عمّ بعض التفاؤل في
الأوساط الاقتصادية في حلب، بعد تمكن الجيش السوري من طرد قوات
سوريا الديمقراطية
(
قسد) التي يقودها الأكراد، من حيي الأشرفية والشيخ مقصود إلى مناطق شرق نهر الفرات،
وإعادة الاستقرار إلى المدينة التي تُعرف بالعاصمة الاقتصادية لسوريا.
فبعد إعلان حلب مدينة
خالية من "قسد"، يُنتظر أن تستعيد المدينة بعض ألقها الاقتصادي، الذي كان
مهددا بحالة عدم الاستقرار التي تبعثها الاشتباكات التي كانت تتجدد من حين لآخر بين
الجيش السوري و"قسد"، وخاصة أن الأحياء التي كانت خاضعة لسيطرة الأخيرة،
تقع في منطقة مرتفعة وتشرف على الطرق التي تصل حلب بالشمال وتركيا.
ولم تفارق أجواء الحرب
حلب، رغم مرور أكثر من عام على سقوط النظام البائد، ما دفع بكثير من التجار والصناعيين
وأصحاب رؤوس الأموال الذين غادروا حلب منذ اندلاع الثورة السورية في العام 2011، إلى
التريث في قرار العودة.
ويرى مدير دائرة الإعلام
في
محافظة حلب مأمون الخطيب، أن لتحرير أحياء حلب، انعكاسات مباشرة وإيجابية على الحياة
الاقتصادية في مدينة حلب، لاعتبارات منها أن الجيب الذي كان تحت سيطرة تنظيم
"قسد" يشرف على معظم أحياء المدينة نظرا لارتفاعه، لافتا إلى الخطر الأمني
الحقيقي الذي كان يحيق بحلب بسبب تمركز عناصر التنظيم في النقاط المرتفعة، ورصدهم لتحركات
المدنيين، ما أدى إلى تسجيل عشرات حالات القنص في مناطق متفرقة، وانعكس سلبا على الاستقرار
وحركة الأسواق.
ويضيف لـ"عربي21"
بالإشارة إلى موقع الأحياء التي كانت خاضعة لسيطرة "قسد" على الطريق الواصل
بين مدينة حلب ومناطق الشمال السوري باتجاه المعبر الدولي مع تركيا، الشريان الحيوي
للتجارة وحركة البضائع، معتبرا أن "وجود تهديد دائم على هذا المحور كان يشكل عائقا
مباشرا أمام حركة التجارة، بجانب رفع أكلاف النقل، وإضعاف ثقة التجار والمستثمرين".
اظهار أخبار متعلقة
كذلك يلفت الخطيب إلى
وقوع أحياء الشيخ والأشرفية بالقرب من مناطق صناعية مهمة مثل "معامل الليرمون
ومعامل العرقوب، التي تعد من ركائز الاقتصاد المحلي في المدينة"، ويقول:"
بالتالي فإن زوال هذه التهديدات يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الاستقرار الاقتصادي،
ويعيد الحيوية إلى الطرق التجارية والمناطق الصناعية، ويمهد لعودة الاستثمار والعمل
الإنتاجي بشكل أكثر أمانا".
وتقدر مصادر شبه رسمية
عدد الصناعيين الذين غادروا حلب منذ العام 2011 بنحو 20 ألف صناعي، وبعد مرور عام على
سقوط النظام البائد، لم تسجل المدينة إلا عودة خجولة للصناعيين، لأسباب عديدة، أبرزها
عدم استعادة المدينة للاستقرار الكامل.
خطة ما بعد خروج
قسد
وأضاف الخطيب أنه بعد
خروج تنظيم قسد من حيي الأشرفية والشيخ مقصود، باشرت محافظة حلب مباشرة بتنفيذ خطة
عمل مرحلية تقوم على استعادة الدور الكامل لمؤسسات الدولة ودمج هذه الأحياء ضمن القطاعات
الخدمية الأساسية في المدينة، وبدأت المحافظة بتقييم أوضاع الدوائر الخدمية في المنطقة
تمهيدا لإعادة تفعيلها وربطها بالمنظومة العامة، بما يشمل قطاعات الكهرباء والمياه
والصحة والتعليم والاتصالات وغيرها من الخدمات الحيوية.
وأشار إلى أن فرق الكهرباء
بدأت منذ يوم أمس بأعمال صيانة الشبكات المتضررة وإصلاح الأعطال، كما باشرت آليات بلدية
حلب بالانتشار داخل الأحياء لتنظيمها، وفتح الطرقات، ومتابعة أعمال النظافة والخدمات
البلدية. وفي الوقت نفسه، استلمت معظم مؤسسات المحافظة دوائر الدولة أصولا داخل الأحياء،
وبدأت بتقييم الاحتياجات الفنية والبشرية اللازمة لإعادة تشغيلها بشكل كامل.
وتابع الخطيب أنه فيما
يتعلق بالخسائر التي تكبدتها المحافظة، فهي بلا شك أثرت على وتيرة العمل خلال السنوات
الماضية، سواء على مستوى البنية التحتية أو الخدمات أو النشاط الاقتصادي، إلا أن المحافظة
تنظر إلى هذه المرحلة باعتبارها نقطة انطلاق جديدة، حيث يجري التعامل مع الخسائر وفق
أولويات واضحة تركز على استعادة الخدمات الأساسية، وتأمين الحد الادنى من الاستقرار
الخدمي والمعيشي، بما يدعم مسار النهوض التدريجي.
وفي هذا الإطار، تم
إنشاء نقاط طبية سريعة لتلبية الاحتياجات الصحية العاجلة، كما جرى إعادة ربط مقاسم
الاتصالات وتشغيل شبكات الانترنت والخليوي، بما يسهم في عودة الحياة الطبيعية وتسهيل
عمل المواطنين والمؤسسات.
وقال الخطيب إن خروج
تنظيم قسد من هذه الأحياء ينعكس بشكل مباشر على تسريع وتيرة تعافي المحافظة، كونه أزال
عائقا أمنيا وخدميا كان يعرقل العمل المؤسساتي ويؤخر تنفيذ الخطط، ومع تحسن الاستقرار
وعودة سيطرة الدولة الكاملة، تتسارع عمليات إعادة التأهيل، وتتحسن بيئة العمل والاستثمار،
بما يدعم التعافي الاقتصادي والخدمي لحلب خلال المرحلة المقبلة.
المسيرات خطر متجدد
ولا زالت "قسد"
التي خرجت من آخر معاقلها في مدينة حلب، قادرة على زعزعة الاستقرار في المدينة، وهو
ما أظهرته الهجمات التي تعرضت لها حلب بالطائرات المسيرة، انطلاقا من مناطق شرقي حلب
تخضع لسيطرتها.
اظهار أخبار متعلقة
ورغم نفي "قسد"
مسؤوليتها عن الهجمات بالمسيرات التي استهدفت مبنى محافظة حلب ومقار أمنية في المدينة
خلال اليومين الماضيين، تتهمها مصادر رسمية باستخدام المسيرات "إيرانية الصنع"
في ضرب أهداف حكومية ومدنية ردا على "الهزيمة" في "الشيخ مقصود والأشرفية".
وتعليقا، يقول مدير
دائرة الإعلام في محافظة حلب مأمون الخطيب: "يبقى التعامل مع أي استفزازات من
قبل تنظيم "قسد" شأنا سياديا تتولاه الدولة السورية ووزارة الدفاع بحزم ومسؤولية"،
ويضيف: "رأينا مؤخرا كيف تعاملت الدولة مع محاولة التنظيم إغلاق محطة مياه البابيري
التي تغذي مدينة حلب، حيث أدى الضغط المباشر إلى إعادة تفعيل محطة الضخ بشكل فوري،
بما يؤكد أن الدولة ماضية في حماية أمن المدينة واستقرارها الخدمي والاقتصادي".
من جانبها، قالت هيئة
العمليات في الجيش السوري، إن تنظيم "قسد" دخل "مرحلة جديدة من التصعيد
العسكري ضد الشعب السوري، من خلال استهداف مدينة حلب ومؤسساتها المدنية ومساجدها ومرافقها،
باستخدام أكثر من 10 طائرات مسيرة إيرانية الصنع.
وأكدت الهيئة أن
"هذه الهجمات أسفرت عن عدد من الإصابات وخسائر كبيرة في الممتلكات، والجيش السوري
رد على هذا التصعيد باستهداف مصادر إطلاق هذه الطائرات بالطريقة المناسبة".
ما مصير اتفاق آذار؟
وبعد إخراج "قسد"
من حلب، بدأت مؤشرات مواجهة قادمة بالظهور، لكن في ريف حلب الشرقي، ويمكن قراءة ذلك
من خلال الأنباء عن وصول تعزيزات لـ"قسد" إلى بلدة دير حافر شرق حلب حيث
خطوط التماس مع مناطق سيطرة الدولة السورية.
ورد الجيش السوريبالإعلان
عن استنفار قواته وتعزيز خط الانتشار شرق حلب، مضيفا الأحد: "رصدنا استقدام قوات
قسد مجاميع مسلحة وعتادا متوسطا وثقيلا إلى جبهة دير حافر شرق حلب".
ويثير ما سبق تساؤلات
عن مصير الاتفاق الذي وقعه الرئيس السوري أحمد الشرع وقائد "قسد" مظلوم عبدي
في 10 آذار الماضي بدمشق، والذي ينص على دمج "قسد" بمؤسساتها العسكرية والخدمية
والاقتصادية في الدولة السورية.
ويعني عدم تطبيق الاتفاق
التي انتهت مهلة تطبيقه المُعلنة بدخول العام الجديد، أن مواجهة قادمة بين الجيش السوري
و"قسد".
لكن الباحث في مركز
"جسور للدراسات" وائل علوان، يرى في حديثه لـ"عربي21" أنه رغم
التطورات المتسارعة في حلب، وبوادر المعركة في ريفها الشرقي، إلا أنه "لا يمكن
اعتبار أن اتفاق آذار بات بحكم الميت".
ويقول: "رغم عدم
تطبيق الاتفاق بعد بسبب محاولة "قسد" التهرب من تطبيقه، إلا أن الاتفاق يأتي
منسجما مع الإرادة الإقليمية والدولية، التي ترغب في إيجاد حل يضمن الاستقرار في سوريا".
اظهار أخبار متعلقة
ويضيف علوان،
"بالطبع أثرت مواجهات حلب على مواقف دمشق و"قسد" من اتفاق آذار، لكن
بشكل عملي مع مدخلات التأثير الإقليمي والدولي، فإن كل نقاط "قسد" غرب الفرات
هي محكومة بالحل العسكري، وتوافقات تركية أمريكية".
واستدرك: "لكن
الوضع شرق الفرات يختلف، نحن أمام مآلات محكومة بالسياسة، ويمكن القول إن الولايات
المتحدة ستمنع ذهاب الأمور نحو منحى تصعيدي، والمتوقع أن تمارس الضغط على "قسد"
بشكل أكثر لدفعها إلى تطبيق اتفاق آذار، أي الاندماج".
وكانالمبعوث الأمريكي
إلى سوريا توم براك، قد دعا السبت من دمشق، بعد اجتماعه بالرئيس السوري أحمد الشرع،
الحكومة وقوات "قسد" إلى العودة إلى الحوار لتنفيذ اتفاق آذار.
لكن ثمة قراءات، لا
تستبعد أن تنتهي مفاعيل اتفاق آذار، مرجعة ذلك إلى تباين مواقف الدولة السورية و"قسد"،
وخاصة بعد "الشرخ" الجديد الذي أحدثته مواجهات حلب.