ما قصة "الإبادة البطيئة" التي تعرضت لها غرينلاند؟

خضعت غرينلاند لسياسات استعمارية عدة منذ القرن الثامن عشر- جيتي
خضعت غرينلاند لسياسات استعمارية عدة منذ القرن الثامن عشر- جيتي
شارك الخبر
تتزايد الضغوط الأمريكية للسيطرة على غرينلاند بزعم علاقة ذلك بـ"أغراض الأمن القومي وضرورية لبناء القبة الذهبية"، في فصل استعماري جديد يُضاف لمحاولات أخرى متعددة استهدفت أكبر جزيرة في العالم.

وخضعت غرينلاند لسياسات استعمارية عدة منذ القرن الثامن عشر، فقد فرضت سلطات الاحتلال الدنماركية سياسة الاستيعاب القسري على السكان "الإنويت" (الشعوب الأصلية في المناطق القطبية الشمالية)، حيث تم إقصاء لغتهم الأم وفرض الثقافة والدين الدنماركيين.

وخلال هذه التحولات ارتُكبت انتهاكات جسيمة بحق النساء والأطفال الإنويت، كان أبرزها استخدام وسائل منع الحمل القسري والابتزاز الطبي بهدف "إبادة" هذه الشعوب والسيطرة على أراضيها.

"اللولب القسري"

في فترة الستينيات وحتى أوائل التسعينيات من القرن الماضي، كشفت الوثائق أنّ السلطات الصحية الدنماركية نفذت حملة رسمية لتركيب أدوات منع حمل رحمية "لولب" لآلاف النساء والفتيات الإنويت في غرينلاند دون علمهن أو موافقة ذويهن، بحسب مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان.

اظهار أخبار متعلقة


وتمّ تركيب هذه اللوالب حتى لإناث في عمر 12–13 سنة، ضمن حملة مبيتة هدفت إلى خفض النمو السكاني للإنويت عن طريق منع الحمل، ويشير تقرير مستقل لجامعة دنماركية وأخرى في غرينلاند إلى أن 4,070 امرأة على الأقل، بحلول عام 1970، خضعن لهذه الإجراءات القسرية، ما ساهم في انخفاض حاد في معدل المواليد وأوقع أضرارًا جسدية ونفسية بالغة، بما في ذلك آلام مزمنة وعقم لدى الضحايا.

أقرّت الدنمارك رسميًا بأن هذه الممارسات "كانت خاطئة وغير إنسانية" وعدّلت الموقف على خلفية ضغوط داخلية ودولية، وفي آب/ أغسطس 2025 قدّمت رئيسة الوزراء الدنماركية ميت فريدريكسن اعتذارًا رسميًا أمام البرلمان للضحايا قائلة: "لا يمكننا تغيير ما حصل، لكن يمكننا تحمّل المسؤولية.. آسفة"، بحسب ما نقلت وكالة "رويترز".

ونشرت حكومة الدنمارك تقريرًا مستقلًا أكد وجود "تمييز منهجي" في القطاع الصحي ضد الإنويت، واتفقت السلطات الدنماركية وفي غرينلاند في أواخر 2025 على إنشاء صندوق مصالحة خاص يسمح لنحو 4,500 امرأة من الجزيرة بتقديم طلبات تعويض مالية قدرها 300,000 كرونة دنماركية (6 آلاف دولار) لكلٍّ منهن عن الفترة بين 1960 و1991.

ومن المقرر أن تدخل القوانين اللازمة حيّز التنفيذ في حزيران/ يونيو 2026، مع فتح باب التسجيل للمتضررات اعتبارًا من نيسان/ أبريل 2026. ويصف بعض قادة غرينلاند هذه القضية بأنها إبادة جماعية بحق السكان الأصليين نظرًا لتأثيرها المدمّر على تركيبة المجتمع في الجزيرة.

تجارب على الأطفال

لم تقتصر الانتهاكات ضد السكان الأصليين في غرينلاند على محاولات التحديد القسري للنسل، إنما تضمنت التجارب على الأطفال، وفي عام 1951 أقدمت السلطات الدنماركية على عملية لانتزاع 22 طفلًا من غرينلاند، بأعمار من 4 إلى 9 سنوات، من عائلاتهم ونقلهم إلى الدنمارك كجزء من "تجربة اجتماعية" لإعادة تأهيلهم ثقافيًا دنماركيًا.

ووُعد أولياء أمورهم بأن الأطفال سيتلقون تعليمًا أفضل ويتعلمون اللغة الدنماركية، على أن يعودوا بعد ذلك ليكونوا "الطبقة النخبوية المتعلمة" لغرينلاند. ولكن الأطفال مُنعوا من الاتصال بعائلاتهم، وعُزلوا في مؤسسات أو تبنّتهم أسر دنماركية، وأُجبروا على التحدث بالدنماركية تحت إشراف الدولة.

ومثّل ذلك انتهاكًا لحقهم في الحياة الأسرية والثقافية، ولّد أضرارًا نفسية طويلة الأمد. وفي آذار/ مارس 2022 اعترفت رئيسة الوزراء الدنماركية بالمسؤولية وقدّمت اعتذارًا وجاهيًا لستة من الناجين الباقين على قيد الحياة، فيما مُنح كلٌّ منهم تعويضًا ماليًا قدره 250,000 كرونة دنماركية (37 ألف دولار) تقديرًا للمعاناة التي تعرضوا لها.

اظهار أخبار متعلقة


وما زالت ممارسات فصل الأطفال الإنويت عن ذويهم مستمرة حتى الوقت الحالي في بعض النظم الاجتماعية. فقد أوردت مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان أنه على مدى السنوات الأخيرة تمّ أخذ أطفال من غرينلاند بشكل غير نادر في الدنمارك ووضعهم في رعاية أسر بديلة دون علم الأهل أو موافقتهم.

وبحسب دراسة دنماركية لعام 2022، فإن الطفل الإنوي في الدنمارك أكثر عرضة سبع مرات لوضعه في رعاية خارج المنزل مقارنة بالأطفال الدنماركيين، مما يعكس انحيازًا ثقافيًا ضد تربية الإنويت التقليدية، وعند وضعهم في أسر دنماركية، يفقد هؤلاء الأطفال غالبًا الاتصال بلغتهم وتراثهم الثقافي، بحسب مفوضية الأمم المتحدة أيضًا.

واتبعت الدنمارك أيضًا سياسة "التدنيس اللغوي والتعليم الحصري طوال الفترة الاستعمارية وما بعدها"، وعلى سبيل المثال، بعد تعديل الدستور الدنماركي عام 1953 أصبحت غرينلاند مقاطعة دنماركية، وفُرضت اللغة الدنماركية ضمن المنظومة التعليمية والإدارية.

ونشأ نتيجة لذلك جيل من الأطفال في الخمسينيات والستينيات لم يتعلم لغته الأم "الكالاليست" بشكل كافٍ، ولم تُستعد لغة الجزيرة بالكامل إلا بعد تسعينيات القرن العشرين، إذ جعلها قانون الحكم الذاتي عام 1979 اللغة الأساسية في المدارس.

ومع ذلك، لا تزال اللغة الدنماركية تهيمن في دوائر الحكم والإدارة، مما يهمّش أصوات الناطقين بالكالاليست ويخلق فجوة ثقافية داخل المجتمع في الجزيرة.

وعمل البرنامج التعليمي الكنسي والبعثات التبشيرية على تهميش الموروث الثقافي التقليدي (مثل الشامانية) تحت حجة "حضارة بدائية"، مما ترك إرثًا من فقدان التراث الثقافي ومحاولات إلغاء الهوية التقليدية.

الخلفيات السياسية والدوافع

وجاءت الانتهاكات في سياق مشروع استعماري دنماركي يسعى إلى ضبط مصير غرينلاند وتحجيم تأثير سكانها الأصليين، فقد كانت تجربة أخذ الأطفال عام 1951 جزءًا من جهود الدنمارك لإظهار الجزيرة كجزء متكامل ضمن مملكة الدنمارك أمام الأمم المتحدة، بحسب تقرير لوكالة "رويترز".

واعترف تقرير حكومي بأن حملة تركيب "اللولب القسري" كانت تهدف بشكل صريح إلى الحد من نموّ سكان غرينلاند، وأكدت قيادات في غرينلاند أن هذه السياسات كانت محاولةً مستترة لإبادة ثقافية للشعب الإنوي، حيث وصف رئيس وزراء غرينلاند آنذاك، موتي إيجيدي، قضية اللولب بأنها إبادة جماعية للسكان الأصليين.

اظهار أخبار متعلقة


ويلعب الموقع الجيوسياسي لغرينلاند ومواردها الطبيعية، مثل النحاس والنفط، دورًا إضافيًا في حرص الدنمارك على الاحتفاظ بنفوذها والسيطرة على الجزيرة، لا سيّما مع تزايد الاهتمام الأمريكي والأوروبي بمنطقة القطب الشمالي.

التعويضات والاعتذارات

بدأت الدنمارك منذ عقود خطوات الاعتراف والتعويض لتصحيح أخطاء الماضي. ففي كانون الأول/ ديسمبر 2020 قدّمت الحكومة الدنماركية اعتذارًا خطيًا لضحايا تجربة الأطفال، وتلاه في تشرين الثاني/ نوفمبر 2021 ضغط قانوني من الناجين الستة المطالبين بتعويضات مالية.

وتكلّل ذلك في آذار/ مارس 2022 بتقديم رئيسة الوزراء اعتذارًا شخصيًا للناجين المتبقّين وصرف تعويضات لكلٍّ منهم.

أما في قضية اللولب القسري، فقد كان الاعتذار الرسمي من الدنمارك في آب/ أغسطس 2025، وأعلن الرئيسان الدنماركي ونظيره في غرينلاند إنشاء صندوق "مصالحة" لمنح تعويضات فردية للضحايا.

وذكرت رئيسة الوزراء فريدريكسن أن الصندوق سيقدّم تعويضات مالية لمن "تعرضوا للتمييز المنهجي"، بمن فيهم من تعرضوا لتركيب "اللولب القسري". وبذلك ستُتاح للنساء المتضررات فرصة تقديم طلبات للتعويض اعتبارًا من منتصف عام 2026.

وشملت جهود التعويض اعتذارات رسمية وصرف مبالغ مالية للضحايا، وتستمر التحركات الدبلوماسية والتشريعية ضمن وزارتي الصحة والعدالة الدنماركيتين لوضع آليات قانونية تضمن تنفيذ هذه التعويضات بشكل فعّال ودائم.
التعليقات (0)