هناك سؤال
واحد يكفي لفك شفرة كل ما أصاب
مصر من تراجع منذ منتصف القرن العشرين وحتى اليوم،
هل كان
23 يوليو 1952 ثورة، أم حركة، أم انقلابا؟ سؤال لم يهدأ الجدل حوله يوما،
وربما لن يهدأ، لأن الإجابة عنه ليست تفصيلة تاريخية عابرة، بل هي الحكم الفاصل
على سبعة عقود كاملة من تاريخ هذا الوطن.
فحين يصل
بلد إلى ما وصلت إليه مصر من هوان، لا بد أن نعود إلى اللحظة التي انكسر فيها
الخط، واللحظة كانت هناك، في صيف ذلك العام، حين انقلب حراس الوعد على الوعد نفسه.
كل الثورات الكبرى في التاريخ تقاس بمدى وفائها لشعاراتها الأولى، وحين تقاس حركة
الجيش في مصر عام 1952 بهذا المعيار وحده، تسقط الأقنعة، ويظهر الفارق الشاسع بين
ما وُعد به المصريون، وما حصلوا عليه فعليا.
وعد يتحول
إلى مأساة، والرجل الذي وقف على رأس "مجلس قيادة الثورة" باسم الشعب،
محمد نجيب، كان أول من دفع ثمن اكتشافه أن الجيش لم يكن ينوي العودة إلى ثكناته
كما وعد. في مذكراته، يروي نجيب كيف شعر بأن بابا خطيرا قد فتح أمام الضباط
للاستيلاء على مقاليد الحياة المدنية، وكيف حاول، بلا جدوى، إغلاق هذا الباب قبل
فوات الأوان.
الثمن الحقيقي لما بعد 1952، فكان غياب أبسط مقومات الدولة القانونية، واعتقالات على الشبهة، وتقارير أعضاء "التنظيم الطليعي"، ومحاكمات صورية، وشبكة مخبرين حولت نصف المجتمع رقيبا على النصف الآخر، ومعتقلات شهدت من صنوف التعذيب الجماعي
ولم يكن
جزاؤه على هذا الاعتراف سوى الإقامة الجبرية خمسة عشر عاما كاملة، بعد مظاهرات
مدبرة رفعت شعار "لا أحزاب ولا برلمان"، لتخلي الساحة لرجل واحد. هكذا
بدأت القصة، ثورة أُعلنت باسم القضاء على الفساد والمحسوبية، وانتهت باستئثار فرد
واحد بالسلطة المطلقة، وتصفية كل من يخالفه، بمن فيهم رفاقه في السلاح.
اعتقل
فؤاد سراج الدين، رئيس حزب الوفد، ست مرات، وحوكم أمام "محكمة الثورة"
في أيلول/سبتمبر 1952 بأطول محاكمة عرفتها مصر آنذاك، امتدت خمسا وأربعين جلسة،
وصدر بحقه حكم بالسجن خمسة عشر عاما، أفرج عنه بعد عامين فقط، وصودرت ممتلكاته،
وألغيت الألقاب التي كان يحملها.
حتى بعد
رحيل عبد الناصر لم يسلم الباشا من الاستهداف، فقد هاجمه السادات علنا في لقاء
متلفز، وشبهه بملك أوروبي ولد وفي فمه ملعقة من ذهب، تلميحا لثرائه. ومع ذلك ظل
ذلك الكرسي الضخم الذي صمم خصيصا ليناسب حجمه رمزا يرافقه في كل مؤتمر ولقاء
جماهيري، شاهدا على شعبية لم تستطع كل مطارق القمع أن تكسرها. رجل لم ينكسر، لا في عهد عبد الناصر، ولا في عهد من جاء بعده، لكن قصته
تلخص منهجا كاملا، كل صوت مستقل كان لا بد أن يسحق.
حروب بلا
حساب، فالقرارات الكبرى التي غيرت مصير مصر لعقود جاءت فردية، بلا مؤسسات تراجعها،
ولا برلمان يحاسبها: الزج بالبلاد في مواجهة 1956 ضد قوى أكبر منها بكثير، انتهت
باحتلال سيناء وتدمير بورسعيد، ولم تنقذها إلا قرارات دولية، لا انتصار عسكري. والاندفاع
نحو وحدة مع سوريا عام 1958، انهارت خلال سنوات قليلة. والتورط في حرب اليمن التي امتدت خمس سنوات، وكلفت عشرات الآلاف من
الشهداء والجرحى، ومليارات الجنيهات، دون
مكسب استراتيجي واضح. وأخيرا كارثة 1967، التي وصفها كثيرون بأنها خطيئة عمر
ارتكبت بقرار فردي، ودفعت مصر ثمنها أرضا، وجيشا، وكرامة، لسنوات طويلة.
كثيرا ما
يقال إن مجانية التعليم كانت هدية هذا العهد للمصريين. لكن الوثائق تقول غير ذلك،
التعليم الابتدائي المجاني أُقر عام 1944، والثانوي عام 1951، أي قبل الحركة
بسنوات، في ظل الحياة النيابية التي أطيح بها لاحقا، حين قال وزير المعارف آنذاك
إن "التعليم حق كالماء والهواء".
أربع
جامعات كانت قائمة بالفعل، خرّجت علماء حقيقيين، وبفضل تلك الحكومة وظروفها استطاع
أبناء البسطاء، أبناء "البوسطجية" أنفسهم، أن يلتحقوا بالكلية الحربية
ويتميزوا فيها، قبل أن يتحول الحكم لاحقا إلى منطق الحديد والنار.
أما الثمن
الحقيقي لما بعد 1952، فكان غياب أبسط مقومات الدولة القانونية، واعتقالات على
الشبهة، وتقارير أعضاء "التنظيم الطليعي"، ومحاكمات صورية، وشبكة مخبرين
حولت نصف المجتمع رقيبا على النصف الآخر، ومعتقلات شهدت من صنوف التعذيب الجماعي
ما جعل كثيرين يقارنونها بأحلك تجارب القرن العشرين.
إذا كانت مصر تبحث اليوم عن إجابة لسؤال "لماذا وصلنا إلى هنا؟"، فليست الإجابة في يوليو وحده، لكنها تبدأ منه بلا شك
قد يختلف
المؤرخون إلى ما شاء الله حول التسمية الدقيقة، هل كانت ثورة شعبية، أم حركة
عسكرية، أم انقلابا بكل المعايير، لكن حين تقاس اللحظة بنتائجها، لا بشعاراتها،
بمصير من صنعها أولا، وبثمن قراراتها لاحقا، يصعب تسمية ما جرى بغير اسمه، سلطة
فردية استولت على البلاد باسم الشعب، ثم حكمته بمنطق لا يقل قسوة عما ادعت أنها
أتت لإسقاطه.
فما جرى
في 23 يوليو 1952، بهذا القياس، لم يكن سوى
انقلاب عسكري كامل الأركان، أجهض حلما
ديمقراطيا وليدا، وعزل البلاد عن محيطها، وأثقل كاهل جيشها واقتصادها بأثمان لا
تزال تدفع حتى اليوم.
في
المقابل، يرى مؤيدو تلك الحقبة أنها حققت إنجازات مثل الإصلاح الزراعي، وتأميم
قناة السويس، وبناء السد العالي، ونهضة صناعية لم تكن قائمة من قبل، وهي حجج
يطرحها التيار الناصري حتى اليوم كجزء من الميزان التاريخي لهذه الفترة.
ولا يقاس
أي حكم بما قاله عن نفسه، بل بما تركه خلفه. وما تركته تلك اللحظة ليس مجرد صفحة
في كتاب التاريخ، بل نمطا كاملا لا يزال يتكرر، وعد براق يتحول إلى قبضة، وحلم
بالتحرر ينتهي بقيد جديد. فإذا كانت مصر تبحث اليوم عن إجابة لسؤال "لماذا
وصلنا إلى هنا؟"، فليست الإجابة في يوليو وحده، لكنها تبدأ منه بلا شك.
والذاكرة، مهما حاولوا طمسها، تبقى الشاهد الأخير الذي لا يُرشى ولا يسكت.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.