رابعة: الساعة التي توقَّف فيها ضمير العالم

أدهم حسانين
"تبقى قضية رابعة حيَّةً في الذاكرة القانونيَّة الدوليَّة رغم عقدٍ ونيِّفٍ من الصمت الرسميِّ والإفلات من العقاب"- جيتي
"تبقى قضية رابعة حيَّةً في الذاكرة القانونيَّة الدوليَّة رغم عقدٍ ونيِّفٍ من الصمت الرسميِّ والإفلات من العقاب"- جيتي
شارك الخبر
في ذكرى أكبر مذبحةٍ للمتظاهرين في التاريخ الحديث، لا يزال السؤال معلَّقاً: من سيُحاسَب؟

في 14 من آب/أغسطس، تمرُّ ذكرى يومٍ لا يشبه أيَّ يومٍ آخر في تاريخ مصر الحديث؛ ليس لأنَّه الأكثر دمويَّةً فحسب، فمصر عرفت حروباً ومجازر قبله وبعده، بل لأنَّه اليوم الذي اختارت فيه دولةٌ أن تفتح النار على شعبها في وضح النهار، أمام كاميرات العالم، ثمَّ تمضي 13 سنة دون أن يُحاسَب فيها ضابطٌ واحد.

هذا المقال لن يكون تأريخاً بارداً للأرقام، رغم أنَّ الأرقام موجودةٌ وموثَّقةٌ ومرعبة. سيكون محاولةً لفهم شيءٍ أعمق: كيف تحوَّلت ساحةٌ في قلب القاهرة، امتلأت بالخيام والأطفال والمصلِّين، إلى أكبر ساحة إعدامٍ جماعيٍّ عرفها العالم العربيُّ في العقد الأخير، ولماذا لا يزال صدى ذلك اليوم يتردَّد في كلِّ زنزانةٍ مصريَّةٍ حتَّى الآن.

أوَّلاً: الصباح الذي بدأ كأيِّ صباح

في 14 من آب/أغسطس 2013، كان أكثر ما يقرب من 70 ألف إنسانٍ قد أمضوا أسابيع في ميداني رابعة العدويَّة والنهضة، في اعتصامٍ سلميٍّ يطالب بعودة الرئيس المنتخب محمد مرسي، الذي أطاح به الجيش قبل أسابيع في الثالث من تموز/يوليو بانقلاب عسكري. لم يكونوا جيشاً، ولم يكونوا كتلةً متجانسة؛ كانوا عائلاتٍ كاملة، رجالاً ونساء وأطفالاً، بعضهم من كوادر جماعة الإخوان المسلمين، وكثيرون منهم مواطنون عاديُّون رأوا في عودة الشرعيَّة المنتخبة قضيَّةً تستحقُّ المخاطرة.

كانت هناك خيامٌ للنوم، ومطابخ لإطعام المعتصمين، ومنصَّاتٌ للخطابة، ومستشفى ميدانيٌّ صغيرٌ لم يكن أحدٌ يتخيَّل أنَّه سيتحوَّل خلال ساعاتٍ إلى واحدٍ من أكثر الأماكن رعباً في تاريخ مصر الحديث.

في الساعات الأولى من صباح ذلك اليوم، بدأت قوَّات الأمن المركزيِّ والجيش، تحت قيادة الجنرال عبد الفتَّاح السيسي آنذاك، عمليَّة تفريقٍ للاعتصامين معاً. لم تكن عمليَّة "تفريقٍ" بالمعنى الذي يوحي به الاسم؛ كانت، وفق التحقيق المُفصَّل الذي أجرته منظَّمة هيومن رايتس ووتش على مدار عامٍ كامل، عمليَّةً مخطَّطاً لها مسبقاً بافتراض سقوط آلاف القتلى.

ثانياً: الأرقام التي يرفض النظام النطق بها

حتى يومنا الحالي الحكومة المصريَّة تتحدَّث عن "أكثر من 600 قتيل" في ذلك اليوم؛ رقمٌ يبدو، حتَّى في أسوأ تقديراته الرسميَّة، فظيعاً بما يكفي ليستحقَّ تحقيقاً دولياً مستقلاً. لكنَّ التحقيق الميدانيَّ الذي أجرته هيومن رايتس ووتش، بالاعتماد على تسجيلات المستشفيات الميدانيَّة، وشهادات الناجين، وتحليل مقاطع الفيديو المصوَّرة من عشرات الزوايا، خلص إلى رقمٍ أكثر رعباً: ما لا يقلُّ عن 817 قتيلاً في ميدان رابعة وحده، وربَّما يتجاوز الرقم الفعليُّ الألف قتيل، إضافةً إلى 87 قتيلاً آخرين في ميدان النهضة القريب.

وحين نضمُّ إلى هذا الرقم قتلى الأسابيع التي سبقت وتلت 14 آب/أغسطس؛ من فضِّ اعتصام الحرس الجمهوريِّ في 8 من تموز/يوليو، مروراً بمذبحة شارع منصور، وصولاً إلى فضِّ مسيرة السادس من أكتوبر؛ يصبح الرقم الإجماليُّ ما لا يقلُّ عن 1,150 قتيلاً في ستَّة أسابيع فقط، وفق التوثيق الدقيق لمنظَّمة هيومن رايتس ووتش. هذا الرقم دفع المنظَّمة نفسها إلى استخدام عبارةٍ لا تُستخدم اعتباطاً في القانون الدوليِّ: "جرائم ضدَّ الإنسانيَّة"، وتقدر بعض الأرقام حسب بعض الأوراق المسربة من داخل الأمن الوطني العدد بـ10,382 ضحية لهذا اليوم.

وصفت هيومن رايتس ووتش أحداث رابعة بأنَّها "واحدةٌ من أكبر عمليَّات قتل المتظاهرين في يومٍ واحدٍ في التاريخ الحديث"، ليس في تاريخ مصر وحدها في التاريخ الحديث بأسره.

ما جرى في رابعة يُذكر في التقارير الدوليَّة إلى جوار مجزرة ميدان تيانانمن في الصين عام 1989. هذا هو الحجم الحقيقيُّ لما حاول النظام المصريُّ، طوال ثلاثة عشر عاماً، تصغيره وتبريره وتحويله إلى مجرَّد "حادثٍ أمنيٍّ" في نشرة أخبار.

ثالثاً: "وفق الخطَّة" حين يصبح القتل الجماعيُّ إدارةً لا فوضى

اختارت هيومن رايتس ووتش لتقريرها المفصَّل عن تلك المذبحة عنواناُ يستحقُّ التوقُّف عنده طويلاً: "كلُّ شيءٍ وفق الخطَّة". ليس عنواناً انفعالياً؛ إنَّه استنتاجٌ قانونيٌّ دقيقٌ بُني على أدلَّةٍ ميدانيَّة.

فوفق التحقيق، لم يكن ما جرى في رابعة عمليَّة تفريقٍ خرجت عن السيطرة بفعل الفوضى أو الذعر، كما حاول النظام تصويره لاحقاً، كانت عمليَّةً مخطَّطاً لها بعناية، تفترض مسبقاً سقوط أعدادٍ ضخمةٍ من القتلى.

اعترف وزير الداخليَّة المصريُّ آنذاك، محمَّد إبراهيم، في مقابلةٍ تلفزيونيَّةٍ بُثَّت في 31 آب/أغسطس 2013 أي بعد المذبحة بأسابيع قليلة أنَّ وزارته كانت تتوقَّع خسائر تصل إلى "10 في المئة من الأشخاص" الموجودين في الاعتصام، مقراً بأنَّ عدد المعتصمين كان يتجاوز 20 ألفاً. بحسابٍ بسيط، هذا اعترافٌ رسميٌّ بأنَّ الدولة كانت تتوقَّع سلفاً سقوط ما يقارب ألفَي قتيل، ومضت في العمليَّة رغم ذلك.

هذا هو جوهر الرعب الحقيقيِّ في قصَّة رابعة: أنَّها لم تكن انفلاتاً أمنياً، بل قراراً إدارياً واعياً، اتُّخذ في غرفٍ مكيَّفة، بحسابات مسبقة، من رجالٍ يعرفون بالضبط كم سيموت من البشر تحت نيرانهم، ومضوا قُدماً رغم ذلك أو ربَّما بسبب ذلك، إذ كان الهدف، وفق تحليل هيومن رايتس ووتش، إرسال رسالةٍ لا تحتمل اللبس: من يتحدَّى الدولة الجديدة سيدفع ثمناً لا رجعة فيه.

رابعاً: القنَّاصة، والنساء، والأطفال.. الوجوه التي لا تُروى في التقارير

هناك خلف كلِّ رقمٍ في تقارير هيومن رايتس ووتش، قصَّةٌ إنسانيَّةٌ كاملة، مُهمَلةٌ عمداً في الرواية الرسميَّة للدولة. وثَّق التحقيق كيف فتحت قوَّات الأمن النار من زوايا متعدِّدة، وكيف تمركز قنَّاصةٌ على أسطح المباني المحيطة بالميدان، مستهدفين وفق شهادات الناجين ومقاطع الفيديو التي حُلِّلت؛ أيَّ حركةٍ في الميدان، بصرف النظر عن كونها لمقاتلٍ مسلَّحٍ أو لممرِّضةٍ تحاول إسعاف جريح.

كانت هناك، بحسب الشهادات الموثَّقة، عائلاتٌ بأكملها احترقت خيامها فوق رؤوسها حين أضرمت النيران في الاعتصام. كان هناك أطبَّاء ومسعفون قُتلوا وهم يحاولون سحب الجرحى من ساحة النيران. كان هناك -وهذا من أكثر ما تُثبته الوثائق قسوةً- استهدافٌ متعمَّدٌ لسيَّارات الإسعاف ونقاط الإسعاف الميدانيَّة، ما يعني عملياً أنَّ الجرحى الذين نجوا من الرصاصة الأولى كانوا يواجهون خطر الموت نزفاً لأنَّ من يحاول إنقاذهم كان هو الآخر هدفاً.

هذا التفصيل -استهداف المسعفين- هو ما يرفع الواقعة من "قمع دمويٍّ مفرط" إلى ما وصفته المنظَّمات الحقوقيَّة بجريمةٍ ممنهجة: فحين تستهدف قوَّاتٌ أمنيَّةٌ من يحاول إنقاذ الجرحى، فإنَّها لا تفرِّق اعتصاماً؛ إنَّها تمنع الشهود من النجاة ليرووا ما حدث.

خامساً: ثلاثة عشر عاماً من الإفلات التامِّ من العقاب

إن الجزء الأكثر إيلاماً في قصَّة رابعة ليس فقط ما حدث في ذلك اليوم، بل ما لم يحدث في الأيَّام التي تلته. فمنذ 14 آب/أغسطس 2013 وحتَّى اليوم، لم يُحاسَب ضابطٌ واحدٌ، من أيِّ رتبة، عن مقتل مئاتٍ أو آلافٍ من المصريِّين.

على النقيض تماماً، اتَّجهت الدولة نحو ترسيخ الإفلات من العقاب بقوَّة القانون نفسه. فقد أصدرت مصر تشريعاً يمنح كبار الضبَّاط العسكريِّين حصانةً من المساءلة عن أيِّ انتهاكاتٍ محتملة وقعت في أعقاب الإطاحة بالرئيس مرسي؛ قانونٌ صُمِّم خصِّيصاً ليُغلق الباب أمام أيِّ احتمالٍ لمحاسبةٍ قضائيَّةٍ مستقبليَّة، مهما تغيَّرت الظروف السياسيَّة.

بل إنَّ اللجنة التي شكَّلها الرئيس المؤقَّت آنذاك، عدلي منصور، لتقصِّي الحقائق حول أحداث حزيران/يونيو وتموز/يوليو، خلصت في تقريرها الصادر بعد أكثر من عامٍ من الأحداث إلى تحميل قادة الاعتصام مسؤوليَّة القتلى، بحجَّة السماح بدخول أسلحةٍ إلى الميدان، رغم أنَّ التقرير نفسه اعترف، في تناقضٍ صارخ، بأنَّ قوَّات الأمن فشلت في استهداف المسلَّحين حصراً، أي أنَّها أطلقت النار عشوائياً على الجميع؛ المسلَّح والأعزل، الرجل والمرأة، البالغ والطفل.

هذا هو النمط الذي تكرَّر طوال عقدٍ ونيِّف: كلَّما اقتربت الذكرى السنويَّة، تصدر بياناتٌ رسميَّةٌ تُعيد صياغة الرواية، وتُلقي باللوم على الضحايا، بينما يبقى الجناة الحقيقيُّون الذين خطَّطوا للعمليَّة، وأصدروا الأوامر، وسحبوا الزناد أحراراً طلقاء، بل يتصدَّر بعضهم اليوم مناصب الدولة العليا.

سادساً: لماذا هذه الذكرى، ولماذا الآن؟

قد يسأل قارئٌ: لماذا نعود إلى هذه القصَّة بعد كلِّ هذه السنوات؟ ألم يمضِ العالم قُدماً نحو أزماتٍ أحدث؟ الإجابة تكمن في طبيعة الإفلات من العقاب نفسها: فحين لا تُحاسَب دولةٌ على أكبر مذبحةٍ للمتظاهرين في تاريخها الحديث، فإنَّها لا "تنسى" الجريمة فحسب؛ إنَّها تُرسي سابقةً تقول لكلِّ حاكمٍ قادم، ولكلِّ جهاز أمنٍ مستقبليٍّ: القتل الجماعيُّ ممكنٌ، ومُربحٌ سياسياً، وبلا ثمن.

هذا الدرس المسموم لا يبقى حبيس الحدود المصريَّة؛ إنَّه يتردَّد صداه في كلِّ عاصمةٍ عربيَّةٍ تتأمَّل كيف تتعامل مع معارضيها.

والأخطر أنَّ منظومة الإفلات من العقاب هذه لم تتوقَّف عند حدود رابعة؛ إنَّها الأساس الذي بُنيت عليه منظومة القمع المصريَّة بأكملها في العقد اللاحق: عشرات الآلاف من المعتقلين السياسيِّين يقرب من 250 ألف معتقل، والمحاكمات الجماعيَّة غير العادلة التي أسفرت عن أحكامٍ بالإعدام بحقِّ عشرات المتَّهمين في قضايا مرتبطةٍ بأحداث رابعة نفسها، والقوانين التي تُجرِّم الاحتجاج السلميَّ، والصحافة المكمَّمة، والمجتمع المدنيَّ المُفرَغ من مضمونه. كلُّ هذا يبدأ خيطه من صباح 14 آب/أغسطس 2013، حين تعلَّمت الدولة أنَّ القوَّة المفرطة تنجح، وأنَّ العالم سيدين بضعة أيَّامٍ ثمَّ يمضي.

سابعاً: العدالة المؤجَّلة ليست عدالةً منسيَّة

تبقى قضية رابعة حيَّةً في الذاكرة القانونيَّة الدوليَّة رغم عقدٍ ونيِّفٍ من الصمت الرسميِّ والإفلات من العقاب، فمنظَّماتٌ حقوقيَّةٌ دوليَّةٌ، من هيومن رايتس ووتش إلى منظَّمة العفو الدوليَّة، لا تزال تُجدِّد سنوياً دعوتها لتحقيقٍ دوليٍّ مستقلٍّ، مستندةً إلى المبدأ القانونيِّ الذي لا يسقط بالتقادم في حالات الجرائم ضدَّ الإنسانيَّة: العدالة المؤجَّلة ليست عدالةً منسيَّة.

الضحايا الذين سقطوا في تلك الساحة لم يكونوا أرقاماً في تقريرٍ إحصائيٍّ؛ كانوا آباءً تركوا أطفالاً لم يفهموا يومها لماذا لن يعود أبوهم، وأمَّهاتٍ ما زلن بعد 13 سنة، يبحثن عن قبرٍ واضح المعالم يحملن إليه الزهور، وشباباً كانت أمامهم عقودٌ من العمر لم يُتَح لهم أن يعيشوها. ذاكرتهم لا تُطفأ بمرور الزمن؛ تكبر معهم أبناؤهم، ويحملون معهم السؤال ذاته الذي طرحه آباؤهم قبل أن يُقتَلوا: متى تأتي العدالة؟

خاتمة: ما الذي تطلبه هذه الذكرى منَّا؟

في كلِّ عامٍ، حين تعود ذكرى 14 آب/أغسطس، يتجدَّد السؤال الذي يرفض النظام المصريُّ الإجابة عنه: من أعطى الأمر؟ من خطَّط للعمليَّة؟ من قرَّر أنَّ أيا ما كان العدد -20 , 50 , 70 ألف إنسانٍ- يستحقُّون أن يُطلَق عليهم الرصاص الحيُّ لأنَّهم اعتصموا سلمياً؟

هذه الذكرى ليست دعوةً للانتقام، ولا استحضاراً للماضي من أجل الماضي وحده. إنَّها تذكيرٌ بأنَّ العدالة، مهما تأخَّرت، تبقى دَيناً مستحقاً، وأنَّ كلَّ صمتٍ دوليٍّ عن مذبحةٍ بهذا الحجم يفتح البابَ أمام مذبحةٍ قادمةٍ في مكانٍ آخر، بذريعةٍ مختلفة، وبنفس القناعة القاتلة: أنَّ العالم سيدين لأسبوعٍ، ثمَّ سينسى.

لن ننسى، ولن نتوقَّف عن طرح السؤال الذي يخيف كلَّ من شارك في تلك الجريمة، بصرف النظر عن المنصب الذي يشغله اليوم: أين المحاسبة؟ فرابعة ليست فقط اسم ميدانٍ في القاهرة؛ صارت، في وجدان كلِّ من يؤمن بالعدالة، اختباراً للضمير العالميِّ نفسه اختباراً لم يجتزه العالم بعد.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)