رهائنُ
بلا فدية: كيف تُسجن العائلات في القاهرة نيابةً عن كلماتٍ تُكتب في أوروبا
في
تموز/يوليو 2025، وقف شاب
مصري هولندي اسمه أنس حبيب أمام بوَّابة السفارة
المصريَّة في لاهاي، ووضع قفلاً عليها، صوَّر ما فعله بهاتفه، ونشره على السوشيال
ميديا. لم يكن الفعل عنيفاً؛ كان رمزياً بامتياز: قفلٌ على بوَّابة سفارةٍ احتجاجاً
على تواطؤ بلاده في حصار غزة.
خلال
ساعات، انتشر الفيديو بين المصريِّين في المهجر، ثمَّ حدث ما لم يكن أحدٌ
يتوقَّعه: لم تنتقم الدولة من أنس حبيب، انتقمت ممَّن لا يعرفون عنه شيئاً.
فحين
استلهم شابٌّ آخر الفكرة أمام قنصليَّةٍ مصريَّةٍ في مدينةٍ أخرى ودولة أخرى،
اندفع رجال الأمن من داخل المبنى لكنَّهم لم يمسكوا به هو، أمسكوا بصديقَيه اللذين
كانا يصوِّران فقط، ووُجِّهت إليهما تهمة الاعتداء رغم أنَّهما لم يشاركا في الفعل
أصلاً.
ثمَّ
جاء التسريب الذي كشف كلَّ شيء، تسجيلٌ صوتيٌّ منسوبٌ لوزير الخارجيَّة المصريِّ
بدر عبد العاطي وهو يوجِّه سفير مصر في هولندا: "لو حدٌّ حطَّ بويا على بوَّابتنا، امسكوه
واربطوه وسلِّموه للبوليس. قولوا إنَّه تحرَّش بالسفارة. لو حدٌّ حاول يحطَّ قفل
أو أيَّ حاجة، اسحبوه جوَّه وذلُّوه".
اقرأ
الجملة الأخيرة مرَّةً ثانية: "اسحبوه جوَّه" أي إلى داخل مبنى السفارة،
حيث تسري الحصانة الدبلوماسيَّة، وحيث لا سلطان للشرطة الهولنديَّة ولا للقانون
الأوروبيِّ.
"مصر" الدولة التي تتلقَّى مساعداتٍ عسكريَّةً أمريكيَّةً سنويَّة، وتوقِّع شراكةً استراتيجيَّةً مع الاتحاد الأوروبيِّ بمليارات اليوروهات، وتُقدَّم في المحافل الدوليَّة بوصفها "ركيزة الاستقرار الإقليميِّ"؛ تحتلُّ المرتبة الرابعة عالمياً في مطاردة معارضيها خارج حدودها، إلى جوار الصين وروسيا
هذه
ليست زلَّة لسان لموظَّفٍ غاضب، إنَّها تعليماتٌ تشغيليَّةٌ من وزير خارجيَّة
دولةٍ لسفيرها المعتمد في عاصمةٍ أوروبيَّة، بتحويل مقرِّ البعثة الدبلوماسيَّة
إلى غرفة تعذيبٍ مُصغَّرة.
هذا
المقال عن هذه الجملة، عن العالم الذي جعل نطقها ممكناً، والعواصم التي سمعتها ولم
تفعل شيئاً.
أوَّلاً:
مصر ضمن أكبر خمس دولٍ في العالم
لنبدأ
من وضع مصر في الترتيب العالميِّ، لأنَّه يضع الأمر في نصابه بلا مجاملة. وفق
قاعدة البيانات التي بنتها منظَّمة فريدوم هاوس على مدار عشر سنوات، وُثِّق 1,219
حادث قمعٍ عابر للحدود، ارتكبتها 48 حكومة في 103 دول.
وتعد
الحكومات الأكثر ممارسةً لهذا النوع من القمع، وفق التصنيف الصريح للمنظَّمة هي:
الصين، وطاجيكستان، ومصر، وروسيا. وهذه الدول مجتمعةً مسؤولةٌ عن 80 في المئة من
الحالات المسجَّلة.
توقَّف
عند هذا الترتيب لحظةً؛ "مصر" الدولة التي تتلقَّى مساعداتٍ عسكريَّةً
أمريكيَّةً سنويَّة، وتوقِّع شراكةً استراتيجيَّةً مع الاتحاد الأوروبيِّ بمليارات
اليوروهات، وتُقدَّم في المحافل الدوليَّة بوصفها "ركيزة الاستقرار
الإقليميِّ"؛ تحتلُّ المرتبة الرابعة عالمياً في مطاردة معارضيها خارج
حدودها، إلى جوار الصين وروسيا.
وليست
هذه أرقاماً مجرَّدة، إنَّها 1,219 عائلةً في مكانٍ ما من العالم اكتشفت أنَّ
الهجرة لم تكن نجاةً، بل مجرَّد تغييرٍ في شكل السجن.
ثانياً:
"العقاب بالوكالة".. الاسم العلميُّ لأخذ الرهائن
للظاهرة
اسمٌ أكاديميٌّ دقيق: العقاب بالوكالة. عرَّفته الباحثة دانا موس بأنَّه
"مضايقة الأقارب في بلد المنشأ، أو حبسهم، أو إيذاؤهم جسدياً، كوسيلةٍ لجمع
المعلومات والانتقام من
المعارضين في الخارج".
لكنَّ
التعريف الأكاديميَّ البارد يخفي حقيقةً أبسط وأقبح: هذا أخذ رهائن. لا يوجد وصفٌ
آخر دقيق، فحين تعتقل دولةٌ أخاً أو أباً أو ابن عمٍّ لا علاقة له بالسياسة، لأنَّ
قريبه كتب مقالاً في لاهاي أو لندن، فإنَّها لا تمارس "إنفاذ قانون"؛
إنَّها تحتجز إنساناً كضمانةٍ لسلوك إنسانٍ آخر. وهذا، في كلِّ القوانين
الجنائيَّة على وجه الأرض، جريمةٌ اسمها الاختطاف والابتزاز. والحالات المصريَّة
موثَّقةٌ بالأسماء والتواريخ، لا بالإشاعات.
منى
الشاذلي، الناشطة المصرية في لندن التي تعمل من أجل كشف عورات الحكم العسكري،
اعتُقل شقيقيها في مصر وبالأمس القريب اعتُقلت اثنتين من شقيقاتها. لم يُتَّهموا
بشيءٍ فعلوه؛ اتُّهموا بأنَّهم أخوة منى الشاذلي.
علا
القرضاوي وزوجها حسام خلف سُجنا بلا محاكمةٍ منذ حزيران/يونيو 2017، دون سببٍ
ظاهرٍ سوى أنَّها ابنة الشيخ يوسف القرضاوي الذي كان يقيم في قطر. سنواتٌ من الحبس
الاحتياطيِّ عقوبةً على صلة نسبٍ لا على فعل.
عمرو
أبو خليل، طبيبٌ نفسيٌّ لا نشاط سياسيَّ له، اعتُقل في تشرين الأول/أكتوبر 2019
بعد أن صعَّد شقيقه هيثم، مذيع قناة معارضة في تركيا، انتقاده للسيسي. في أيلول/سبتمبر
2020، مات عمرو في السجن بعد أحد عشر شهراً من الحبس دون محاكمة. طبيبٌ قتلته صلة
الدم بمذيع، وافتح القوس لكثير من الحالات التي لا حصر لها.
وثَّقت
هيومان رايتس ووتش عشرات حالات مداهمة منازل عائلات المعارضين في المهجر منذ 2016،
مثل المحاور الشاب سيف الإسلام عيد، المقيم في خارج مصر، داهمت قوَّات الأمن منزل
أسرته واعتقلت والده كرد على عمله الإعلامي في الخارج.
ثالثاً:
كيف يعمل النظام فعلياً؟ تشريح آلة
من
التجربة المباشرة، لا من قراءة التقارير، يمكن وصف كيف تعمل هذه المنظومة على
أربعة مستوياتٍ متكاملة.
المستوى
الأوَّل: "الرصد" يُوثَّق نشاطك بدقَّة، يحضر موظَّفون من السفارة
فعالياتِ الجالية، ويصوِّرون الحاضرين، ويكتبون تقارير بالأسماء والصور.
وصف
أحد الناشطين في ألمانيا الأمر بوضوح: "كلُّ فعالياتنا مراقبة. الحاضرون
يُصوَّرون، ثمَّ يكتب عملاء مصريُّون تقارير عمَّا نوقش، ويرسلونها مع أسماء وصور
الجميع. وهذا غالباً ما يؤدِّي إلى استهداف عائلاتهم".
المستوى
الثاني: "العرض" يُقدَّم لك خيارٌ مُغلَّف بالأدب الدبلوماسيِّ: اصمت،
أو تعاون معنا. وهناك حالات كثر هي النموذج المكتمل عرضٌ من السفارة، ثمَّ عقابٌ
فوريٌّ للرفض بصور متعددة.
المستوى
الثالث: "التنفيذ على الأهل". حين يُرفض العرض، لا تأتي العقوبة إليك،
تذهب إلى من تحبُّ. مداهمةٌ فجراً، أو استدعاءٌ "روتينيٌّ" لأبيك، أو
اعتقالٌ لأخيك في قضيَّةٍ ملفَّقة برقمٍ وتاريخ. الرسالة لا تُنطَق أبداً؛ تصل عبر
توقيت الحدث وحده. تكتب مقالاً يوم الثلاثاء، ويُستدعى أبوك يوم الخميس. لا أحد
يربط بينهما رسمياً لكنَّك تعرف، وهم يعرفون أنَّك تعرف، وهذا كافٍ.
المستوى
الرابع: اليد الجسديَّة في الخارج. وهذا أحدث تطوُّرات المنظومة وأخطرها، وما حدث
مع أنس حبيب ليس عنا ببعيد، وكذلك ما حدث من تعد بالضرب مع الصحفية المصرية بسمة
مصطفى من قبل المدعو أحمد عبد القادر ميدو الملاحق قضائيا في أكثر من دولة.
رابعاً:
الفاتورة.. كم يدفع الغرب ثمناً لانتهاك سيادته؟
هنا
يجب أن يتوقَّف الحديث عن "تواطؤٍ" مجرَّد، ويبدأ الحديث عن أرقامٍ لها
تواريخ وتوقيعات.
ففي
آذار/مارس 2024، أعلن الاتحاد الأوروبيُّ حزمة مساعداتٍ واستثماراتٍ لمصر بقيمة 7.4
مليار يورو، وُقِّعت في القاهرة بحضور رئيسة المفوَّضيَّة الأوروبيَّة أورسولا فون
دير لاين، ورؤساء حكومات بلجيكا وإيطاليا والنمسا وقبرص واليونان. 5 مليارات
مساعداتٍ ماليَّةٍ كليَّة، و1.8 مليار استثمارات، و600 مليون منحاً مباشرة؛ منها
200 مليون مخصَّصةٌ صراحةً لـ"إدارة الهجرة"ن أي: ادفعوا للقاهرة كي
تمنع القوارب عن سواحلنا.
وذهب
الاتِّحاد في تشرين الثاني/نوفمبر 2024، أبعد من ذلك عبر ما يُسمَّى "مرفق
السلام الأوروبيِّ"، حيث منح المجلسُ الأوروبيُّ 20 مليون يورو مباشرةً
للقوَّات المسلَّحة المصريَّة، المؤسَّسة ذاتها الجاثمة على قمَّة المنظومة
الموصوفة في هذا المقال بهدفٍ معلَنٍ هو "تعزيز قدرات القوَّات المسلَّحة
المصريَّة"، وبعبارةٍ تبلغ من السخرية السوداء مبلغها: "تعزيز حماية
المدنيِّين".
أمَّا
الولايات المتَّحدة، فتمنح مصر 1.3 مليار دولار مساعداتٍ عسكريَّةً سنويَّة، لتكون
من أكبر متلقِّي التمويل العسكريِّ الأمريكيِّ في العالم. هذه المساعدات
"مشروطةٌ نظرياً" بمعايير حقوق الإنسان. وفي أيلول/سبتمبر 2024، تنازلت
إدارة بايدن عن هذه الشروط بالكامل، وأفرجت عن الحزمة كاملةً.
دافعو
الضرائب في أوروبا وأمريكا يموِّلون، كلَّ عامٍ وبتوقيعاتٍ رسميَّة، نظاماً وثَّقت
أجهزتُهم هم أنَّه يعتدي على الناس فوق أراضيهم هم.
تأمَّلوا
دائريَّة هذا الترتيب حتَّى تكتمل الصورة: أموالٌ أوروبيَّةٌ تتدفَّق إلى القاهرة
لإبعاد المهاجرين عن أوروبا، ودبلوماسيُّون مصريُّون في العواصم الأوروبيَّة
يُموَّل حضورهم ونشاطهم في إطار هذه الشراكة يتلقَّون تعليماتٍ بسحب مقيمين
أوروبيِّين إلى داخل مباني
السفارات و"إذلالهم". وحكوماتٌ أوروبيَّةٌ
تُصدر بيان قلقٍ مقتضباً، ثمَّ تصرف الشريحة التالية في موعدها. والنظام يراقب،
ويستنتج بدقَّةٍ رياضيَّةٍ لا تخطئ: أنَّ كلفة الاعتداء على إنسانٍ في لاهاي تساوي
صفراً.
ولنُسمِّ
الأشياء بأسمائها بلا مواربة: هذه ليست "مساعداتٍ إنسانيَّة" ذهبت في
غير محلِّها بحسن نيَّة، هذا استثمارٌ واعٍ في حارسٍ يُدفَع له أجره ليقوم
بمهمَّةٍ قذرةٍ نيابةً عن دافعها.
أوروبا
لا تجهل ما تشتريه؛ أوروبا تعرف تماماً، ولذلك تدفع. وكلُّ يوروٍ من هذه المليارات
يحمل بصمتين: بصمة حاكمٍ يعتقل أباً في المنصورة لأنَّ ابنه كتب في عواصم مختلفة
من العالم، وبصمة وزيرٍ أوروبيٍّ وقَّع على الشيك وهو يعلم.
وليس
نقص المعلومات هو المشكلة، فكلُّ واقعةٍ في هذا المقال منشورةٌ في تقارير فريدوم
هاوس، وهيومن رايتس ووتش، ومركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، وبيانٍ مشتركٍ
لعشرين منظَّمةٍ حقوقيَّة. هذه الملفَّات موجودةٌ على مكاتب كلِّ وزارةٍ معنيَّةٍ
في بروكسل وبرلين ولاهاي وواشنطن. الغائب ليس المعرفة، الغائب هو الإرادة، والفارق
بين الاثنين هو الفارق بين الجهل والتواطؤ.
خامساً:
حين تتحوَّل السفارة إلى مخفر شرطة
كان
الافتراض السائد بين المعارضين في المهجر أنَّ خطَّ الحماية الأخير هو الجسد: قد
يلاحقونك رقمياً، وقد يعاقبوا أهلك، لكنَّهم لا يستطيعون لمسك أنت في شارعٍ
أوروبيٍّ؛ هذا الافتراض سقط.
فوفق
مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، تجاوزت المنظومة المصريَّة "المضايقات
الرقميَّة والقانونيَّة إلى الاعتداءات الجسديَّة على أراضٍ أجنبيَّة"، عبر
آليَّتين متوازيتين: استغلال الحصانة الدبلوماسيَّة للإفلات من المحاسبة، وتشجيع
مجموعاتٍ موالية للنظام في الخارج على تهديد المعارضين والاعتداء عليهم بتنسيقٍ
ودعمٍ لوجستيٍّ وتحريضٍ من مسؤولين.
هذه
ليست فرضيَّاتٍ نظريَّة لدعم نظريتنا، فقد وثَّقت عشرون منظَّمةً حقوقيَّة، في
بيانٍ مشترك، اعتداءاتٍ فعليَّةً في الولايات المتَّحدة، وهولندا، والمملكة
المتَّحدة، جرى فيها الاعتداء على متظاهرين سلميِّين واحتجازهم بشكلٍ غير
قانونيٍّ، بينما حُرِّضت مجموعاتٌ موالية على مضايقة الناشطين المصريِّين في الأماكن
العامَّة.
وحين
نعود إلى تعليمات الوزير المسرَّبة "اسحبوه جوَّه وذلُّوه"، يصبح
المشهد مكتملاً: الحصانة الدبلوماسيَّة، التي وُضعت في اتفاقيَّة فيينا لعام 1961
لحماية البعثات من تعسُّف الدول المضيفة، تُستخدم اليوم كدرعٍ لممارسة التعسُّف
داخل الدول المضيفة. القانون الذي صُمِّم للحماية صار أداةً للإفلات من العقاب.
سادساً:
ما الذي يجعل هذا ممكناً؟ صمت الديمقراطيَّات
يجب
أن نوجِّه السؤال إلى الطرف الآخر من المعادلة، الطرف الذي يفضِّل أن يُنظر إليه
كمتفرِّجٍ بريء: الحكومات الأوروبيَّة والأمريكيَّة.
فحين
يقع اعتداءٌ جسديٌّ على متظاهرٍ سلميٍّ في لاهاي أو لندن، فإنَّ ما جرى ليس شأناً
مصرياً داخلياً؛ إنَّه اختراقٌ لسيادة الدولة المضيفة على أراضيها.
وحين
تُصدر وزارة خارجيَّة أجنبيَّة تعليماتٍ لسفيرها بسحب مواطنٍ هولنديٍّ إلى داخل
مبنى السفارة "لإذلاله"، فإنَّ هذا انتهاكٌ صريحٌ لاتفاقيَّة فيينا
يستوجب بحسب المادَّة التاسعة منها إعلان الدبلوماسيِّين المسؤولين أشخاصاً غير
مرغوب فيهم وطردهم. فهل حدث ذلك؟ في الأغلب الأعمِّ: لا.
وسبب
الصمت معروفٌ ومكتوبٌ في وثائق رسميَّة: المصالح، ولخَّصها الناشط المصريُّ
الأمريكيُّ محمَّد سلطان بجملةٍ لا تحتاج شرحاً، وهو يشير إلى صفقة أسلحة
أمريكيَّة لمصر بقيمة 2.5 مليار دولار: "الإحساس بالإفلات من العقاب سيجعلهم
يزدادون جرأة، لأنَّهم دائماً يختبرون حدود ما يمكنهم الإفلات منه".
هذه
هي المعادلة بعريها الكامل: دولةٌ تختبر حدود ما يُسمح لها به، وديمقراطيَّاتٌ
تُبقي الحدَّ مفتوحاً لأنَّ إغلاقه مكلفٌ سياسياً. وبين الاثنين، يقف صحفيٌّ في
برلين يفكِّر مرَّتين قبل النشر، وأمٌّ في المنصورة تفتح الباب فجراً وهي لا تعرف
لماذا.
سابعاً:
الأثر الذي لا يُقاس بالأرقام
لا
تكتمل صورة هذه المنظومة بإحصاء الاعتقالات وحدها، لأنَّ نجاحها الحقيقيَّ يُقاس
بشيءٍ لا يظهر في أيِّ تقرير: الصمت الذي تنتجه.
تصف
فريدوم هاوس هذا الأثر بدقَّة: "حتَّى من لم يُستهدَفوا مباشرةً قد يقرِّرون
البقاء صامتين بسبب التهديد الموجَّه لمجتمعهم". هذا هو المكسب الأكبر للنظام.
فمقابل كلِّ معارضٍ يُلاحَق فعلياً، هناك عشراتٌ يقرِّرون بهدوءٍ، دون أن يخبروا
أحداً ألَّا يكتبوا، ألَّا يحضروا فعاليَّة، ألَّا يوقِّعوا بياناً. ليس جُبناً،
بل حساباً عائلياً بسيطاً: هل تستحقُّ تغريدةٌ أن يُداهَم بيت أمِّي؟
وهنا
تكمن العبقريَّة الشيطانيَّة للنظام: لقد نجح في تحويل الحبِّ العائليِّ نفسه إلى
أداة قمع. فأنت لا تصمت خوفاً على نفسك وهذا كان سيكون أسهل في احتماله نفسياً، بل
خوفاً على من تحبُّ. والصمت المدفوع بالحبِّ أشدُّ إحكاماً من أيِّ صمتٍ يفرضه
الخوف الشخصيُّ، لأنَّه يحمل معه شعوراً دائماً بالذنب مهما اخترت.
وأكتب
هذا من موقع من يعرف الآليَّة من الداخل، فحين واصلتُ الكتابة من هولندا، طالتني
المنظومة عبر القارَّات: إغلاقٌ متكرِّرٌ للحسابات بحملات إبلاغٍ منسَّقة،
وتهديداتٌ موثَّقة، وملاحقةٌ لأسرتي داخل مصر كورقة ضغط، واسمي مُدرَجٌ في
القضيَّة رقم 1282 لسنة 2024 لا لفعلٍ ارتكبته، بل لرأيٍ كتبته من أرضٍ أوروبيَّةٍ
حرَّة. لم أكتب هذه السطور لأشكو؛ كتبتها لأنَّ من عاش الآليَّة يستطيع وصفها
بدقَّةٍ يعجز عنها التقرير.
ثامناً:
ماذا يجب أن يحدث.. لا وعود بل إجراءات
الجملة ستبقى وثيقةً تاريخيَّة؛ ليست لأنَّها كشفت وحشيَّةً لم نكن نعرفها كنَّا نعرف، بل لأنَّها كشفت مدى الثقة، الثقة بأنَّ أوروبا ستستنكر ثمَّ توقِّع الصفقة التالية، الثقة بأنَّ عائلةً في القاهرة يمكن أن تُداهَم فجراً دون أن يهتزَّ حجرٌ في بروكسل، الثقة بأنَّ لا أحد سيفعل شيئاً
لقد
استهلكت الإدانات اللفظيَّة، المطلوب إجراءاتٌ محدَّدةٌ قابلةٌ للقياس:
أوَّلاً،
تفعيل المادَّة 9 من اتفاقيَّة فيينا فوراً في كلِّ حالةٍ موثَّقةٍ لاستخدام مبنى
دبلوماسيٍّ في الاعتداء على مقيمين. طرد الدبلوماسيِّ المسؤول ليس تصعيداً؛ إنَّه
الحدُّ الأدنى من إنفاذ القانون الدوليِّ القائم بالفعل.
ثانياً،
تشريعٌ أوروبيٌّ يُجرِّم القمع العابر للحدود بوصفه جريمةً قائمةً بذاتها، لا
كواقعةٍ متفرِّقةٍ تُصنَّف "اعتداءً بسيطاً" في محضر شرطة. الفعل نفسه
اعتداءٌ بتحريضٍ من دولةٍ أجنبيَّة يختلف نوعياً عن شجارٍ في الشارع، ويجب أن يحمل
تكييفاً قانونياً مختلفاً وعقوبةً مختلفة.
ثالثاً،
ربط المساعدات وصفقات السلاح بمعيارٍ واحدٍ محدَّد: التوقُّف عن استهداف عائلات
المقيمين على أراضي الدولة المانحة، دون شعاراتٍ عن حقوق الإنسان عموماً، بل شرطٌ
واحدٌ قابلٌ للقياس والتحقُّق. وحين يكون في يد الاتِّحاد الأوروبيِّ وحده 7.4
مليار يورو، وفي يد واشنطن 1.3 مليار دولارٍ سنوياً، فإنَّ أوراق الضغط موجودةٌ
وفائضةٌ عن الحاجة، الغائب وحده هو الاستعداد لاستخدامها.
رابعاً،
قاعدة بياناتٍ رسميَّةٌ موحَّدةٌ ترصد حالات ملاحقة أقارب المعارضين، تكون مرجعاً
للمحاكم الأوروبيَّة عند النظر في طلبات اللجوء والحماية، ولمقرِّري الأمم
المتَّحدة الخاصِّين.
خاتمة:
البوَّابة التي أُغلقت، والباب الذي فُتح
نعود
إلى حيث بدأنا: شابٌّ وضع قفلاً على بوَّابة سفارة في لاهاي؛ كان يظنُّ أنَّه يغلق
بوَّابة، في الحقيقة، فتح باباً كشف للعالم قبح نظام فاشي، وكيف تفكِّر دولةٌ حين
يتحدَّاها مواطنٌ لم تعد تملك عليه سلطةً قانونيَّة. الجواب جاء مسجَّلاً بصوت
وزير خارجيَّتها: اسحبوه إلى الداخل وذلُّوه.
هذه
الجملة ستبقى وثيقةً تاريخيَّة؛ ليست لأنَّها كشفت وحشيَّةً لم نكن نعرفها كنَّا
نعرف، بل لأنَّها كشفت مدى الثقة، الثقة بأنَّ أوروبا ستستنكر ثمَّ توقِّع الصفقة
التالية، الثقة بأنَّ عائلةً في القاهرة يمكن أن تُداهَم فجراً دون أن يهتزَّ حجرٌ
في بروكسل، الثقة بأنَّ لا أحد سيفعل شيئاً.
وطالما
بقيت هذه الثقة في محلِّها، فإنَّ عبارة "لا مكان آمن" ستظلُّ الوصف
الأدقَّ لحياة كلِّ مصريٍّ اختار أن يكتب ما يراه، أينما ذهب، ومهما ابتعد.
والرهان
الحقيقي على قوة وإيمان هؤلاء الناشطين السياسيين بقضية حرية الأوطان، والمضي قدما
في نضالهم حتى تحرير الوطن من ثلة من المجرمين رغم الثمن المدفوع، لأن الصمت لن
يوقف آلة القمع ولن يحرر الوطن.. المقاومة هي أسلوب حياة لتحرير العباد والأوطان.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.