في كل خسارة
فلسطينية، على المستوى
الفكري والثقافي والسياسي والأدبي، تُقدم
جردة سريعة احتفائية بالمنجز وبالتاريخ المرتبط بالراحلين، لكن سرعان ما يتم رمي
ثقل التركة، باعتبارها لا تناسب المرحلة، فوظيفة المنتبهين لوجود أعلام في الحقول
المذكورة، التركيز على مكانة الراحل وتعداد مؤلفاته وذكر تأثيره في محيطه البعيد
عن أرض الوطن. وفي الحالة الفلسطينية يبرز اسم الراحل الأخير المؤرخ
وليد الخالدي
كأحد عظماء فلسطين الذين نحفظ اسمه ولا نقترب من مؤلفاته البحثية الفكرية
التأريخية، وضمن ما مر معي في قراءة سيرة الراحل أن وساما منح له من الرئيس ابو
مازن عن مجمل أعماله.
وأعمال المؤرخ الراحل وليد الخالدي، التي وصلت للعالمية، ونجحت في تقديم
السردية الفلسطينية ومقاومة السردية الصهيونية، لم يكن باستطاعتها أن تكون من ضمن
مناهج التعليم الفلسطيني التي يسعى الرئيس الفلسطيني وسلطته لإخضاعها للشروط
الإسرائيلية؛ في تجنب أي من أولئك الذين ينتمي لهم الخالدي وتخرجوا من مدرسته
الفكرية والمعرفية، لأن محاربة المعرفة أصبحت نهجا وسياسة تطبق في مناهج التعليم
الرسمي.
وكان يصح نعي الراحلين ممن تركوا الأثر الشديد في الوعي العالمي، لو كانوا
يحظون بنفس المكانة المهيبة داخل مجتمعاتهم الرسمية، فعلى سبيل المثال لو اتُخذت
مجموعة من مؤلفات التأريخ الفلسطيني الذي اجتهد وليد الخالدي في صونها، لتكون أحد
المقررات الرئيسية لطلاب وطالبات فلسطين، وللطلاب العرب، لما كان الحال على ما هو
عليه، فما حملته رحلة التوثيق التي خاض غمارها الخالدي في قرنه كافية لأن تكون
مرجعا علميا ومعرفيا وتوثيقيا، لكل مهتم بقضية فلسطين من زاوية المعرفة لا
الشعارات.
وبما أن شغل الشعارات طمس هذه المعرفة والابتعاد عنها قدر الإمكان، وإحلال
الهرج والمرج والفهلوة السياسية كأسلحة مهترئة بدل استحضار الوعي والتوثيق
والمعرفة، فقد تم التخلي عن الأخيرة. وفي سيرة الراحل ما يكفي من زاد ليتسلح به
الفلسطينيون، لا للقول إن الراحل كرس حياته للدفاع عن الرواية الفلسطينية، بل
لاتخاذ ما تركه من إرث لأن يكون سلاحا يشهره الفلسطينيون على كل المنابر. والقائمة
الطويلة لمؤلفاته لو اختير منها بضعة كتب لكانت كافية في إعداد جيل من
الدبلوماسيين والقادة والأساتذة؛ الذين بمقدورهم نقل قضيتهم والتعبير عنها بشكل
علمي يستند لمعرفة معظم التزوير الصهيوني لتاريخهم وتفكيك سرديته القائمة على ذلك
محزن رحيل شخصيات فلسطين المعرفية، والتعبير عن الأسى لا يفي الخالدي حقه،
فنحن لا نكاد نعرفه إلا من بعيد؛ من خلال نشاطه في الولايات المتحدة واستاذا في
جامعاتها، وفي مركز الدراسات الفلسطينية، فالراحل أرادنا أن نكون قريبين منه، في
كتاب "التفكير فيما لا يمكن التفكير فيه: دولة فلسطينية ذات سيادة" وفي
كل الكتب والمؤلفات والمحاضرات، لكن كان يدفع أمام وجوهنا وعلى منابرنا ثقافة
ومعرفة أخرى، كلها مرتبطة بمرحلة صناعة "الفلسطيني الجديد" برعاية رسمية
نراها تنتحب لرحيل المعرفة، بينما هي تمقتها مع عدوك المحتل وتحاربها كأحد أذرع
"الإرهاب" والتحريض، فكيف ستعرف أجيال فلسطين بعد أوسلو ومن كتاب وليد
الخالدي "لماذا غادر الفلسطينيون" 1959، بأن خطط التهجير كلها لم تكن
مرتبطة فقط بدعوة كاذبة أطلقها جيش الإنقاذ العربي للسكان للمغادرة، بل هي فعل
ممنهج لعصابات الهاجاناه وشتيرن والبلماخ وتسيحي؟ فتخيل أن يكون مقرر الطلاب على
مقاعد الدراسة في رام الله ونابلس والقدس مثل هذه المعارف! أو أن تترجم محاضرة
"إعادة نظر في سقوط حيفا" التي تشرح تواطؤ الاحتلال البريطاني مع
العصابات الصهيونية لتسهيل احتلال المدينة وأن "النزوح الجماعي لسكان حيفا
العرب، الذي بدأ في 22 نيسان/ أبريل، رد فعل عفوي على المزيج الوحشي من الإرهاب
وتكتيكات الحرب النفسية التي اعتمدتها الهاجاناه خلال الهجوم".
ربما يكون في مكتبات المعرفة الفلسطينية والعربية، مؤلفات كثيرة تعني هذه
المعرفة، وتبقى حبيسة الرفوف التي يقترب منها المهتمين فقط في مجال وصل المعرفة
وترجمتها بالعمل والفعل، لكنها تبقى جهود ضعيفة، حالها حال معرفة الأجيال
الفلسطينية والعربية بنخبها ومفكريها المحصورين "بحفظ الأسماء دون قراءة
الأعمال" أو توفيرها على نطاق واسع لتكون نبراسا لأجيال يتم تزوير وعيها في
الصهينة والتطبيع وبأكاذيب السلام.
سنسمع في قادم الأيام مرثيات كثيرة عن الراحل، في ندوات وأمسيات، لكن لن
نجد بين مقررات التعليم أيا من مؤلفاته بين أيدي الطلاب في المدن والقرى
الفلسطينية التي تعاين عن كثب صعود جيل من المستوطنين على أراضيهم؛ يتتلمذون على
فكر عتاة الفاشية والعنصرية الصهيونية، ثم يتحولون لعصابات قتل وحرق وهجوم مسلح ضد
الفلسطينيين والعرب لإبادة كل شاهد على النكبة أو من نسلها.
ووليد الخالدي كان أحد الشهود الكبار على نكبة وطنه وأبناء شعبه، وحمل راية
المعرفة والتوثيق والتأريخ لا لتكون على رفوف المكتبات وضمن أروقة المحاضرات
الأكاديمية، بل لتكون فتحا في عقل المتلقي الغربي المغلق على السردية الصهيونية،
وكان إرثه المعرفي يخترق بكل ثقة وعدالة قضيته تلك الأسوار المغلقة. ولكي لا يكون رحيله
مناسبة لتذكر تكريمه أو مكانته المرموقة في مجاله المعرفي، يجب إعادة الاعتبار
بوضع كل ما قدمه وأنتجه بين يدي شعبه، لسبب بسيط؛ أن الراحل وليد الخالدي لم يكن
يعتبر نفسه ناسكا صوفيا، بل إنسان ظل يقلق عميقا على وطنه وشعبه وأرضه، لذلك تزود
بصفات المعرفة والبحث والتأريخ لا لنفسه بل لشعبه ولكل من يساند عدالة قضيته. ولكل
هذا أكرموه بصوت عالٍ بإشهار تركته سلاحا.
x.com/nizar_sahli