خريطة السلطة في إيران: الدين والسياسة والسلاح

جرى إعداد نظام الحكم في إيران لضمان بقاء الثورة واستمرار النهج الذي وضعه الخميني- جيتي
جرى إعداد نظام الحكم في إيران لضمان بقاء الثورة واستمرار النهج الذي وضعه الخميني- جيتي
شارك الخبر
مرت إيران منذ الثورة الإسلامية عام 1979 بتحولات واسعة أدت إلى صياغة نظام سياسي فريد من نوعه، يمزج بين السلطة الدينية والجمهورية الانتخابية، وهو ما اصطلح على تسميته بنظام "ولاية الفقيه".

وجرى إعداد هذا الهيكل ضمن منظومة متداخلة مصممة لضمان "بقاء الثورة" واستمرار النهج الأيديولوجي الذي وضعه الإمام روح الله الخميني، ودخلت هذه المنظومة منعطفاً تاريخياً بعد اغتيال المرشد الأعلى الثاني علي خامنئي.

"الولي الفقيه"

يحتل المرشد الأعلى قمة الهرم السياسي والديني في إيران، وهو المرجع النهائي لكافة القرارات الاستراتيجية في الدولة، وتقوم هذه المؤسسة على عقيدة سياسية تجعل من الفقيه نقطة جمع بين الأمور الدينية والسياسية، لا تقتصر ولايته على الداخل الإيراني فحسب، بل تمتد لتشمل الهيمنة على الجماعات المرتبطة به عقائدياً وتنظيمياً في إطار ما يُعرف بـ "محور المقاومة"، بحسب "المعهد الدولي للدراسات الإيرانية".

وبموجب المادة 110 من الدستور الإيراني، يتمتع المرشد بصلاحيات واسعة النطاق تجعله المشرف الفعلي على السلطات الثلاث: التنفيذية والتشريعية والقضائية، بما يشمل رسم السياسات العامة بعد التشاور مع مجمع تشخيص مصلحة النظام، والإشراف على التنفيذ السليم لهذه السياسات.

ويمتلك المرشد الكلمة الفصل في قضايا الحرب والسلم، ويتولى القيادة العليا للقوات المسلحة، بما في ذلك الجيش النظامي والحرس الثوري.

اظهار أخبار متعلقة


ويمارس المرشد صلاحياته من خلال سلطة التعيين والعزل المباشر لأهم القيادات في البلاد، بما يشمل: فقهاء مجلس صيانة الدستور، والمسؤول الأعلى في السلطة القضائية، ورئيس مؤسسة الإذاعة والتلفزيون في جمهورية إيران الإسلامية، إضافة إلى رئيس أركان القيادة المشتركة، والقائد العام لقوات حرس الثورة الإسلامية، والقيادات العليا للقوات المسلحة.

وإلى جانب الصلاحيات الدستورية، يعمل "بيت المرشد" كمركز إضافي لإدارة الأزمات والتوترات، ويضم هذا المكتب شبكة من المستشارين العسكريين والسياسيين، بالإضافة إلى أكثر من ألفي ممثل للمرشد ينتشرون في كافة قطاعات الحكومة والسفارات والمحافظات، وذلك بصلاحيات واسعة.

مجلس الخبراء

يتألف مجلس خبراء القيادة من 88 رجل دين من الفقهاء المجتهدين الذين يتم انتخابهم شعبياً كل ثماني سنوات، ويشترط فيهم "البصيرة السياسية والاجتماعية" والقدرة على تشخيص الفقيه المؤهل للقيادة.

وتتمثل المهمة الجوهرية للمجلس في اختيار المرشد الأعلى، ومراقبة استمرار توفر شروط القيادة فيه، وهي العدالة والتقوى والكفاءة الفقهية والسياسية.

ويمتلك المجلس صلاحية عزل المرشد في حال عجزه أو فقدانه لشروط مهامه، ورغم أن المجلس نادراً ما يتدخل في الشؤون السياسية اليومية، إلا أنه يتحول إلى المؤسسة الأهم في البلاد لحظة شغور منصب القيادة.

وانتخب مجتبى خامنئي في أعقاب اغتيال علي خامنئي في شباط/فبراير 2026، بعدما عقد جلسة استثنائية وطارئة في ظل ظروف حربية بالغة التعقيد.

وعلى الرغم من التحديات الأمنية وقصف مكاتب الأمانة العامة للمجلس، قرر الخبراء بأغلبية ساحقة انتخاب مجتبى خامنئي مرشداً أعلى ثالثاً للجمهورية الإسلامية، وهو ما اعتُبر تحولاً جذرياً لأنه كسر قاعدة "اللا توريث" التي قامت عليها الثورة ضد الشاه، لكنه اعتُبر ضرورياً من قبل النخبة الحاكمة لضمان وحدة الحرس الثوري وتماسك الدولة.

مجلس صيانة الدستور

يعد مجلس صيانة الدستور الهيئة الرقابية الأقوى في إيران، ويتكون من 12 عضواً: 6 فقهاء يعينهم المرشد، و6 حقوقيين يرشحهم رئيس السلطة القضائية ويصادق عليهم البرلمان.

ولا يُعتبر أي قانون يقره مجلس الشورى الإسلامي (البرلمان) نافذاً إلا بعد حصوله على موافقة مجلس صيانة الدستور، الذي يتأكد من مطابقة التشريعات لموازين الإسلام ومواد الدستور.

وفي حال نشوب خلاف بين البرلمان والمجلس، يتم إحالة الأمر إلى مجمع تشخيص مصلحة النظام للفصل فيه.

ويحظى المجلس بسلطة "الإشراف الاستصوابي" على الانتخابات، مما يمنحه الحق في استبعاد المرشحين لرئاسة الجمهورية والبرلمان ومجلس الخبراء بناءً على "عدم الأهلية".

مجمع تشخيص مصلحة النظام

تأسس المجمع عام 1988 بقرار من المرشد الأول الخميني ليكون حكماً في النزاعات التشريعية وهيئة استشارية عليا للمرشد، ويتكون من 31 عضواً دائماً (يزيد عددهم في بعض الدورات)، يعينهم المرشد من بين الشخصيات البارزة في النظام، بالإضافة إلى رؤساء السلطات الثلاث الذين ينضمون آلياً.

اظهار أخبار متعلقة


وتبرز مهامه في حل الخلافات بين البرلمان ومجلس صيانة الدستور، وتقديم الاستشارات للمرشد في القضايا التي تستعصي على الحل، واختيار العضو الثالث في "مجلس القيادة المؤقت" في حال شغور منصب المرشد.

وخلال المرحلة الانتقالية بعد اغتيال خامنئي، فوض المجمع صلاحيات استراتيجية لمجلس القيادة المؤقت، شملت إعلان الحرب وتعيين القادة العسكريين، وذلك لضمان عدم حدوث شلل في صنع القرار العسكري أثناء المواجهة مع الولايات المتحدة و"إسرائيل".

رئاسة الجمهورية

يعد رئيس الجمهورية الإيرانية ثاني أعلى مسؤول في الدولة، ويتم انتخابه شعبياً كل 4 سنوات لفترتين كحد أقصى، ورغم كونه رئيساً للحكومة، إلا أن سلطاته مقيدة بشكل كبير بإشراف المرشد والهيئات والمجالس التابعة له.

ويتولى الرئيس مسؤولية تنفيذ الدستور ورئاسة السلطة التنفيذية في المجالات التي لا ترتبط مباشرة بالقيادة، وتشمل مهامه إدارة الميزانية والتوظيف وتخطيط شؤون البلاد، بالإضافة إلى توقيع المعاهدات الدولية بعد موافقة البرلمان.

وبعد اغتيال خامنئي أصبح مسعود بزشكيان بصفته رئيساً للجمهورية عضواً في "مجلس القيادة المؤقت" الثلاثي، وعمل بالتنسيق مع المجلس الأعلى للأمن القومي وأمين سره علي لاريجاني لضمان استقرار الجبهة الداخلية في البلاد.

المنظومة العسكرية

تعتمد إيران هيكلاً عسكرياً متوازياً يضم جيشين بمهام مختلفة، وهو تصميم يهدف لمنع الانقلابات العسكرية وضمان تعدد مراكز القوة الولائية، وذلك بالإضافة إلى جهة ثالثة بمهام للأمن القومي.

الحرس الثوري

يتم وصفه بأنه حامي العقيدة والثورة، وتطور من قوة عسكرية لحماية الثورة إلى القوة العسكرية الأقوى في إيران، وهو يتبع مباشرة للمرشد الأعلى ويضم أفرعاً متخصصة، وهي: القوة البرية التي تركز على الأمن الداخلي والحروب غير التقليدية، والقوة الجوفضائية المسؤولة عن البرنامج الصاروخي الاستراتيجي والمسيرات.

ويضم الحرس الثوري أيضاً القوة البحرية التي تسيطر على مضيق هرمز وتعتمد تكتيكات الاستنزاف والزوارق السريعة، إضافة إلى فيلق القدس الشهير الذي يقوم بمهام خارج إيران، إضافة إلى "البسيج"، وهي مجموعة قوات شعبية شبه عسكرية تتكون من متطوعين من المدنيين ذكوراً وإناثاً، أُسست بأمر من الخميني في 1979.

وتضم المنظمة الأصلية المدنيين المتطوعين، وتتألف القوة غالباً من الشباب الإيرانيين. حالياً يقدّم البسيج مختلف الخدمات التطوعية بمثابة القوة المساعدة، ويشارك في أنشطة مثل الأمن الداخلي وتوفير الخدمات الاجتماعية وتنظيم الاحتفالات الدينية العامة.

الجيش النظامي

يتولى الجيش بموجب الدستور مسؤولية حماية استقلال البلاد وسلامة أراضيها، ورغم أنه يمتلك عديداً بشرياً كبيراً يتجاوز 610 آلاف عنصر، إلا أنه يعاني من نقص في التمويل مقارنة بالحرس الثوري، ويظل بعيداً عن دوائر القرار السياسي الحقيقي.

المجلس الأعلى للأمن القومي

الهيئة العليا لتنسيق السياسات الدفاعية والأمنية، ويضم كبار مسؤولي الدولة، ورغم أن الرئيس يرأسه، إلا أن قراراته لا تصبح نافذة إلا بعد مصادقة المرشد عليها. وفي أزمة 2026، برز دور علي لاريجاني كأمين للمجلس، حيث تولى إدارة الملفات الحساسة والتواصل مع القوى الإقليمية لتهدئة الصراع.
مجلس الشورى الإسلامي

اظهار أخبار متعلقة


يتكون من 290 عضواً يُنتخبون كل 4 سنوات، ويمتلك صلاحيات سن القوانين والمصادقة على المعاهدات الدولية واستجواب الوزراء، لكن كافة قراراته تحتاج إلى مصادقة من مجلس صيانة الدستور.

السلطة القضائية

يعين المرشد رئيسها لمدة 5 سنوات، وهي مسؤولة عن إحقاق العدالة وتعيين القضاة. وفي عام 2026، لعب رئيس القضاء غلام حسين محسني إيجئي دوراً مركزياً كعضو في "مجلس القيادة المؤقت"، مما عكس التداخل العضوي بين المنظومة القانونية والأمنية في وقت الأزمات.

مجلس القيادة المؤقت

بموجب المادة 111 من الدستور، شُكِّل مجلس ثلاثي لإدارة شؤون البلاد مؤقتاً بعد اغتيال خامنئي، وضم: رئيس الجمهورية مسعود بزشكيان، ورئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إيجئي، وعضو مجلس صيانة الدستور ورئيس الحوزات العلمية علي رضا أعرافي.

وتولى هذا المجلس صلاحيات القيادة العليا، لكن ممارسته للمهام الجوهرية كإعلان الحرب ظلت مشروطة بموافقة ثلاثة أرباع أعضاء مجمع تشخيص مصلحة النظام.
التعليقات (0)