادورو عن السلطة ستفتح المجال أمام استغلال الاحتياطيات النفطية الهائلة التي تمتلكها فنزويلا، معتبرا أن هذه الخطوة من شأنها أن تحدث تحولا كبيرا في سوق الطاقة العالمية.

وأشار إلى أن إعادة هيكلة قطاع النفط الفنزويلي، بدعم مباشر من الشركات الأمريكية، ستنعكس – بحسب تعبيره – إيجابا على الاقتصاد الفنزويلي، في وقت تثير فيه تصريحاته مخاوف دولية بشأن السيادة الوطنية واستخدام الموارد الطبيعية كورقة نفوذ سياسي واقتصادي.



واشنطن تمهد لعودة الشركات الأمريكية


في موازاة ذلك، كشفت مصادر مطلعة لوكالة "رويترز" أن مسؤولين في البيت الأبيض ووزارة الخارجية الأمريكية أبلغوا، خلال الأسابيع الأخيرة، كبار التنفيذيين في شركات نفط أمريكية بضرورة الاستعداد للعودة السريعة إلى فنزويلا، وضخ استثمارات رأسمالية كبيرة لإعادة إحياء قطاع النفط المتدهور، إذا ما أرادت تلك الشركات استعادة تعويضات عن أصول صودرت قبل نحو عقدين.

وخلال العقد الأول من الألفية، أقدمت فنزويلا، في عهد الرئيس الراحل هوغو تشافيز، على مصادرة أصول عدد من شركات النفط الدولية التي رفضت منح شركة النفط الوطنية الفنزويلية (PDVSA) سيطرة تشغيلية أوسع. 

وفي حين فضلت شركة "شيفرون" الأمريكية التفاوض للبقاء عبر مشاريع مشتركة مع PDVSA، غادرت شركتا "إكسون موبيل" و"كونوكو فيليبس" البلاد، ولجأتا إلى التحكيم الدولي للمطالبة بتعويضات.

وقال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، السبت الماضي، إن الشركات الأمريكية "مستعدة للعودة إلى فنزويلا واستثمار مليارات الدولارات لإعادة تنشيط قطاع النفط"، وذلك بعد ساعات فقط من إعلان اعتقال مادورو وإبعاده عن السلطة على يد قوات أمريكية خاصة.

اظهار أخبار متعلقة


استثمارات أولا.. والتعويضات لاحقا

وبحسب المصادر، فإن الإدارة الأمريكية تشترط على الشركات الراغبة في العودة تحمل كلفة إعادة بناء صناعة النفط الفنزويلية من مواردها الخاصة، في حال خروج مادورو من السلطة، معتبرة ذلك خطوة تمهيدية لا غنى عنها قبل السماح لها بالمطالبة لاحقا باستعادة ديونها وتعويضاتها الناجمة عن المصادرات السابقة.

وتعد هذه الشروط باهظة التكلفة، خصوصا لشركات مثل "كونوكو فيليبس"، التي تسعى منذ سنوات إلى استرداد نحو 12 مليار دولار، بينما تطالب "إكسون موبيل" بتعويضات تقارب 1.65 مليار دولار عبر دعاوى تحكيم دولية.

وكان ترامب قد بدأ الشهر الماضي الإشارة علنا إلى ملف المصادرات، عندما أمر بفرض حصار على ناقلات نفط خاضعة للعقوبات، في خطوة فهمت على أنها تمهيد لإعادة ترتيب القطاع النفطي الفنزويلي بما يخدم المصالح الأمريكية٬ وهو ما أكد عليه بعد اعتقال مادورو.

حسابات الشركات.. ومخاطر العودة

وأكد مصدران مطلعان لوكالة رويتز أن قرار العودة من عدمه سيعتمد في نهاية المطاف على تقييم الإدارات التنفيذية ومجالس الإدارة والمساهمين لمستوى المخاطر السياسية والأمنية والقانونية المرتبطة بالاستثمار في فنزويلا.

وقال متحدث باسم "كونوكو فيليبس"، في تصريح عبر البريد الإلكتروني إلى "رويترز"، إن الشركة "تراقب التطورات في فنزويلا وتداعياتها المحتملة على إمدادات الطاقة العالمية والاستقرار"، مضيفا أن "من السابق لأوانه التكهن بأي أنشطة أو استثمارات مستقبلية"، وهو موقف أعادت الشركة تأكيده يوم الأحد. في المقابل، لم ترد "إكسون موبيل" على استفسارات الوكالة.

ويرى محللون أنه حتى في حال عودة الشركات، فإن تحقيق زيادة ملموسة في الإنتاج قد يستغرق سنوات، نظرا إلى حجم الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية، نتيجة سوء الإدارة، ونقص الاستثمارات، والعقوبات الأمريكية المتراكمة.

ثروة نفطية ضخمة.. وواقع متدهور

تمتلك فنزويلا احتياطيا نفطيا مؤكدا يناهز 303 مليارات برميل، أي نحو 17% من الاحتياطي العالمي، متقدمة على السعودية وكندا، وفق بيانات "أوبك" و"رويترز". غير أن هذه الثروة الهائلة لم تنعكس على الأداء الاقتصادي للدولة.

فقد تراجع الإنتاج من أكثر من 3.5 ملايين برميل يوميا في سبعينيات القرن الماضي، إلى أقل من مليوني برميل خلال العقد الثاني من الألفية، ليبلغ متوسطه نحو 1.1 مليون برميل يوميا العام الماضي، أي قرابة 1% فقط من الإنتاج العالمي.

ويتركز معظم هذا النفط في حزام أورينوكو، وهو نفط ثقيل عالي الكلفة، يحتاج إلى تقنيات متقدمة ومصاف متخصصة، ما يجعل تحويل الاحتياطات إلى تدفقات نقدية عملية معقدة وطويلة الأمد، وليست قرارا سياسيا سريعا.

اختناق الصادرات وتحول الثروة إلى عبء

ولا تتوقف القيمة الاقتصادية للنفط الفنزويلي على حجم الاحتياطي أو الإنتاج، بل على القدرة على التصدير والتحصيل المالي. 

وخلال الأسابيع الأخيرة، أدت الضغوط الأمريكية على حركة الناقلات إلى تراجع حاد في الصادرات، مع امتلاء مرافق التخزين واضطرار "PDVSA" لاستخدام ناقلات كخزانات عائمة، ما يهدد بخفض الإنتاج إذا استمر الاختناق.

وبذلك تتحول الثروة النفطية إلى عبء تشغيلي بدل أن تكون مصدر دخل، في وقت تعجز فيه الدولة عن تمويل الواردات الأساسية من الوقود والغذاء والسلع.

اظهار أخبار متعلقة


خبراء.. لا مكاسب سريعة

سألت رويترز عدد من الخبراء حول توقعاتهم من دور الشركات الأمريكية في فنزويلا٬ قال مارك كريستيان، مدير تطوير الأعمال في شركة "كريس ويل" للاستشارات، إن الشركات الأمريكية "لن تعود قبل أن تتأكد من حصولها على أموالها وضمان حد أدنى من الأمن"، مشيرا إلى أن رفع العقوبات وتعديل القوانين الفنزويلية شرط أساسي لأي عودة استثمارية جدية.

من جانبه، رأى الخبير الاستراتيجي في شؤون الطاقة والجيوسياسة توماس أدونيل أن نجاح انتقال سياسي سلمي قد يتيح، خلال خمس إلى سبع سنوات، زيادة كبيرة في الإنتاج، لكن أي انتقال فاشل قد يفتح الباب أمام مقاومة طويلة الأمد.

أما فرانسيسكو مونالدي، مدير برنامج الطاقة في أميركا اللاتينية بمعهد بيكر في جامعة رايس، فأكد أن "شيفرون" ستكون الأكثر استفادة من أي انفتاح محتمل، فيما ستنتظر بقية الشركات تبلور الاستقرار السياسي وإطار العقود.

أبرز حقول النفط الفنزويلي

تمتلك فنزويلا عدة أحواض نفطية رئيسية تشكل العمود الفقري لإنتاجها، أبرزها:

حوض خليج فنزويلا

يقع شمال البلاد في المنطقة البحرية لولاية زوليا، ويعد ذا أهمية استراتيجية لكونه يطل على طرق شحن بحرية حيوية في الكاريبي. ورغم امتلاكه احتياطيات واعدة، ظل استغلاله محدودا بسبب تعقيدات التشغيل البحرية والنزاعات الحدودية مع كولومبيا.

حوض بحيرة ماراكايبو

يعد أقدم وأهم مركز لإنتاج النفط في فنزويلا، وشكل لعقود العمود الفقري للصادرات النفطية. ويعاني الحوض من تراجع حاد في الإنتاج نتيجة تقادم الحقول، وتآكل البنية التحتية، ونقص الاستثمارات والصيانة.

حوض فالكون

يمتد على ولاية فالكون وأجزاء من شمال ولاية لارا، ويعتبر امتدادا جيولوجيا لحوض ماراكايبو. ورغم احتوائه على احتياطيات نفطية مؤكدة، فإن إنتاجه ظل دون إمكاناته بسبب ضعف التطوير التقني والاستثماري.

حقول الليانوس

يشغل هذا الحوض مساحة واسعة في وسط البلاد، ويعد ثالث أهم الأحواض النفطية من حيث الأهمية الوطنية. وتكمن أهميته في تنوع نوعية نفوطه وسهولة استخراج بعضها مقارنة بنفط أورينوكو الثقيل.

حوض كارياكو

يقع بين ولايتي ميراندا وسوكري، ويتميز أساسا باحتياطيات كبيرة من الغاز الطبيعي إلى جانب النفط. وينظر إليه كخزان إستراتيجي لدعم أمن الطاقة المحلي، لكنه لا يزال أقل استغلالا من إمكاناته الفعلية.

الحوض الشرقي

يعد ثاني أهم منطقة إنتاج في فنزويلا بعد ماراكايبو، ويضم حقولا متنوعة في حوضي ماتورين وغاريكو. ويمثل هذا الحوض مصدرا رئيسيا للنفط التقليدي الذي يحتاج إلى استثمارات لتحديث تقنيات الاستخراج.

الحزام النفطي في أورينوكو

يعد جوهرة الثروة النفطية الفنزويلية، ويضم أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم بنفط فائق الثقل. غير أن كلفة استخراجه العالية واعتماده على تقنيات متقدمة جعلا تطويره بطيئا ومكلفا في ظل العقوبات ونقص التمويل.

وبين الحسابات السياسية لواشنطن، والمخاوف الاستثمارية للشركات، والواقع المتدهور للاقتصاد الفنزويلي، تبدو عودة النفط الفنزويلي إلى مكانته السابقة مسارا طويلا ومعقدا، مرهونا باستقرار سياسي هش، وإطار قانوني واضح، وقدرة البلاد على استعادة ثقة المستثمرين الدوليين، في واحدة من أكثر معادلات الطاقة العالمية تعقيدا في المرحلة الراهنة.
التعليقات (0)