في ظل الحرب المستعرة والعدوان الأمريكي الإسرائيلي على
إيران، عادت الحركات السياسية الإيرانية المختلفة إلى الواجهة. وتمثل خريطة هذه التيارات السياسية حجم التعقيد الذي يحيط بالوضع الإيراني، واحتمالات التحولات التي قد تفرضها الحرب الجارية على توازنات السلطة ومستقبل النظام السياسي في البلاد.
التيار الملكي أو التيار البهلوي
يعرف التيار الملكي باسم الحركة الملكية أو التيار البهلوي ويقوده رضا بهلوي وهو نجل الشاه السابق محمد رضا بهلوي المقيم في المنفى منذ الثورة الإيرانية عام 1979.
ويركز هذا التيار على معارضة "الجمهورية الإسلامية" والدعوة إلى تغيير النظام نحو نظام ديمقراطي علماني يقوم على فصل الدين عن الدولة، وإجراء انتخابات حرة، واحترام حقوق الإنسان.
ويطرح بهلوي نفسه قائدا انتقاليا مؤقتا، داعيا إلى استفتاء شعبي يحدد شكل الحكم المستقبلي، سواء كان ملكية دستورية أو نظاما جمهوريا.
وفي السابق، كان بهلوي يتبنى فكرة استعادة الملكية، قبل أن تتلاشى هذه التوجات مفضلا ترك القرار للشعب الإيراني عبر صناديق الاقتراع، بحسب ما يدعيه.
اظهار أخبار متعلقة
وعلى الرغم من تأييده الهجوم الأمريكي الإسرائيلي والذي راح ضحيته مئات الإيرانيين، يدعو إلى مقاومة غير عنيفة للنظام، كما وصف الاحتجاجات التي شهدتها إيران بأنها "انتفاضة وطنية"، مطالبا الجيش والقوات الأمنية بالانضمام إلى المتظاهرين، ودعا إلى توسيع التحالفات الدولية مع الغرب ودولة الاحتلال لدعم التغيير السياسي في إيران.
ويحظى التيار الملكي بدعم متفاوت داخل إيران وخارجها، خصوصا بين بعض المتظاهرين خلال احتجاجات السنوات الأخيرة، إضافة إلى الجاليات الإيرانية في الولايات المتحدة وأوروبا.
ويحظى بدعم بارز من "إسرائيل"، حيث التقى بنيامين نتنياهو عام 2023 وتلقى دعما إعلاميا خلال حرب 2025، إضافة إلى دعم سياسيين يمينيين غربيين مثل نايجل فاراج في بريطانيا وبريتي باتيل، ومؤتمر العمل السياسي المحافظ (CPAC).
في المقابل، يواجه التيار انتقادات تتهمه بأنه "أداة إسرائيلية" أو "ممول أجنبيا"، وهو ما يجعل دعمه ينظر إليه كتدخل خارجي يخدم أجندات غير إيرانية ويضعف وحدة المعارضة.
المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية (مجاهدي خلق)
يمثل المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، بقيادة مريم رجوي، أحد أبرز تيارات المعارضة الإيرانية المنظمة خارج البلاد، ولديه جناح مسلح في الأهواز، كما يتبنى تنظيم مجاهدي خلق المرتبط به توجها أيديولوجيا يميل جزئيا إلى الفكر الاشتراكي.
وتأسس المجلس من تحالف سياسي معارض عام 1981 في باريس كحكومة في المنفى، وتقوده منظمة مجاهدي خلق (MEK/PMOI)، ويهدف إلى إسقاط الجمهورية الإسلامية وإقامة نظام ديمقراطي علماني انتقالي.
ويتبنى المجلس مزيجا أيديولوجيا يجمع بين الإسلام الثوري وبعض الأفكار الماركسية، رغم نفيه الارتباط بالأخيرة، ويدعم مبادئ الديمقراطية وفصل الدين عن الدولة، إضافة إلى حقوق الإنسان والمساواة بين الجنسين وحرية الدين.
كان المجلس ومنظمة مجاهدي خلق مصنفين سابقاً ضمن قوائم الإرهاب بين عامي 1997 و2012 من قبل الولايات المتحدة ودول أوروبية، قبل أن يزال هذا التصنيف لاحقا.
اظهار أخبار متعلقة
ويعتمد المجلس داخليا على شبكات سرية داخل إيران، إلا أن تأثيرها محدود بسبب القمع الأمني، ويضم ما بين 5 و10 آلاف عضو في أوروبا والولايات المتحدة، ويحظى بدعم من بعض السياسيين الغربيين، إضافة إلى تحالفات مع معارضين إيرانيين آخرين.
وفي المقابل، يواجه المجلس انتقادات تتهمه بالطابع الطائفي وبأنه لا يمثل الإيرانيين على نطاق واسع، فضلا عن تاريخه في تلقي دعم من نظام صدام حسين.
وقد أعلن المجلس، السبت، عن تشكيل حكومة موقتة تهدف إلى نقل السيادة إلى الشعب الإيراني وإقامة جمهورية ديموقراطية، استنادا إلى برنامج النقاط العشر الذي طرحته رئيسة المجلس مريم رجوي.
وتتضمن خطة النقاط العشر لمستقبل إيران:
-لا لولاية الفقيه، ونعم لحكم الشعب في جمهورية تعددية بأصوات حرة للشعب.
-حرية التعبير وحرية الأحزاب والتجمع والصحافة وحرية الفضاء السيبراني، مع تفكيك
الحرس الثوري وقوة القدس والباسيج ووزارة المخابرات ومجلس الثورة الثقافية.
-ضمان الحريات والحقوق الفردية والاجتماعية، ومقاضاة المسؤولين عن مجزرة السجناء السياسيين، وحظر التعذيب وإلغاء عقوبة الإعدام.
-الفصل بين الدين والحكومة.
-المساواة الكاملة بين المرأة والرجل.
-استقلال السلطة القضائية وإلغاء قوانين النظام ومحاكم الثورة الإسلامية.
-الحكم الذاتي ورفع الاضطهاد عن القوميات والإثنيات الإيرانية.
-تحقيق العدالة وتكافؤ الفرص في العمل والتجارة والسوق الحرة.
-حماية البيئة وإحياؤها.
-إقامة إيران غير نووية خالية من أسلحة الدمار الشامل.
الحركات النسائية والطلابية والعمالية
تبرز الحركات النسائية والطلابية والعمالية كأحد محركات الاحتجاجات الداخلية في إيران، حيث قادت موجة الاحتجاجات التي اندلعت في كانون الأول/ديسمبر 2025 وتوسعت خلال عام 2026، مع انضمام فئات اقتصادية مؤثرة مثل تجار سوق البازار الكبير في
طهران.
وجاء اتساع هذه الاحتجاجات في ظل انهيار العملة الإيرانية وتفاقم الأزمة الاقتصادية، بما في ذلك التضخم المرتفع واتساع دائرة الفقر، وتتميز هذه الحركات بطابع غير مركزي وغير موحد تحت قيادة واحدة، لكنها ترتبط بسلسلة احتجاجات سابقة أبرزها حركة "امرأة، حياة، حرية" التي ظهرت عام 2022.
وتركز مطالب هذه الحركات على قضايا حقوقية واجتماعية واقتصادية، أبرزها إنهاء القيود المفروضة على النساء مثل قوانين الحجاب الإجباري، والدعوة إلى حرية التعبير وإصلاح النظام التعليمي.
كما يطالب العمال بإصلاحات اقتصادية تشمل رفع الأجور ومواجهة التضخم ووقف الخصخصة، بينما يرفع المتظاهرون شعارات تدعو إلى دولة علمانية ديمقراطية وإجراء انتخابات حرة.
وقد بدأت بعض الاحتجاجات بدوافع اقتصادية مرتبطة بانخفاض قيمة الريال قبل أن تتوسع لتشمل مطالب سياسية تتعلق بتغيير النظام.
وفي ذات الزاوية، يرى النظام الإيراني أن هذه الحركات مدعومة من الولايات المتحدة وإسرائيل وتصفها بأنها محاولة لإثارة الفوضى داخل البلاد.
اظهار أخبار متعلقة
داخل النظام الإيراني نفسه لا يبدو المشهد موحدا، إذ تنقسم مراكز السلطة إلى تيارين رئيسيين يتنافسان ولو بطريقة سطحية على إدارة المرحلة الحالية:
المحافظون.. داخل النظام
ويبرز داخل النظام الإيراني نفسه جناح المحافظين الذين يسيطرون على البرلمان والحرس الثوري والمجلس الفقهي، وتمثل هذه الحركة الجناح الثوري المتشدد داخل النظام، وقد سيطرت تاريخيا على السلطات الرئيسية.
وبعد مقتل المرشد الأعلى علي
خامنئي و40 من قائد بارز في النظام والحرس الثوري السبت الماضي، يواجه التيار أزمة قيادية، وتشير التكهنات إلى تولي مجتبى نجل خامنئي لولاية الفقيه.
ويركز هذا التيار على الحفاظ على "الثورة الإسلامية"، ومعاداة الغرب خصوصا الولايات المتحدة ودولة الاحتلال، ودعم "تصدير الثورة" عبر حلفاء مثل حزب الله والحوثيين والحشد الشعبي، إضافة إلى السيطرة الاقتصادية عبر الحرس الثوري الذي يمتلك إمبراطورية اقتصادية.
ويواجه هذا التيار انتقادات تتهمه بالفساد والقمع الداخلي والفشل في معالجة الأزمة الاقتصادية.
التيار الإصلاحي داخل النظام
التيار الإصلاحي.. داخل النظام
ويمثل التيار الإصلاحي الجناح المعتدل داخل النظام الإيراني، ويبرز فيه الرئيس مسعود بزشكيان الذي تم انتخابه في تموز/يوليو 2024 كأول رئيس إصلاحي منذ عام 2005.
وينظر بعض الإيرانيين إلى بزشكيان كرمزا لمحاولات التغيير، ولم يتعرض للاغتيال حتى الآن رغم ادعائه بوجود محاولات إسرائيلية فاشلة ضده في مقابلة مع تاكر كارلسون، وربما يعود ذلك إلى دوره المحتمل في المجلس الانتقالي بعد مقتل خامنئي أو لكونه يعد أقل تهديدا من المحافظين.
ويتبنى الإصلاحيون توجها يقوم على التفاوض مع الغرب، بما في ذلك محاولة إحياء الاتفاق النووي، وإجراء إصلاحات اقتصادية عبر تخفيف العقوبات ووقف تخصيب اليورانيوم مقابل رفعها، إضافة إلى تخفيف القيود الاجتماعية مثل حرية الإنترنت وإطلاق سراح سجناء سياسيين، والدعوة إلى "الوفاق الوطني".
ومع ذلك يواجه الإصلاحيون انتقادات تتهمهم بأنهم مجرد "واجهة" للنظام دون قدرة حقيقية على التغيير.
الحركات الكردية في إيران
تشمل الحركات الكردية في إيران أحزابا مثل حزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني (PDKI)، وحزب الحياة الحرة الكردستاني (PJAK)، وحزب حرية كردستان (PAK)، ومنظمة كفاح كردستان الإيرانية (Khabat)، وحزب كومالة عمال كردستان (Komala).
وشهدت هذه الحركات تصعيدا في نشاطها السياسي والعسكري خلال عامي 2025 و2026، خاصة بعد تشكيل ائتلاف سياسي-عسكري جديد في شباط/فبراير 2026 وسط الاحتجاجات الشعبية والحرب الدائرة بين إيران والولايات المتحدة ودولة الاحتلال.
وتركز هذه الحركات على المطالبة بالحقوق القومية والديمقراطية، بما في ذلك حق تقرير المصير وفصل الدين عن الدولة والمساواة بين الجنسين وإقامة إدارة ديمقراطية في كردستان الإيرانية التي تضم محافظات كردستان وغرب أذربيجان وكرمانشاه وإيلام.
وفي شباط/ فبراير 2026 شكلت خمسة أحزاب رئيسية ائتلاف "تحالف القوى السياسية لكردستان الإيرانية" لتنسيق القرارات السياسية والعسكرية والاستعداد لمرحلة انتقالية بعد سقوط النظام.
وعلى المستوى العسكري تمتلك بعض هذه الأحزاب أجنحة مسلحة مثل قوات البيشمركة في "PDKI" و"PAK"، إضافة إلى مقاتلي "PJAK" الذين شكلوا نحو 70 بالمئة من الهجمات الكردية على القوات الإيرانية بين 2014 و2025.
وفي سياق الحرب الحالية أعلنت هذه الحركات استعدادها لعمليات داخل إيران مع تنسيق على الحدود العراقية الإيرانية، وادعت وجود قوات لها داخل الأراضي الإيرانية، فيما نفت حكومة إقليم كردستان العراق ذلك.
وتواجه هذه الحركات اتهامات بالانفصالية من قبل النظام الإيراني الذي يصفها بالإرهابية، كما تعارضها تركيا بسبب ارتباط بعض فصائلها بحزب العمال الكردستاني.
في المقابل تحظى بدعم داخلي من الأكراد الإيرانيين الذين يقدر عددهم بين 10 و15 مليون نسمة، ويشار إلى أنهم يحضون بدعم من الولايات المتحدة ودولة الاحتلال، مع تقارير تشير إلى محادثات مع وكالة الاستخبارات المركزية للتسليح ودعم من أكراد العراق.