فكرةٌ من خارج الصندوق: التاج بديلاً عن العسكر

أدهم حسانين
"حين تطرح المعارضة نموذجاً ثالثاً واضح المعالم ملكيَّةٌ دستوريَّةٌ على النمط الأوروبيِّ فإنَّها تكسر هذه الثنائيَّة الزائفة"- فيسبوك
"حين تطرح المعارضة نموذجاً ثالثاً واضح المعالم ملكيَّةٌ دستوريَّةٌ على النمط الأوروبيِّ فإنَّها تكسر هذه الثنائيَّة الزائفة"- فيسبوك
شارك الخبر
كيف يمكن للمعارضة المصريَّة في المنفى أن تفكِّك شرعيَّة يوليو 1952 بسلاحٍ لم يُجرَّب بعد منذ 73 سنة، لم تتغيَّر المعادلة الأساسيَّة في مصر: جيشٌ يحكم، وسلطةٌ تنتقل من ضابطٍ إلى ضابط، وشرعيَّةٌ تُستمَدُّ من البندقيَّة لا من صندوق الاقتراع.

جُرِّبت كلُّ صيغ المعارضة الممكنة: الأحزاب الشرعيَّة والمحظورة، الحركات الإسلاميَّة والليبراليَّة واليساريَّة، الثورة الشعبيَّة في 2011، والانتخابات التي أُطيح بنتائجها في 2013. جميعها اصطدمت بالجدار نفسه: مؤسَّسةٌ عسكريَّةٌ تعيد إنتاج نفسها بأسماء مختلفة، بينما يبقى جوهر النظام كما هو.

ماذا لو كانت المشكلة، طوال هذا الوقت، ليست فقط في من يحكم، بل في الإطار الدستوريِّ الذي يجعل حكم الجيش ممكناً من الأساس؟ ماذا لو كان الحلُّ لا يكمن في استبدال رئيسٍ برئيس، بل في تفكيك المعادلة نفسها عبر إطارٍ لم تجرِّبه المعارضة المصريَّة يوماً: مَلكيَّةٌ دستوريَّةٌ صوريَّة، على غرار بلجيكا وهولندا وإسبانيا، حيث يصبح رأس الدولة رمزاً فوق الصراع السياسيِّ، بينما يُبعد الجيش نهائياً من السياسة ويعود إلى الثكنات الطبيعية له؟

هذه ليست دعوةً لإحياء عائلةٍ بعينها، ولا حنيناً إلى حقبةٍ مثاليَّة لم تكن مثاليَّة يوماً، إنَّها اقتراحٌ لأداةٍ سياسيَّةٍ واستراتيجيَّةٍ لم تُستخدَم بعد في الترسانة الفكريَّة للمعارضة المصريَّة في المنفى. أداةٌ تستحقُّ النقاش والتفكير الجادَّ، بصرف النظر عمَّا إذا كانت ستتحقَّق حرفياً أو ستبقى رافعةً لتوسيع سقف الممكن سياسياً.

أوَّلاً: لماذا يوليو 1952 هو الجذر، لا 2013 ولا 2011؟
المكانة لم تكن نتاج الملكيَّة بالضرورة، بقدر ما كانت نتاج مساحةٍ نسبيَّةٍ من التعدُّديَّة السياسيَّة والصحفيَّة سمحت للمجتمع المدنيِّ المصريِّ بالازدهار، رغم كلِّ عيوب النظام السياسيِّ وتدخُّلات القصر والاحتلال

الخطأ الاستراتيجيُّ الذي وقعت فيه معظم حركات المعارضة المصريَّة، منذ الإخوان المسلمين إلى حركة 6 أبريل إلى أحزاب المعارضة المدنيَّة، هو التعامل مع كلِّ أزمةٍ سياسيَّةٍ كأنَّها حالةٌ منفصلة: مبارك فسادٌ يجب إسقاطه، السيسي انقلابٌ يجب إدانته، المجلس العسكريُّ فترةٌ انتقاليَّةٌ يجب تجاوزها. هذا التعامل الجزئيُّ يعالج الأعراض ويترك سبب المرض الأصليَّ سليماً.

المرض الأصليُّ هو بنية الشرعيَّة نفسها التي أسَّسها انقلاب 23 يوليو 1952. فالنظام الجمهوريُّ المصريُّ، منذ عبد الناصر وحتَّى اليوم، لم يبنِ شرعيَّته يوماً على العقد الاجتماعيِّ الديمقراطيِّ الحقيقيِّ؛ بناها على ثلاثيَّةٍ ثابتة: خطاب "الثورة ضدَّ الإقطاع والاستعمار"، والزعامة الكاريزميَّة الفرديَّة، والحماية العسكريَّة للنظام بوصفها "ضامنة الاستقرار".

هذه الثلاثيَّة تكرَّرت من عبد الناصر إلى السادات إلى مبارك إلى السيسي، بتنويعاتٍ شكليَّةٍ فقط. كلُّ رئيسٍ جديدٍ لم يكن كسراً للنظام، بل استمراراً لجوهره.

حين تقول المعارضة "لنعُد إلى الإطار الدستوريِّ الذي سبق الانقلاب"، فإنَّها لا تنتقد سياسةً بعينها؛ إنَّها تُعلن أنَّ الأساس القانونيَّ لكلِّ ما جاء بعد 1952 غير شرعيٍّ من الأصل.

وهنا تكمن قوَّة فكرة "العودة إلى ما قبل يوليو 52" كأداةٍ خطابيَّة: إنَّها لا تطالب باستبدال حاكمٍ بحاكم، بل تسحب الشرعيَّة التاريخيَّة نفسها من النظام الجمهوريِّ العسكريِّ بأكمله بما في ذلك النظام الحاليُّ الذي يستمدُّ شرعيَّته المُعلَنة من "إرث يوليو" نفسه.

ثانياً: لماذا "مَلكيَّةٌ صوريَّة" لا "عودة عائلةٍ حاكمة"؟

يكمن هنا التمييز الأهمُّ الذي يجب أن يفهمه أيُّ مُروِّجٍ جادٍّ لهذه الفكرة: المشروع لا يقوم على استعادة شخصٍ بعينه من عائلة محمد علي، ولا على الحنين إلى فاروق أو أسلافه. القوَّة الحقيقيَّة للفكرة تكمن في الشكل الدستوريِّ، لا في الشخص الجالس على العرش.

ثلاث ديمقراطيَّاتٍ أوروبيَّةٍ ناجحةٍ تقدِّم النموذج المطلوب بوضوح:

بلجيكا: حيث الملك فيليب رمزٌ دستوريٌّ محضٌ لا يملك سلطةً تنفيذيَّةً فعليَّة، بينما تُدار الدولة عبر برلمانٍ منتخبٍ وحكومةٍ ائتلافيَّةٍ معقَّدة تعكس التنوُّع اللغويَّ والسياسيَّ للبلاد.

هولندا: حيث الملك فيليم-ألكسندر يفتتح العام البرلمانيَّ ويوقِّع القوانين شكلياً، لكنَّ القرار الفعليَّ بيد رئيس الوزراء والبرلمان المنتخب.

إسبانيا: التي ناقشناها سابقاً، حيث الملك يمثِّل استمراريَّةً رمزيَّةً للدولة فوق الأحزاب، بينما يخضع الجيش والأمن لسلطةٍ مدنيَّةٍ كاملة.

القاسم المشترك بين هذه النماذج الثلاثة ليس "وجود عائلةٍ ملكيَّةٍ عريقة"؛ إنَّه مبدأ فصل الرمز عن السلطة. الملك في هذه الدول لا يحكم؛ يُمثِّل، لا يُصدر قراراتٍ سياسيَّة؛ يمنح الاستمراريَّة والاستقرار الرمزيَّ الذي يسمح للتنافس السياسيِّ الحزبيِّ بالدوران تحته دون أن يتحوَّل كلُّ انتقال سلطةٍ إلى أزمة شرعيَّةٍ وجوديَّة.

وهذا بالضبط ما يفتقده النظام الجمهوريُّ العسكريُّ في مصر: آليَّةً محايدةً لضمان استمراريَّة الدولة لا تعتمد على شخص الحاكم أو مؤسَّسته الأمنيَّة.

حين يغيب الرئيس الجمهوريُّ العسكريُّ في مصر، فإنَّ من يملأ الفراغ هو الجيش دائماً، لأنَّه المؤسَّسة الوحيدة التي بُنيت لتكون "ضامنة الاستقرار". أمَّا في النموذج الملكيِّ الصوريِّ، فإنَّ الملك (لا الجيش) هو من يمثِّل هذا الضمان الرمزيَّ، ممَّا يفتح الباب فعلياً أمام إمكانيَّة إخراج المؤسَّسة العسكريَّة من المعادلة السياسيَّة كلياً.

ثالثاً: مكانة مصر التي يجب استحضارها بأمانة، لا بحنينٍ أعمى

من الأهمية في معرض استحضار "مكانة مصر أثناء الملكيَّة"، تجنُّب فخِّ الحنين الأسطوريِّ الذي يقع فيه كثيرٌ من المدافعين عن الفكرة. فمصر في تلك الحقبة لم تكن جنَّةً مفقودة، وأيُّ مقالٍ صادقٍ يجب أن يقول هذا بوضوح.

فمثلاً، الجنيه المصريُّ الذي يُستحضَر كثيراً كرمزٍ لـ"قوَّة العملة الوطنيَّة" في تلك الحقبة، لم يكن قوياً بفضل سياسةٍ نقديَّةٍ مصريَّةٍ مستقلَّة؛ كان مربوطاً بالجنيه الإسترلينيِّ كجزءٍ من التبعيَّة الاستعماريَّة الكاملة لبريطانيا حتَّى عام 1947، دون أن تملك مصر أدنى رقابةٍ مستقلَّةٍ على عملتها.

قوَّة الجنيه، إذن، لم تكن إنجازاً سيادياً مصرياً، بل انعكاساً لقوَّة الإمبراطوريَّة البريطانيَّة التي كانت تحكم مصر فعلياً من خلف الستار الملكيِّ. لكنَّ هذا لا يعني أنَّ مصر لم تكن تملك مكانةً حقيقيَّةً تستحقُّ الدراسة، فالقاهرة، في الثلاثينيَّات والأربعينيَّات، كانت العاصمة الثقافيَّة غير المُنازَعة للعالم العربيِّ بأسره:

مصر السينما التي أنتجت أكثر من نصف الإنتاج السينمائيِّ العربيِّ، ومسرح يوسف وهبي ونجيب الريحاني، وأمُّ كلثوم وعبد الوهَّاب، والجامعة المصريَّة (أوَّل جامعةٍ حديثةٍ في العالم العربيِّ)، والصحافة المصريَّة التي كانت مرجعيَّة الرأي العامِّ العربيِّ من المحيط إلى الخليج.

كانت القاهرة، ببساطة، للعالم العربيِّ ما كانت باريس لأوروبا الفرنكوفونيَّة: مركز الجذب الثقافيِّ والفكريِّ الذي لا مُنازَع له.

هذه المكانة لم تكن نتاج الملكيَّة بالضرورة، بقدر ما كانت نتاج مساحةٍ نسبيَّةٍ من التعدُّديَّة السياسيَّة والصحفيَّة سمحت للمجتمع المدنيِّ المصريِّ بالازدهار، رغم كلِّ عيوب النظام السياسيِّ وتدخُّلات القصر والاحتلال.

الدرس المستفاد هنا ليس "أعيدوا الملك لتعود المكانة"، بل: حين يُتاح هامشٌ من الحرِّيَّة المدنيَّة، ولو منقوصاً، تزدهر مصر ثقافياً وفكرياً بطبيعتها. وهذا بالضبط ما غاب تماماً في العقود السبعة الأخيرة من الحكم العسكريِّ الأحاديِّ.

رابعاً: ملامح الإصلاح- لا تكرار الأخطاء القديمة

إن أي دعوةٍ جادَّةٍ لهذا النموذج يجب أن تتضمَّن، ولو باختصار، تصوُّراً واضحاً لكيفيَّة تجنُّب عيوب النظام الملكيِّ القديم نفسه، وإلَّا تحوَّلت الدعوة إلى استبدال استبدادٍ باستبدادٍ آخر بغطاءٍ مختلف.

أوَّلاً: إخضاع الجيش لوزارة دفاعٍ مدنيَّةٍ كاملة، تخضع ميزانيَّتها للمساءلة البرلمانيَّة الشفَّافة، على النقيض التامِّ من وضعه الحاليِّ كدولةٍ اقتصاديَّةٍ داخل الدولة، ومن وضعه في العهد الملكيِّ حيث كان أداة نفوذٍ بريطانيَّة.

ثانياً: قضاءٌ مستقلٌّ استقلالاً كاملاً عن كلٍّ من القصر والحكومة معاً، بخلاف النموذج القديم الذي شهد تدخُّلاتٍ ملكيَّةً مباشرةً في الحياة السياسيَّة كإقالة الملك فؤاد الأوَّل لحكومة النحاس باشا المنتخبة عام 1928، في واحدةٍ من أوضح "الانقلابات الدستوريَّة" في تاريخ مصر الحديث.

ثالثاً: برلمانٌ يمثِّل الشعب فعلياً لا الإقطاعيِّين وكبار الملَّاك كما كانت الحال قبل 1952، حين كانت العضويَّة في مجلس الشيوخ مشروطةً عملياً بالقدرة على دفع ضريبة الأطيان، أي أنَّ التمثيل السياسيَّ كان حكراً على الأثرياء بحكم القانون.

رابعاً: سيادةٌ اقتصاديَّةٌ حقيقيَّة، بعملةٍ وطنيَّةٍ مستقلَّةٍ فعلاً؛ لا مربوطةٍ بعملة قوَّةٍ أجنبيَّة، بخلاف تبعيَّة الجنيه المصريِّ التاريخيَّة للإسترلينيِّ.

هذه الملامح الأربعة تكفي لتوضيح أنَّ المشروع المطروح ليس "عودةً للماضي" حرفياً، بل استعارةٌ للشكل الدستوريِّ (الملكيَّة الرمزيَّة) مع رفضٍ صريحٍ للمضمون القديم (التبعيَّة الاستعماريَّة، تدخُّل القصر، الإقطاع البرلمانيُّ).

خامساً: دور الحركات المصريَّة في المنفى- بين الهدف والأداة

هنا يأتي السؤال العمليُّ الأهمُّ: كيف تتبنَّى المعارضة المصريَّة في الخارج هذه الفكرة، وبأيِّ صفة؟ الإجابة الصادقة هي أنَّ قوَّة هذا الطرح لا تكمن بالضرورة في تحقُّقه الحرفيِّ، بل في وظيفته الاستراتيجيَّة المزدوجة.

حين تطرح المعارضة نموذجاً ثالثاً واضح المعالم ملكيَّةٌ دستوريَّةٌ على النمط الأوروبيِّ فإنَّها تكسر هذه الثنائيَّة الزائفة، وتفتح مساحةً فكريَّةً جديدةً في الخطاب العامِّ المصريِّ، حتَّى لو لم يتحقَّق المشروع بحذافيره

فمن جهةٍ، يمكن طرحه كهدفٍ سياسيٍّ فعليٍّ تتبنَّاه تحالفاتٌ عريضةٌ من الحركات المصريَّة، تحالفاتٌ قد تضمُّ إسلاميِّين وليبراليِّين ويساريِّين وملكيِّين تقليديِّين، يتَّفقون على قاسمٍ مشتركٍ واحد لا أكثر: رفض شرعيَّة يوليو 1952 وكلِّ ما ترتَّب عليها، حتَّى لو اختلفوا لاحقاً حول تفاصيل الشكل النهائيِّ للدولة.

ومن جهةٍ أخرى، وهذا الأهمُّ عملياً، يمكن توظيف الفكرة كأداة ضغطٍ خطابيَّة لتوسيع سقف النقاش السياسيِّ المصريِّ المحاصر حالياً بين خيارين زائفين لا ثالث لهما: "بقاء الحكم العسكريِّ" أو "لا بديل، فالفوضى قادمة".

حين تطرح المعارضة نموذجاً ثالثاً واضح المعالم ملكيَّةٌ دستوريَّةٌ على النمط الأوروبيِّ فإنَّها تكسر هذه الثنائيَّة الزائفة، وتفتح مساحةً فكريَّةً جديدةً في الخطاب العامِّ المصريِّ، حتَّى لو لم يتحقَّق المشروع بحذافيره.

هذا النوع من "الأفكار الرافعة" شائعٌ في تاريخ الحركات السياسيَّة العالميَّة: لا يُطرح بالضرورة ليتحقَّق فوراً بنسبة مئة في المئة، بل ليعيد رسم حدود الممكن سياسياً، ويجبر النظام القائم على الدفاع عن شرعيَّته بدل افتراضها المسبق.

خاتمة: دعوةٌ للنقاش لا وصفةٌ جاهزة

هذه السطور لا تزعم أنَّ عودة الشكل الملكيِّ ستحلُّ سحرياً أزمة الشرعيَّة المصريَّة المزمنة، ولا يتجاهل الصعوبات الهائلة التي تواجه أيَّ مشروعٍ تحوُّليٍّ في ظلِّ مؤسَّسةٍ عسكريَّةٍ متجذِّرةٍ اقتصادياً وأمنياً كما هي الحال في مصر اليوم، لكنَّه يطرح سؤالاً يستحقُّ أن يُناقَش جدِّياً في أوساط المعارضة المصريَّة في المنفى، بدل أن يُستبعَد تلقائياً لمجرَّد أنَّه "غير مألوف": هل استنفدت المعارضة المصريَّة كلَّ الأدوات المتاحة لتفكيك شرعيَّة يوليو 1952، أم أنَّها ظلَّت حبيسة الثنائيَّة القديمة نفسها؟

الفكرة مطروحةٌ الآن، لا كحلٍّ نهائيٍّ جاهز، بل كدعوةٍ لتفكيرٍ من خارج الصندوق طال انتظاره.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)

خبر عاجل