الأوكتاغون.. حين تخاف السلطة من شعبها أكثر مما تخاف من أعدائها

أحمد هلال‎
"لمن تُبنى هذه المشروعات؟ هل تُبنى لحماية الوطن، أم لحماية السلطة؟"- إكس
"لمن تُبنى هذه المشروعات؟ هل تُبنى لحماية الوطن، أم لحماية السلطة؟"- إكس
شارك الخبر
ليست قيمة المباني في الخرسانة التي تُصب في أساساتها، ولا في الزجاج الذي يغطي واجهاتها، ولا في الصور الجوية التي تتنافس الفضائيات في بثها لتأكيد العظمة والضخامة. فالتاريخ يعلمنا أن المباني ليست مجرد أحجار، وإنما هي نصوص سياسية مكتوبة بالإسمنت، تعكس تصور السلطة لنفسها، وللشعب، وللمستقبل.

من هنا، لا يبدو افتتاح مقر القيادة الاستراتيجية المعروف بـ"الأوكتاغون" مجرد حدث معماري أو عسكري، بل يبدو لحظة كاشفة لفلسفة كاملة في الحكم؛ فلسفة تعيد تعريف مفهوم الأمن، وتعيد ترتيب الأولويات، وتكشف لمن تُبنى الدولة، ولمن تُسخر إمكاناتها.

ما لفت الانتباه في الخطاب المصاحب لافتتاح المشروع لم يكن الحديث عن مواجهة أخطار خارجية، ولا عن تطوير العقيدة العسكرية في مواجهة التحديات الإقليمية، بل كان استدعاء أحداث داخلية عاشتها مصر بعد عام 2011، والحديث عن حصار بعض مؤسسات الدولة، وعن ضرورة ألا يتكرر ذلك مرة أخرى.

هذه ليست ملاحظة عابرة، بل مفتاح لفهم المشروع بأكمله. فحين تبرر السلطة إنشاء مركز قيادة استراتيجي ضخم بالحديث عن منع تكرار احتجاجات أو حصار مؤسسات الدولة، فإنها تكشف -شاءت أم أبت- عن طبيعة التهديد الذي يشغلها. فالدولة التي ترى في حدودها الخطر الأكبر تبني خطابها حول الردع الخارجي، أما الدولة التي تستدعي الاحتجاجات الداخلية لتبرير إعادة تشكيل جغرافيتها السياسية، فهي تقول شيئاً آخر: إن هاجسها الأول هو استقرار النظام في الداخل.

الدولة التي ترى في حدودها الخطر الأكبر تبني خطابها حول الردع الخارجي، أما الدولة التي تستدعي الاحتجاجات الداخلية لتبرير إعادة تشكيل جغرافيتها السياسية، فهي تقول شيئاً آخر: إن هاجسها الأول هو استقرار النظام في الداخل

وهنا يبرز سؤال بالغ الأهمية: لمن تُبنى هذه المشروعات؟ هل تُبنى لحماية الوطن، أم لحماية السلطة؟ وهل هناك دائماً تطابق بين الاثنين؟

هذه الأسئلة لا تنطلق من موقف عدائي تجاه الدولة، بل من محاولة لفهم فلسفة الحكم التي تتجلى في المشروعات الكبرى والخطابات الرسمية. فالدولة ليست مجرد أجهزة ومبانٍ، وإنما هي عقد اجتماعي بين السلطة والمواطن، وعندما يختل هذا العقد، تصبح المشروعات الكبرى عاجزة عن تعويض غياب الثقة.

لقد شهدت مصر خلال السنوات الأخيرة توسعاً غير مسبوق في المشروعات العملاقة، من العاصمة الإدارية إلى شبكات الطرق والمدن الجديدة، وصولاً إلى الأوكتاغون. وفي الوقت ذاته، عاش ملايين المصريين تحت ضغوط اقتصادية قاسية، مع ارتفاع معدلات التضخم، وتراجع القدرة الشرائية، وزيادة أعباء الديون، واتساع الفجوة بين الدخول وتكاليف الحياة.

في مثل هذا السياق، لا يعود السؤال عن حجم المشروع أو تكلفته فقط، بل عن أولوياته. ما معنى أن تُشيَّد مدينة كاملة بينما تعجز أسر كثيرة عن توفير احتياجاتها الأساسية؟ وما معنى أن يُحتفى بمبانٍ عملاقة بينما يصبح الحصول على تعليم جيد أو رعاية صحية مناسبة أو فرصة عمل مستقرة تحدياً يومياً لملايين المواطنين؟

إن التنمية ليست سباقاً في عدد الأبراج ولا في اتساع الساحات، وإنما في جودة حياة الإنسان، وإذا كان الإنسان يغيب عن مركز المشروع، فإن المشروع مهما بلغت ضخامته يفقد مبرره الأخلاقي. فالأمم لا تُقاس بما تبنيه من مقار، وإنما بما تبنيه من مواطنين.

ولعل أخطر ما تكشفه هذه المشروعات ليس حجم الإنفاق، وإنما طبيعة العلاقة بين السلطة والشعب. فحين يصبح الأمن هو حماية المؤسسات من المواطنين، بدلاً من حماية المواطنين بالمؤسسات، يحدث انقلاب عميق في وظيفة الدولة نفسها. فالدولة الحديثة لا تستمد أمنها من المسافات الفاصلة بينها وبين الناس، ولا من الأسوار العالية، وإنما من الرضا العام، ومن الشرعية، ومن شعور المواطن بأن هذه المؤسسات تعمل من أجله، لا ضده.

المفارقة أن السلطة التي تخشى شعبها إلى هذا الحد، إنما تعترف دون أن تقصد بوجود أزمة ثقة عميقة. فالسلطة الواثقة من مجتمعها لا تعيد هندسة الجغرافيا السياسية خشية الاحتجاج، وإنما تعيد هندسة السياسات التي ولدت الاحتجاج أصلاً.

إن بناء العواصم الجديدة لا يمنع الثورات، كما أن نقل المؤسسات لا ينقل أسباب الغضب. فالناس لا يثورون لأن الوزارة تقع في هذا الشارع أو ذاك، وإنما لأنهم يشعرون بالظلم، أو بانسداد الأفق، أو بفقدان القدرة على التأثير في مصيرهم. التاريخ يعلمنا أن السلطة التي تستثمر في تحصين مقارها أكثر مما تستثمر في معالجة أسباب الاحتقان، تؤجل الأزمة ولا تلغيها.

ثم تأتي القضية الأكثر إيلاماً: الديون. فالمشروعات العملاقة لا تُقاس فقط بما تكلفه اليوم، بل بما ستفرضه غداً على أجيال لم تشارك في اتخاذ القرار. وكل اقتراض لا يفضي إلى زيادة مستدامة في الإنتاج، أو تحسين ملموس في قدرة الاقتصاد على توليد الثروة، يتحول مع الزمن إلى عبء على المستقبل.

قد تستطيع السلطة أن تبني أكبر مقر قيادة في الشرق الأوسط، وأن تشيد مدينة كاملة من الصفر، وأن تنقل إليها مؤسساتها، لكن يبقى سؤال واحد لا تستطيع الخرسانة أن تجيب عنه: هل يشعر المصري البسيط أن الدولة اقتربت منه، أم ابتعدت عنه؟

الأجيال القادمة لن تسأل عن ارتفاع البرج أو اتساع الساحة، بل ستسأل: ماذا ورثنا؟ اقتصاداً قادراً على النمو، أم التزامات مالية تستنزف موارد الدولة لعقود؟

إن العدالة بين الأجيال ليست شعاراً أخلاقياً فحسب، بل مسؤولية سياسية. فلا يجوز أن يُحمَّل المستقبل كلفة قرارات لم يكن طرفاً فيها، من دون أن يجني ثماراً حقيقية منها.

ويبقى السؤال الأكبر: ما الذي يصنع قوة الدولة؟ ليست القوة في الخرسانة المسلحة وحدها، ولا في المقرات المحصنة، ولا في المدن التي تُدار بأحدث التقنيات، فهذه كلها أدوات، لكنها ليست جوهر القوة؛ جوهر القوة هو الإنسان، هو المواطن الذي يشعر بأن كرامته مصونة، وأن صوته مسموع، وأن جهده ينعكس على حياته، وأن القانون يحميه كما يحمي الدولة، وأن التنمية تبدأ من تحسين حياته قبل تحسين الصورة التي تُعرض في نشرات الأخبار.

حين يشعر المواطن بأنه شريك، يصبح هو الحصن الحقيقي للدولة، أما حين يشعر بأنه غائب عن أولوياتها، فإن كل الأسوار، مهما ارتفعت، لا تستطيع أن تعوض الفجوة التي تتسع بين السلطة والمجتمع.

قد تستطيع السلطة أن تبني أكبر مقر قيادة في الشرق الأوسط، وأن تشيد مدينة كاملة من الصفر، وأن تنقل إليها مؤسساتها، لكن يبقى سؤال واحد لا تستطيع الخرسانة أن تجيب عنه: هل يشعر المصري البسيط أن الدولة اقتربت منه، أم ابتعدت عنه؟ هذا السؤال هو المعيار الحقيقي لأي مشروع وطني، وهو الامتحان الذي لا تجتازه الأبنية، بل تجتازه السياسات. فالدول لا تُخلَّد بعظمة مقارها، وإنما بعدالة نظمها، وقدرتها على تحويل الأمن من وسيلة لحماية السلطة إلى قيمة تحمي المجتمع بأسره. وفي نهاية المطاف، يبقى أقوى حصن لأي دولة ليس مقراً استراتيجياً، بل شعباً يرى في دولته امتداداً لإرادته، لا كياناً منفصلاً عنه.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)