أقرّ الرئيس السوري أحمد
الشرع، أمس الجمعة، المرسوم التشريعي رقم 13، والمتعلق بحقوق
الأكراد السوريين؛ حيث استهدف المرسوم إنهاء معاناة فئة "مكتومي القيد" التي استمرت لأكثر من ستة عقود.
المرسوم الذي جاء توقيته في ظل توتر كبير بين الجيش السوري وقوات
سوريا الديمقراطية "
قسد"، نصت المادة الرابعة منه على إلغاء كافة التدابير الاستثنائية والقوانين الناتجة عن إحصاء عام 1962، مع منح الجنسية السورية بشكل فوري وشامل لجميع المواطنين من أصول كردية المقيمين على الأراضي السورية، بمن فيهم "مكتومو القيد"، مع ضمان مساواتهم التامة في الحقوق والواجبات، وإزالة كافة العوائق الإدارية التي منعتهم طويلاً من ممارسة حياتهم الطبيعية كشركاء في الوطن.
من هم "مكتومو القيد"؟
تُعد قضية مكتومي القيد واحدة من أكثر القضايا القانونية والإنسانية تعقيدًا في تاريخ سوريا الحديث.
إذ يشير المصطلح إلى الأفراد الذين يعيشون على الأراضي السورية وينتمون إليها بأصلهم، لكنهم غير مسجلين في سجلات الأحوال المدنية الرسمية، مما يجعلهم "غير موجودين" قانونياً، ويحرمهم من أبسط حقوق المواطنة، بما في ذلك التعليم، التنقل، العمل، التملك، والرعاية الصحية.
ويُقدر عدد المستفيدين من هذا المرسوم بمئات الآلاف؛ حيث كانت التقديرات قبل عام 2011 تشير إلى وجود حوالي 300 ألف فاقد للجنسية (بين أجانب ومكتومين)، وهو رقم تضاعف بفعل الولادات الجديدة خلال سنوات الحرب.
ومع ذلك، تبرز تحديات لوجستية هائلة تتعلق بآلية إثبات الوجود للمكتومين الذين لا يملكون أي ورقة رسمية، وكيفية إعادة بناء قاعدة البيانات المدنية في المناطق التي تعرضت سجلاتها للتدمير الكلي.
جذور الأزمة: إحصاء عام 1962
ترجع جذور هذه الأزمة إلى الإحصاء الاستثنائي الذي أُجري في محافظة الحسكة بتاريخ 5 تشرين الأول 1962، بموجب المرسوم التشريعي رقم 93، والذي تم تنفيذه خلال يوم واحد فقط بهدف "التحقق من السكان الشرعيين".
أدى هذا الإحصاء إلى تصنيف الأكراد في سوريا إلى ثلاث فئات رئيسية:
مواطنون سوريون:
وهم الأفراد الذين تمكنوا من إثبات إقامتهم في سوريا قبل عام 1945.
أجانب الحسكة:
الأفراد الذين لم يتمكنوا من إثبات الإقامة وفق الشروط، فجُردوا من الجنسية ومنحوا بطاقات حمراء وصارت حالتهم قانونية كأجانب.
مكتومو القيد:
الأفراد الذين لم يرد ذكرهم في سجلات الإحصاء أصلاً، أو ولدوا لأب من فئة "الأجانب" وأم "مكتومة" أو "أجنبية"، ولم يتم تسجيلهم، فظلوا بلا أي وثائق رسمية.
هذه الفئة كانت الأكثر تهميشًا، حيث لم يُعترف بهم قانونيًا كأجانب ولا كمواطنين، وبقيت حقوقهم الأساسية منعدمة لعقود.
معاناة طويلة
عاش مكتومو القيد لعقود طويلة في حالة انعدام الجنسية، مما ترتب عليه آثار كارثية على حياتهم اليومية ومستوى معيشتهم.
أبرز هذه الآثار تمثلت في الحرمان من التعليم، وعدم القدرة على الحصول على شهادات دراسية رسمية أو الالتحاق بالجامعات، ما أعاق فرصهم في التطور المهني والاجتماعي.
إضافة إلى القيود على التنقل، حيث كان من الاستحالة بالنسبة لهم الحصول على جواز سفر أو التنقل بحرية داخل البلاد، بسبب غياب الهوية الشخصية والوثائق القانونية.
ومن الأمور التي عانى منها "مكتومو القيد"، الحرمان من حق تملك العقارات أو السيارات، وصعوبة التوظيف في القطاع العام أو الخاص بشكل قانوني، مما جعل حياتهم الاقتصادية محدودة جدًا.
ووجدت هذه الفئة صعوبة في الوصول إلى الخدمات الصحية الحكومية، خاصة في ظل نظام "البطاقة الذكية" الذي استثناهم من الدعم.
هذه المعاناة تضافرت مع ظروف الحرب بعد الثورة السورية عام 2011، حيث تدمرت سجلات الأحوال المدنية في مناطق واسعة، وظهرت فئة جديدة من مكتومي القيد بسبب الولادات في مناطق خارج سيطرة الدولة أو في مخيمات النزوح، وفقدان الوثائق الرسمية أثناء النزوح القسري.
اظهار أخبار متعلقة
مرسوم الأسد.. حبر على ورق
في عام 2011، في محاولة لتهدئة الاحتجاجات الكردية في بداية الثورة السورية، أصدر النظام المخلوع بقيادة بشار الأسد، المرسوم رقم 49، الذي منح الجنسية السورية لفئة "أجانب الحسكة"، لكنه استثنى فئة مكتومي القيد، وجعلهم مضطرين أولاً لتصحيح وضعهم ليصبحوا "أجانب" قبل أن يتمكنوا من التقدم بطلب الحصول على الجنسية، وهي عملية معقدة عقّدت حصولهم على حقوقهم.
وبقيت الأزمة قائمة طوال فترة الثورة السورية، مع توسع الفئة المتضررة بفعل فقدان الوثائق أثناء النزوح القسري، والولادات في مناطق خارج سيطرة الدولة، وتدمير سجلات الأحوال المدنية، واستمرار عدم تسجيل بعض الأطفال الذين ولدوا في مناطق النزوح.
الحقوق الثقافية
وكان مرسوم الشرع، أشار أيضا إلى الاعتراف بالهوية الثقافية واللغوية الكردية كجزء أصيل من النسيج السوري، بما يشمل حق التعليم والتعبير عن التراث الثقافي.
واعتمد المرسوم اللغة الكردية كلغة وطنية، وضمن حق تعلمها وإحياء التراث الكردي في المدارس والمؤسسات التعليمية ذات الغالبية الكردية.
وأقر المرسوم 21 آذار/ مارس من كل عام، عطلة رسمية في سوريا بمناسبة "عيد النوروز" الخاص بالأكراد.
وأكد المرسوم على المساواة التامة في الحقوق والواجبات بين جميع السوريين دون تمييز، وإزالة أي عقبات قانونية أو إدارية تحول دون ممارستهم لحقوقهم.