فتحت جولة مفاوضات جديدة بين
سوريا ودولة الاحتلال في باريس الباب أمام تحولات لافتة في مسار العلاقة بين الطرفين، بعدما أفضت الجولة الخامسة إلى بيان ثلاثي غير مسبوق برعاية أمريكية، أسس لآلية تنسيق أمني واستخباراتي واقتصادي، في سياق إقليمي معقد أعقب سقوط نظام الأسد، وتزامن مع ضغوط أمريكية متصاعدة وحديث متزايد عن اتفاق أمني قد يرسم ملامح مرحلة مختلفة على الجبهة السورية وحدود الجولان.
وشهدت العاصمة الفرنسية، الاثنين، انطلاق الجولة الخامسة من المفاوضات بين دولة الاحتلال
الإسرائيلي وسوريا، في أول اجتماع من نوعه بعد نحو شهرين من التباعد، وذلك على خلفية تعثر الجهود السابقة للتوصل إلى ترتيب أمني.
وبعد يوم واحد من انطلاق الجولة، أعلنت تل أبيب ودمشق والولايات المتحدة التوافق على إنشاء "آلية دمج" مشتركة، تستخدم لتبادل المعلومات الاستخبارية، وخفض التصعيد العسكري، والانخراط الدبلوماسي، إضافة إلى معالجة قضايا ذات طابع تجاري، كما جرى التوافق على إطلاق محادثات قطاعية تشمل الطب والطاقة والزراعة، وفق ما نقلته صحيفة "جيروزالم بوست".
وجاءت هذه التطورات في ظل مستجدات سورية بالغة التعقيد، بعد التحولات التي أعقبت سقوط نظام الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024، وسيطرة قوات الاحتلال الإسرائيلية على أجزاء من جنوب سوريا، معظمها ضمن منطقة عازلة.
إدارة الواقع الأمني.. بعيدا عن التغيير الجذري
نقلت صحيفة "معاريف" عن مصدر سياسي إسرائيلي أن استئناف المحادثات مع سوريا لا يعكس تغييرا جذريا في طبيعة العلاقات بين الطرفين، بل يندرج في إطار محاولة لإدارة الواقع الأمني المعقد على الجبهة الشمالية للأراضي المحتلة.
وقال موقع "أكسيوس" الأمريكي، نقلا عن مسؤول إسرائيلي ومصدر آخر مطلع على الموضوع، إن واشنطن تضغط على سوريا ودولة الاحتلال للتوصل إلى اتفاق يضمن استقرار الأمن على الشريط الحدودي بين البلدين، ويفتح الطريق أمام تطبيع دبلوماسي للعلاقات.
اظهار أخبار متعلقة
ولفت الموقع إلى أن مفاوضات باريس تمثل أول اجتماع يعقد منذ نحو شهرين، وتشكل الجولة الخامسة من العملية التفاوضية.
ومنذ عام 1967، تسيطر دولة الاحتلال على معظم مساحة هضبة الجولان السورية، كما استغلت أحداث الإطاحة بنظام المخلوع بشار الأسد أواخر عام 2024 لتعلن انهيار اتفاقية فصل القوات، وتحتل المنطقة السورية العازلة.
بيان ثلاثي وآلية تنسيق غير مسبوقة
للمرة الأولى في تاريخ الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي، صدر بيان رسمي مشترك يحمل تواقيع
الولايات المتحدة ودولة الاحتلال الإسرائيلي والحكومة السورية، ويؤسس لآلية تنسيق أمني واستخباراتي واقتصادي بين دمشق وتل أبيب.
ويجمع مراقبون، بحسب شبكة الصحافة الفلسطينية، على أن هذا التطور يشكل انعطافة سياسية عميقة في موقع سوريا الإقليمي، ولا سيما في علاقتها التاريخية بالقضية الفلسطينية، باعتباره يمثل انقلابا سياسيا صامتا ويعبر عن تآكل الموقع السوري في معادلة فلسطين.
وبحسب الشبكة، أشار البيان الذي صدر عقب مفاوضات مباشرة في باريس برعاية أمريكية، لـ"خلية دمج" مشتركة في صيغة وضعت سوريا، للمرة الأولى، في موقع الشريك الأمني لإسرائيل، لا في موقع الخصم أو حتى الطرف غير المباشر.
وتعد هذه المحادثات الجولة الثالثة بين الدولتين المتخاصمتين التي عقدت في باريس، من دون أن تكون فرنسا نفسها مقررة للمشاركة، وقال مسؤول إسرائيلي رفيع المستوى لصحيفة "تايمز أوف إسرائيل" في وقت سابق إن المحادثات في باريس كانت "جيدة ومهمة".
وأضاف المسؤول الكبير أن الجانبين "اتفقا على تشكيل فريق عمل يجتمع بشكل متكرر ومستمر".
وقال مسؤول إسرائيلي لموقع "أكسيوس" الإخباري إن الجانبين يعتزمان أيضا اتخاذ تدابير لبناء الثقة، مضيفا: "أعرب البلدان عن رغبتهما في التوصل إلى اتفاق أمني في إطار رؤية الرئيس ترامب للشرق الأوسط".
السويداء والجولان وحدود الاتفاق
نقلت "القناة 12" عن مصدر سوري مقرب من حكومة الرئيس أحمد
الشرع قوله إن الضغط الأمريكي خلق "أرضا خصبة لإحراز تقدم محتمل نحو اتفاق أمني مع إسرائيل".
ونقلت التقارير عن المصدر قوله: "تشير المعطيات الواردة من الجانب السوري إلى اتجاه إيجابي على طريق صياغة اتفاق أمني من شأنه أن يلبي مطالب كلا الجانبين، دون الحاجة إلى وجود عسكري إسرائيلي داخل سوريا".
وأضاف المصدر: "يبدو أن الولايات المتحدة مهتمة بإبرام صفقة سريعة. نحن على استعداد لتقديم ضمانات أمنية للجانب الإسرائيلي مقبولة لدى الجميع مقابل انسحابه من الأراضي السورية. هذه خطوة تخلق في الوقت نفسه شعورا بالاطمئنان لإسرائيل وسوريا".
وأوضح المصدر أن سوريا لم تتنازل عن موقفها بشأن السويداء، حيث طالبت إسرائيل بفتح "ممر إنساني"، مؤكدا أن ما يجري هناك سيبقى شأنا داخليا سوريا. وكانت المنطقة الجنوبية من سوريا قد شهدت عنفا طائفيا العام الماضي، بما في ذلك من قبل قوات النظام، أسفر عن مقتل مئات الأشخاص من الطائفة الدرزية التي تعهدت إسرائيل بحمايتها.
وأضاف المصدر: "سيتم حل المسألة بين السكان المحليين أنفسهم، دون استخدام الأسلحة أو الدعم الخارجي. ويبدو أن هناك مؤشرات من الجانب الإسرائيلي على موافقتهم من حيث المبدأ على هذه المسألة".
وقال مكتب رئيس وزراء الاحتلال بنيامين
نتنياهو، في وقت لاحق من يوم الثلاثاء، إن المحادثات مع سوريا جرت "كجزء من رؤية الرئيس ترامب لتعزيز السلام في الشرق الأوسط"، وأن إسرائيل تدفع نحو إقامة علاقات اقتصادية بين الدول المعادية.
وذكرت وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا)، الاثنين، أن المناقشات في باريس ركزت على إحياء اتفاقية فض الاشتباك لعام 1974، التي أنشأت منطقة عازلة تحت إشراف الأمم المتحدة بين دولة الاحتلال وسوريا بعد حرب يوم الغفران عام 1973.
وبحسب موقع "أكسيوس"، طلب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من نتنياهو استئناف المحادثات عندما التقيا الأسبوع الماضي في مارالاغو، وقال مسؤول إسرائيلي للموقع إن نتنياهو، رغم اتفاقه مع ترامب على ضرورة التوصل إلى اتفاق قريب، أصر على ألا يتجاوز أي اتفاق الخطوط الحمراء لإسرائيل المتعلقة بضمان الأمن على طول حدودها مع سوريا.
اظهار أخبار متعلقة
وأعرب ترامب عن أمله في التوصل إلى اتفاق دبلوماسي، بعد سيطرة جيش الاحتلال الإسرائيلي على أجزاء من جنوب سوريا، معظمها داخل منطقة عازلة خاضعة لإشراف الأمم المتحدة، عقب انهيار نظام بشار الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024.
وتدعي دولة الاحتلال مرارا خشيتها من أن تقع المنطقة في أيدي جماعات تصفها بالإرهابية، يمكن أن تستخدمها كقاعدة انطلاق للهجمات، وقالت إن اتفاقية فض الاشتباك لعام 1974، التي أنشئت بموجبها المنطقة العازلة، أصبحت لاغية مؤقتا بسبب الإطاحة بالأسد.
وتعمل قوات الاحتلال الإسرائيلي في مناطق تصل إلى نحو 15 كيلومترا داخل سوريا، بهدف الاستيلاء على أسلحة تقول إسرائيل إنها قد تشكل تهديدا إذا وقعت في أيدي "قوى معادية".
وطالبت دولة الاحتلال العام الماضي، بإنشاء ممر إنساني في السويداء أدت إلى تأجيل المفاوضات والتوصل إلى اتفاق، ما أسهم في تهدئة التفاؤل الأولي، كما أشارت تقارير في نوفمبر/تشرين الثاني إلى أن شروط الاحتلال تغيرت مجددا، وطالبت بإقامة علاقات دبلوماسية كاملة، وهو ما قالت سوريا إنه غير مطروح حاليا، ما زاد من تعقيد العملية.
تطبيع يلوح بالأفق
وفي قراءة قانونية وسياسية، قال إسحاق أندكيان، خبير إدارة الأزمات الدولية، لموقع "نورث برس" الأربعاء، إن البيان الثلاثي الأمريكي السوري الإسرائيلي يمثل خطوة أولية وترجمة عملية نحو التطبيع بين سوريا وإسرائيل. وأوضح أن بيان باريس صدر بهدف تنفيذ نتائج قانون تفويض الدفاع الوطني الأمريكي للسنة المالية 2026.
وأشار إلى أن البند الثالث من الفقرة (ب) من المادة 8369 ينص على إلغاء قانون قيصر لحماية المدنيين في سوريا لعام 2019، شريطة أن تمتنع سوريا عن اتخاذ أي إجراءات عسكرية أحادية غير مبررة ضد جيرانها، بما في ذلك دولة الاحتلال، وأن تواصل إحراز تقدم نحو اتفاقيات الأمن الدولي.
وأضاف أندكيان أن بيان باريس يتضمن آليات واضحة، من بينها تبادل المعلومات الاستخباراتية بين سوريا وإسرائيل، والجهود الرامية إلى الحد من التصعيد العسكري على الأرض، وتنسيق المواقف الدبلوماسية، وفتح قنوات لاستكشاف التعاون الاقتصادي والتجاري مستقبلا.
وأوضح أن خلية التنسيق المنصوص عليها في البيان ستعمل كمنصة دائمة لمعالجة التطورات الناشئة ومنع سوء الفهم، بما يساهم في الاستقرار الإقليمي.
وأشار إلى أن البيان يعكس تحقيق كل من إسرائيل وسوريا أهدافا رئيسية خلال المحادثات، عبر التركيز على احترام سيادة سوريا وسلامة أراضيها، وهو مطلب سوري أساسي، مقابل ضمان أمن إسرائيل، الذي يمثل مصدر قلق إسرائيلي جوهري.
وأكد أن المحتوى العام لبيان باريس يشير إلى مسار تطبيع العلاقات بين سوريا ودولة الاحتلال، وقد يؤدي في النهاية إلى تخلي إسرائيل عن روايتها المتعلقة بحماية الأقليات العرقية والدينية في سوريا، ولا سيما الطائفة الدرزية في السويداء.
اظهار أخبار متعلقة
في المقابل، انتقدت رندا قسيس، رئيسة حركة مجتمع تعددي، البيان المشترك، معتبرة أنه محاولة لتهدئة ترامب فقط، بعناوين كثيرة ومضمون محدود، ورأت أنه لن يفضي إلى نتائج فعلية، ولن يغير العقيدة الأمنية الإسرائيلية أو يوقف الضربات، ووصفت البيان بأنه "بيان للاستهلاك الإعلامي".
أما الكاتب والمحلل السياسي دحام مثقال الفواز، فاعتبر أن المسار بين سوريا والولايات المتحدة ودولة الاحتلال يتجه "بهدوء نحو استقرار محسوب"، ورأى في استئناف الحوار انتقالا من الصراع إلى إدارة الحدود وبناء الثقة، مع اختبار ميداني في ملف الدروز، واعتبره سلاما أمنيا هادئا يقلل مخاطر التصعيد ويفتح فرص التنمية الإقليمية، مع تقليص أدوار التعطيل دون صدام مباشر.