تفاهم أمريكي- أوروبي حذر بشأن غرينلاند.. ما خيارات مواجهة ترامب؟

اعتبر ماكرون أن المواجهة الصفرية أو الانغلاق لا يقدّمان حلولًا- جيتي
اعتبر ماكرون أن المواجهة الصفرية أو الانغلاق لا يقدّمان حلولًا- جيتي
شارك الخبر
على الرغم من التفاهم الأمريكي- الأوروبي الحذر حول غرينلاند واستبعاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب استخدام الخيار العسكري، إلا أن الدول الأوروبية لا زالت تواجه ضغوطا أمريكية، بعدما جرى التلويح باحتلال الجزيرة التي تتبع الدنمارك، إلى جانب فرض تعريفات جمركية جديدة.

ورغم التوصل إلى إطار عمل لـ"اتفاق مستقبلي" في مؤتمر دافوس، إلا أن الأوروبيين جميعا دعوا إلى البقاء في حالة يقظة وحذر، فليس من المعروف متى سيعود ترامب لتحريك قضية السيطرة على الجزيرة الأكبر في العالم.

وبعد تراجع ترامب عن تهديده بفرض تعريفات جمركية جديدة على عدة دول أوروبية، قال رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا، إن الاتحاد الأوروبي "سيدافع عن نفسه" ضد "أي شكل من أشكال الإكراه".

وأضاف كوستا بعد اجتماع للاتحاد الأوروبي لمناقشة العلاقات الأوروبية- الأمريكية أن "الاتحاد الأوروبي سيواصل الدفاع عن مصالحه، وسيدافع عن نفسه ودوله الأعضاء ومواطنيه وشركاته ضد أي شكل من أشكال الإكراه، وهو يملك القدرة والوسائل اللازمة للقيام بذلك، وسيفعل ذلك عندما تدعو الحاجة".

خيارات معدومة


لكن في ظل عدم ضمان ثبات موقف ترامب بعدم استخدام القوة العسكرية للسيطرة على غرينلاند خاصة في ظل مزاجيته السياسية المتقلبة، يبقى السؤال ما هي خيارات الأوروبيين لمواجهة "التغول الأمريكي"؟

الباحث في العلوم السياسية والشؤون الدولية الدكتور صلاح القادري، قال إن "أوروبا لا تمتلك خيارات كثيرة في الفترة الحالية سواء أمام روسيا أوالولايات المتحدة الأمريكية، خصوصا أن التصريحات الأمريكية هي تصريحات لا يوجد فيها تراجع أو نوع من اللين في الخطاب".

اظهار أخبار متعلقة



وأوضح القادري في تصريحات خاصة لـ"عربي21"، أن "انعدام هذه الخيارات يأتي تحديدا بعد تصريح دونالد ترامب في دافوس والذي كان واضحا جدا أنه يرى أن غرينلاند أحقية أمريكية وتدخل في الأمن القومي خصوصا في حربها مع روسيا، وهو فهم بأن الأمريكيين يرون الأوروبيين كتابعين وليسوا كحلفاء مكافئين لأمريكا".

وتابع: "لذلك أظن أن الأوروبيين سيقومون بنوع من المناورات السياسية والمقاومة السياسية الجيوستراتيجية للأهداف الأمريكية، لكنهم لا يملكون الوسائل الكبرى على الأرض من أجل ايقاف أو افشال هذا المسار الذي اتخذته أمريكا".

لا يوجد مساحة للمناورة


من جهته يرى الصحفي والباحث في الشأن الأوروبي، وسام أبو الهيجاء أن "أوروبا لا تمتلك ترف القطيعة مع الولايات المتحدة، لكنها تملك مساحة مناورة أوسع مما يوحي به الخطاب العلني، وعمليًا، تتحرك العواصم الأوروبية ضمن ثلاث حُزَم متداخلة، تُدار ببراغماتية أكثر منها بشعارات كبرى".

وأوضح أبو الهيجاء في تصريحات لـ"عربي21"، أن "الحزمة الأولى هي إدارة الخلاف لا تفجيره، إذ تعمل على تهدئة "انتقائية" في ملف الحرب التجارية عبر توسيع مشتريات دفاعية بعينها، وتقديم تنازلات تكتيكية في قضايا التكنولوجيا وسلاسل الإمداد، مقابل الإبقاء على المظلّة الأمنية والمالية الأوسع، والهدف هنا ليس الحسم، بل تقليل كلفة الاحتكاك والحفاظ على خطوط العمل مفتوحة".

وتابع: "أما الحزمة الثانية فتتعلق بـبناء أوراق قوة داخلية منها على سبيل المثال إصلاح الأنظمة البيروقراطية الأوروبية التي تقف كحجر عثرة أمام إنعاش الاقتصاد".

اظهار أخبار متعلقة


وأكمل: "أيضا تسريع إعادة التسلّح الأوروبي لتجاوز الصراعات والتهديدات مستقبلاً بشكل مستقل عن واشنطن، وتحفيز الصناعات الثقيلة التي شهدت تراجعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، وتحصين طرق الملاحة البحرية".

أما الحزمة الثالثة وفقا لأبو الهيجاء فهي "تنويع الشركاء الدوليين، وهو ما تجلى خلال زيارة المستشار الألماني إلى نيودلهي الأسبوع الماضي لتوقيع اتفاقيات تجارية وصناعية مع الهند، وفعل ذات الأمر مع دول أخرى، وهي خطوات واعدة تهدف إلى تقليل الارتهان السياسي والاقتصادي والتجاري لواشنطن بل وحتى الصين".

الاستقلال التام مُكلف وغير واقعي


ولكن على الرغم من التوصل لاتفاق ليس نهائي حول غرينلاند بين واشنطن والأوروبيين، تبقى هناك معضلة أمام دول القارة العجوز، وهي شبه التبعية العسكرية والتجارية لأمريكا.

فكثير من تسليح بعض هذه الدول يعتمد على حليفهم الأمريكي وشريكهم في حلف الناتو، الذي تعتبر أمريكا هي المساهمة الأكبر في ميزانيته، حيث تبلغ مساهمتها فيها 60 في المئة.

وعلى مستوى الأفراد لدى أمريكا في الحلف ما يقرب من 505 آلاف من عدد مقاتليه، بينما تساهم بقية دول الناتو بـ1.4 مليون جندي، وميزانية عسكرية لا تزيد عن 400 مليار دولار.

أما تجاريا فوفقا للمجلس الأوروبي فإن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي يتمتعان بأكبر علاقات تجارية واستثمارية ثنائية، وأكثر العلاقات الاقتصادية تكاملاً في العالم.

وأوضح تقرير موقع المجلس أن أمريكا والاتحاد الأوروبي يمثلان معًا ما يقارب 30 في المئة من التجارة العالمية في السلع والخدمات، و43 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي.

كما تجاوز حجم التجارة عبر الأطلسي في السلع والخدمات في عام 2024 1.68 تريليون يورو، ويُعدّ كل من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة من أهم الشركاء التجاريين في السلع بالنسبة للآخر.

اظهار أخبار متعلقة



وبلغت قيمة صادرات الاتحاد الأوروبي إلى الولايات المتحدة 532.3 مليار يورو، كما تُعدّ الولايات المتحدة الشريك التجاري الأول للاتحاد الأوروبي في صادراته، وثاني أكبر شريك تجاري له (بعد الصين) في وارداته.

وتبلغ واردات الاتحاد الأوروبي من الولايات المتحدة 482.5 مليار يورو، أما صادراته إليها فتبلغ 334.5 مليار يورو، وهذه الأرقام تدل أن الميزان التجاري يميل لحساب أمريكا.

لكن بعد الخلاف الأمريكي الأوروبي حول جزيرة غرينلاند هدد ترامب بفرض تعريفات جمركية جديدة على دول الاتحاد الأوروبي، بالمقابل وضع الرئيس الفرنسي في تصريحات له في مؤتمر دافوس - بدت وكأنها ورقة ضغط يستخدمها ضد واشنطن -، التعاون الاقتصادي مع الصين في صلب رؤيته لإعادة ضبط الاختلالات العالمية.

واعتبر ماكرون أن المواجهة الصفرية أو الانغلاق لا يقدّمان حلولًا، وأن "المخرج الوحيد هو زيادة التعاون، وبناء مقاربات جديدة"، مؤكدا أن الصين "مرحب بها اقتصاديا، لكن ضمن إطار أكثر توازنا".

وقال، إن أوروبا "تحتاج إلى المزيد من الاستثمارات الصينية المباشرة داخل القارة، في قطاعات أساسية، تساهم في النمو ونقل التكنولوجيا"، بدلا من الاكتفاء بتدفقات تصديرية كثيفة نحو السوق الأوروبية.

ووفقا لموقع يوروستات وهي مديرية أوروبية مسؤولياتها الرئيسية تزويد الاتحاد الأوروبي بالمعلومات الإحصائية على المستوى الأوروبي، فإن الصين كانت في عام 2024 ثالث أكبر شريك لصادرات الاتحاد الأوروبي من السلع 8.3 في المئة وأكبر شريك لواردات الاتحاد الأوروبي من السلع 21.3 في المئة.

وأوضح تقرير الموقع أن صادرات الاتحاد الأوروبي إلى الصين قد انخفضت بين كانون الثاني/ يناير 2023 (19.2 مليار يورو) وكانون الأول/ ديسمبر 2024 (16.8 مليار يورو).

وبلغت أدنى مستوى لها عند 16.3 مليار يورو في تشرين أول/أكتوبر 2023، وأعلى مستوى لها عند 21.0 مليار يورو في شباط/فبراير 2023.

ومع تنامي الخلافات الأمريكية يبقى السؤال هل يمكن أن يستغني الاتحاد الأوروبي تجاريا وعسكريا عن أمريكا، وهل يزيد تجارته مع الصين؟

الصحفي والباحث في الشؤون الأوروبي وسام أبو الهيجاء، أوضح أن "أوروبا تُقِر بصعوبة تحويل الحزم التي ذكرها إلى أدوات ضغط على واشنطن في هذا التوقيت، فتحويل البوصلة نحو الصين محفوف بالمخاطر".

وتابع: "أيضا الانقسام الأوروبي الداخلي حول الانفتاح على الصين كان ولايزال موضع خلاف بين بروكسيل وبرلين، وأي تصعيد تجاري متبادل مع الصين في المستقبل؛ سيكون له آثار ارتدادية مؤلمة على قطاعات أوروبية حساسة، وقد ظهر ذلك بشكل عملي خلال الأزمة الأخيرة مع الرسوم التعويضية على السيارات الكهربائية الصينية العام المنصرم".

وأضاف أبو الهيجاء أن "السؤال الأهم، هل ستنجح الاستراتيجيات الأوروبية المستحدثة في الحد من أضرار المواجهة مع إدارة ترامب؟ نعم، ولكن، هناك عوامل يعتمد عليها نجاحها في حال توفرها".

وهي وفقا لأبو الهيجاء، "استخدام الاستراتيجيات الأوروبية المستحدثة كعامل دفع نحو خلق توازن مع واشنطن لا كأدوات لاستفزازها؛ وأن تُدار أوروبيًا بلسان واحد وهو شرط غير مضمون؛ وأن تبقى العلاقة مع واشنطن مفتوحة بما يسمح بتحسين شروط التفاوض بدل استبدال الشراكة بقطب آخر".

ويرى أنه "من دون ذلك، قد يتحول "الخيار الصيني" إلى عبء تجاري واقتصادي وسياسي يضغط على وحدة الاتحاد الأوروبي".

وتابع: "أما مسألة الاستغناء عن واشنطن، فالفارق بين واقع أوروبا العسكري والدفاعي العسكري والاقتصادي كبير، إذ يمكن لأوروبا تقليص الاعتماد الدفاعي تدريجيًا، لكنها لا تستطيع استبداله في المدى القصير".

وأوضح سبب ذلك، أن "أوروبا تعاني من ضعف كبير في مجال القيادة والسيطرة والاستخبارات والإنذار المبكر والدفاع الصاروخي والنقل الاستراتيجي والذخائر، وهي أعمدة ارتكاز أميركية داخل الناتو لا يمكن لأوروبا أن تُعوَّضها في المنظور القريب".

وأما اقتصاديًا، يرى أبو الهيجاء أن "دول الاتحاد الأوروبي تستطيع أن تُوجِد اعتماداً أقل حدّة، لكن تبقى هناك أسئلة مفتوحة حول ماهية البدائل المتاحة عن نظام الشراكة القائم بين أوروبا وأمريكا، فهو  نظام متشابك في جميع تفاصيله كالنظام المالي -نظام التحويلات سويفت- ، علاوة على الارتباط التكنولوجي والاستثماري، وهو ما يجعل "الاستقلال الكامل" مكلفًا وغير واقعي".

عدم القدرة على المنافسة


من جهته قال الدكتور صلاح القادري: "حينما نتكلم عن علاقات متميزة مع الصين في الجانب الاقتصادي يجب أن ندرك أن المشكلة الآن بأن الاقتصاديات الأوروبية باستثناء الاقتصاد الألماني من الناحية الصناعية غير قادرة على المنافسة".

وأوضح، "اقصد مثلا الاقتصاد الفرنسي غير قادر على المنافسة مع الاقتصاد الصيني، لذلك التعاون مع الصين هو معناه فقط زيادة حجم الواردات من بكين أكثر، حيث لا يوجد مجال أخر، لكن هل هذا الأمر يخدم الأوروبيين؟ هو فقط تقليل الواردات الأمريكية وزيادة الصينية".

أما عسكريا فيرى القادري أن "الإشكالية الكبرى أن الجيوش الأوروبية باستثناء قلة منها تحت الأداة الأمريكية ومعظم التسليح وحتى الغاز بعد الحرب الروسية الأوكرانية أصبحت تتحكم فيه أمريكا، وهناك تبعية طاقوية أوروبية لواشنطن".

وتابع: "كذلك هناك تبعية عسكرية أوروبية لأمريكا خاصة من خلال حلف الناتو، لذلك يبقى الكلام الذي قاله ماكرون من باب المناورة السياسية وإن كان الواقع لا يسنده بشكل كبير جدا".

وختم القادري حديثه بالتأكيد على أن "الغلبة ستكون للولايات المتحدة وحتى لو لم تأخذ غرينلاند ستبقى ورقة ابتزاز اقتصادي وعسكري وسياسي، وسيدفع الأوروبيين الكثير للاحتفاظ بالجزيرة، لكن سيقدمون تنازلات كثيرة في المجالات السياسية والاقتصادية والعسكرية".
التعليقات (0)