هل ضاقت الإدارة الإماراتية لنادي مانشستر سيتي ذرعا بمواقف بيب غوارديولا عن فلسطين؟

عادل العوفي
"الملفت أن شجاعة ابن كتالونيا رافقتها في الموسم الماضي سلسلة نتائج كارثية يمكن اعتبارها النقطة السوداء في مسار بيب مع الفريق السماوي"- جيتي
"الملفت أن شجاعة ابن كتالونيا رافقتها في الموسم الماضي سلسلة نتائج كارثية يمكن اعتبارها النقطة السوداء في مسار بيب مع الفريق السماوي"- جيتي
شارك الخبر
يبدو المدرب الإسباني بيب غوارديولا حريصا على عدم تفويت أي مؤتمر صحفي يسبق مباريات ناديه مانشستر سيتي الإنجليزي ليفتح الباب على مصراعيه للحديث عن مأساة غزة وأهلها، ضاربا بعرض الحائط سيل القيود الجارف الذي تم وضعه بعناية فائقة للجم وصول المحتوى الفلسطيني للعالم بأسره، سواء في مواقع التواصل الاجتماعي وحتى الإعلام التقليدي المنهك والمتخلف عن الركب.

إذا قمنا بجرد لمواقف الفيلسوف الإسباني منذ السابع من أكتوبر وتصريحاته النارية التي عرّت الواقع ونصرت المظلوم وفضحت صمت وتواطأ العالم، حيث يعد نموذجا صارخا على توظيف شهرته ومكانته الذائعة الصيت في المكان الصحيح لإيصال صوت وآهات المقهورين، سنجد سجلا مشرفا من الجهر بالحقيقة المرة التي يتجاهلها الكثيرون خشية المغامرة بمناصبهم وفقدان الامتيازات الاجتماعية والمادية التي يحظون بها، فهل المدرب الداهية يجهل ذلك؟ وهل لديه ما يخسره هو الآخر في معركة كسر العظام هذه لا سيما أننا نتحدث عن نفوذ صهيوني متوغل في دوائر صنع القرار مهما اختلفت؟

بيب والسلطة الإماراتية:

يتغافل الكثيرون على أن المدرب الإسباني يعمل حاليا تحت "وصاية" إماراتية، فمن المعلوم أن نادي مانشستر سيتي يترأسه الإماراتي منصور بن زايد آل نهيان، أحد أشقاء رئيس الدولة، ويعتبره هؤلاء منطقة نفوذ لها حساباتها الخاصة في البلاد، ومن هذا المنطلق يبدو التساؤل التالي مشروعا ومحقا: هل القيادة الإماراتية راضية على تصرفات مدرب الفريق؟ ولماذا تغض الطرف عن السهام الحادة التي يطلقها في كل الاتجاهات بجرأة غير مسبوقة لشخصية رياضية مشهورة؟ والأهم لماذا "تتساهل" مع بيب بالذات؟

الملفت أن شجاعة ابن كتالونيا رافقتها في الموسم الماضي سلسلة نتائج كارثية يمكن اعتبارها النقطة السوداء في مسار بيب مع الفريق السماوي، حيث تعرض لسلسلة هزائم متتالية ولم يقو على بلوغ دوري الأبطال إلا بشق الأنفس، وغادر المسابقة الأوروبية الأعظم في دور 16 بعد هزيمته أمام ريال مدريد في سابقة غير معهودة، بالنظر للنتائج الباهرة والأرقام القياسية التي حققها مع الفريق منذ تولى المسؤولية الفنية، حيث حصد الأخضر واليابس وقاده لجملة من التتويجات تجاوزت 18 لقبا، مما حدا بجامعة مانشستر لمنحه درجة الدكتوراة الفخرية السنة الماضية، حيث ألقى حينها خطابا مؤثرا نتذكر منه: "دعوني أوضّح الأمر: ليس الأمر متعلقا بالأيديولوجيا، ولا بالصواب أو الخطأ، الأمر ببساطة يتعلق بحب الحياة والاهتمام بالآخرين. عندما نرى أطفالا في الرابعة من العمر يُقتلون بسبب القصف أو يرقدون في المستشفى، وأن المستشفيات لم تعد قادرة على استيعابهم، قد نعتقد أن ذلك لا يعنينا".

وأضاف: "قد نختار أن نغض الطرف، ونقول إن الأمر ليس شأننا. لكن احذروا، في المرة القادمة قد يصل الأمر إلينا، وسيكون الأطفال في الرابعة والخامسة أطفالنا. أنا آسف، لكن عندما أرى أطفالي ماريا وماريوس وفالنتينا، كل صباح منذ أن بدأ هذا الكابوس الذي يعيشه أطفال غزة، أشعر بخوفٍ شديد".

وأكمل المدرب الإسباني كلامه: "ربما يبدو ما يحدث بعيدا جدا عما نعيشه هنا، وقد تتساءلون: ما الذي يمكننا فعله؟"، ثم استعرض قصة عن غابة تشتعل فيها النيران، وعصفور صغير يواصل الطيران ذهابا وإيابا، حاملا الماء بمنقاره الصغير، فقط لأنه يؤمن بواجبه في المساهمة، مهما كان حجمه، ليختم الحكاية بالقول: "قوة الإنسان لا تُقاس بحجمه، بل بخياراته، وبحضوره، وبرفضه البقاء صامتا".

ما سبق يكشف عن الوجه الآخر لشخصية معروفة بهوسها بالتفاصيل التكتيكية والبحث الدائم عن الأفكار الجديدة والتغريد خارج السرب، ما مهد له الطريق للنجاح في كل تجاربه التدريبية وليتبوأ مكانة مرموقة بين زملائه في مهنة قاسية وظالمة في أحيان كثيرة.

فلسطين تطوي صفحة العنصرية:

دعونا نتعمق أكثر في مسار الداهية الإسباني قبل "النسخة الإنسانية" الحديثة التي أفرزتها الحرب الهمجية على قطاع غزة، فرغم الإنجازات الكبيرة فإن تهمة "العنصرية" ظلت تلاحقه أينما حل وارتحل، لا سيما بعد التصريحات الجدلية التي أطلقها ضده نجوم القارة الأفريقية بالذات، وأولهم الكاميروني صامويل ايتو الذي قال في تصريح شهير: "جواردويلا عنصري، هو يكره قدرات أصحاب البشرة السمراء، حتى أنه لا يبتسم مع اللاعبين السود، لقد فزت مع بدوري أبطال أوروبا ضد مانشستر يونايتد في روما 2009 لكنه عانق اللاعبين البيض فقط، وتجنبني ويايا توريه".

والأخير أيضا -النجم الإيفواري يايا توريه- سار على ذات النهج حين قال: "لديه مشاكل مع اللاعبين الأفارقة في أي مكان يتواجد فيه"، لكن الأخير عاد واعتذر عن كلامه في وقت لاحق، رغم أن "التهمة" انتشرت كالنار في الهشيم في الأوساط الرياضية العالمية، مع العلم أن هناك تجارب لبيب مع أسماء عربية أيضا أبدت بعض التحفظ تجاهه لكنها لم تصل لدرجة تكريس ذات الاتهام "الأفريقي" بحقه، حيث درب المدافع المغربي مهدي بنعطية في فريق بايرن ميونيخ وأيضا الجزائري رياض محرز في النادي الإنجليزي الحالي، ورغم سعي بعض المنابر العربية "لاختلاق" المشاكل وادعاء تعمده تهميش الثنائي العربي، إلا أن لا دلائل ولا معطيات حقيقية تزكي هذا الطرح حتى يومنا هذا.

لكن المفاجأة التي يتجاهلها البعض والتي يمكن اعتبارها "صك براءة" الإسباني في وجه الاتهامات الأفريقية؛ هي أن الأخير اعتمد اللاعب الإيفواري المعتزل كولو توريه، وهو شقيق يايا توريه، مساعدا له في مانشستر سيتي وأصر على ضمه لجهازه التدريبي، فلماذا صمت منتقدوه على خطوته هذه بينما يتم التركيز وتضخيم تصريحات اللاعبين القدامى ضده؟

المؤكد أن سليل نادي برشلونة نجح في طي هذه الصفحة بعد مواقفه الأخيرة، ويمكن استنتاج ذلك حتى في الشارع العربي الذي تأثر بما يصدح به في كل مناسبة، والدليل أن فريق "غزة الإرادة" لمبتوري الأطراف اختاره ليكون مدربا شرفيا لهم، دون نسيان حرصه على دعم مباراة خيرية بين المنتخب الفلسطيني ومنتخب كتالونيا حققت إشعاعا عالميا واسعا وغيرها من المبادرات الفعلية على أرض الواقع.

الموقف الإماراتي:

لم تعد حالة "التوأمة" المزدهرة بين الكيان الصهيوني ودولة الإمارات تخفى على أحد، لا سيما بعد أن طفا الصراع مع السعودية على السطح والدعم الاسرائيلي العلني لـ"الحليف" غير التقليدي لها في هذه المعركة، مع ضرورة استحضار المستجدات في أرض الصومال والسودان وصولا لليمن وتصدر الثنائي وخططهما للعناوين عربيا وعالميا، قد يتساءل البعض: وما علاقة كل هذا بغوارديولا ومواقفه تجاه القضية الفلسطينية؟

الجواب بسيط، فشئنا أم أبينا يظل الأخير "موظفا" لدى الإدارة الإماراتية المستبدة بشؤون النادي وبإمكانها إنهاء التعاقد معه في أي وقت تشاء، لكن الملاحظ أن حسم بيب لمستقبله مسبقا مع النادي بإعلانه نهاية مسيرته معه العام المقبل (2027) يجعل الطرف المسيّر للفريق يتريث ويخشى الإساءة لـ"صورته" بقرار لن يكون سهلا تجاهل علاقة فلسطين به، وبالتالي إضافة المزيد من "الخدوش" على وجه ممتلئ بالكدمات في الآونة الأخيرة تحديدا، وما يؤكد هذا المعطى هو تسريب أخبار تفيد بتطور المفاوضات بين السيتي والإيطالي انزو ماريسكا، مدرب تشيلسي السابق والمساعد الأسبق أيضا لبيب غواردويلا، تمهيدا لتوليه شؤون المرحلة المقبلة بنهاية عهد الإسباني الذهبي.

ويبقى السؤال المفتوح في خضم كل ما سبق وكذلك في ظل تعاظم "انتفاضة" بيب لدعم فلسطين بشكل متسارع أكبر من الماضي: هل تواصل القيادة الإماراتية تبني سياسة ضبط النفس ومقاومة الضغوط الصهيونية التي لا تخفي انزعاجها وقلقها من تصريحات فيلسوف كرة القدم؟

إن غدا لناظره قريب..
التعليقات (0)