مؤسسة
واحدة تدير، منذ عام 2024، واحدة من أكبر عمليات استيراد القمح على مستوى العالمن أي
أن رغيف الخبز الذي يصل لأكثر من مئة مليون
مصري يمر فعليا عبر قراراتها، وفي
الوقت نفسه تملك حق منح نفسها الأرض مجانا، ووضع قواعد السوق التي تنافس فيها
بنفسها، وإصدار الجزاءات على من يخالف تلك القواعد. وهذا ليس تصورا كابوسيا
لمستقبل بعيد، بل وصف دقيق لواقع قائم بالفعل في مصر اليوم، منذ أن مرر البرلمان
ثم صدق الرئيس عبد الفتاح السيسي -بينما كان الرأي العام منشغلا بقضايا أخرى- على
قانون يمنح "جهاز
مستقبل مصر" سلطات لم تحظ بها أي جهة حكومية أخرى في
تاريخ الدولة المصرية الحديثة.
في اللحظة
التي يتطلع فيها الشارع المصري إلى استقرار اقتصادي قائم على قواعد "اللعب
النظيف" والشفافية المطلقة، يطرح قانون إعادة تنظيم "جهاز مستقبل
مصر" تساؤلات وجودية حول شكل الدولة التي نريدها، ولا نختلف على أهمية
التنمية أو قدسية الأمن الغذائي، لكننا نختلف جذريا على "الآلية" التي
تضعف مفاصل الدولة لصالح كيانات تدار بعيدا عن أعين الرقابة الشعبية والبرلمانية.
وتخيل جهازا حكوميا يمنح نفسه أرضا بالمجان، يضع بنفسه قواعد السوق التي ينافس
فيها، يعاقب من يخالف تلك القواعد، ولا يسأل عن فلسه من أي برلمان، ولا يطعن بعقوده
أمام أي قاض.
في اللحظة التي يتطلع فيها الشارع المصري إلى استقرار اقتصادي قائم على قواعد "اللعب النظيف" والشفافية المطلقة، يطرح قانون إعادة تنظيم "جهاز مستقبل مصر" تساؤلات وجودية حول شكل الدولة التي نريدها
وهذا لم
يعد سيناريو افتراضيا، بعد أن أقره مجلس النواب في 14 تموز/يوليو الماضي، وصدق
عليه الرئيس عبد الفتاح السيسي رسميا في 26 تموز/ يوليو 2026، ليصبح القانون رقم
147 لسنة 2026، وقد نشر في الجريدة الرسمية، ودخل حيز التنفيذ اعتبارا من اليوم
التالي لنشره. أي أننا لم نعد أمام مشروع قانون مثير للجدل، بل أمام واقع تشريعي
نافذ بالفعل منذ أكثر من ثلاثة أسابيع، وجهاز فوق القانون، لا جهاز يحكمه القانون،
فمنذ نشأته بقرار جمهوري عام 2022، ظل "جهاز مستقبل مصر للتنمية
المستدامة" يعمل بلا إطار تشريعي معلن لسنوات، رغم أن نشاطه الفعلي بدأ منذ
2017، والآن، بدل أن يُخضع القانون الجديد هذا الكيان لقواعد المحاسبة والشفافية
التي تخضع لها كل مؤسسات الدولة، منحه استثناءات غير مسبوقة تجعله أقرب إلى
"دولة داخل الدولة"، وهو التوصيف الذي استخدمه أكثر من نائب معارض داخل
قبة البرلمان نفسه، لا خارجها.
النائبة
إيرين سعيد وصفت المشروع بأنه "يؤسس لدولة موازية ويعزز مركزية اتخاذ
القرار"، والنائب محمد عبد العليم داود وصفه بأنه "خطير جدا"،
بينما اعترض حزب العدل على منطق إنشاء صندوق سيادي جديد بالكامل، متسائلا: لماذا
نكرر مؤسسة "صندوق مصر السيادي القائم أصلا" بدل أن نقويها؟ صحيح أن
نواب المعارضة نجحوا في إدخال تعديلات جوهرية -من بينها إلغاء بند كان يلزم
الخزانة العامة بسداد الفاتورة الضريبية للجهاز، بما فيها ضريبة القيمة المضافة-
لكن هذه التعديلات، كما وصفها نفس النواب، "عززت بعض جوانب الرقابة ولم تعالج
جوهر المشكلة"، والمرحلة الانتقالية هي الاختبار الحقيقي الذي بدأ، ومن هنا
بالضبط تكمن الخطورة الآنية، فالقانون ألزم الجهاز بـ"توفيق أوضاعه"
خلال سنة كاملة.
وأخطر
القرارات غالبا ما تُتخذ بالضبط في مثل هذه الفترات الانتقالية، حين تكون القواعد
التنفيذية لم تختبر بعد والهياكل الرقابية لم تفعّل بشكل كامل، بينما الصلاحيات
الاستثنائية نفسها نافذة بالفعل من اليوم الأول، بمعنى أن الفجوة بين "النص
التشريعي" و"الممارسة الفعلية على الأرض" ستُختبر خلال الأشهر
الاثني عشر القادمة، ومصير أصول ضخمة بالأرقام الرسمية -نحو 2.2 مليون فدان من
الأراضي المستصلحة، واستثمارات قاربت 800 مليار جنيه في مشروع الدلتا الجديدة وحده-
سيُحسم خلالها، دون أن يكون للبرلمان أو للمجتمع المدني أي دور رقابي محدد على هذه
المرحلة بالذات. فكيف يكون خصما وحكما في آن واحد؟ فمن أخطر ما يحمله القانون هو
الجمع بين سلطتين لا يجوز جمعهما، سلطة وضع القواعد، وسلطة العمل بموجبها كلاعب
اقتصادي.
الجهاز
يملك صلاحية إقرار لوائح الجزاءات المالية لمن يرخص لهم بالعمل، ووضع قواعد
التصدير والاستيراد لمناطق التنمية المستدامة بأكملها، دون التقيد بأي قانون آخر.
وهذا التضارب ليس افتراضا نظريا، فمن يضع القواعد وينافس بموجبها في آن واحد يفعل
ذلك على أصول سبق ذكر حجمها الفعلي أعلاه -ملايين الأفدنة ومئات المليارات من
الجنيهات- أي أن هامش الخطأ أو سوء الاستخدام هنا لا يقاس بالجنيه، بل بمصير
مشروعات قومية بأكملها. كما يمنح القانون رئيس الجمهورية سلطة تخصيص أو تأجير
أموال الدولة للجهاز، بالمجان أو بأقل من القيمة الحقيقية، لأغراض وُصفت بعبارات
فضفاضة مثل "قومية" أو "استراتيجية". وينفذ القرار فور صدوره
دون أي موافقة برلمانية مسبقة، فمن يحاسب جهاز "مستقبل مصر" إذا حدث خطأ؟
حيث تحظر المادة 97 من الدستور تحصين أي قرار إداري من رقابة القضاء.
ومع ذلك،
فإن الإطار القانوني المحيط بعقود هذه
الصناديق يتكئ على فلسفة قانون تنظيم
إجراءات الطعن على عقود الدولة رقم 32 لسنة 2014، الذي يقصر حق الطعن على طرفي
التعاقد فقط؛ صحيح أن المحكمة الدستورية العليا أيدت دستورية هذا الإطار في كانون
الثاني/ يناير 2023، وهذا حكم نهائي وملزم يجب الاعتراف به بأمانة، لكن هذا لا
يسقط جوهر القلق. وتوسيع نطاق أصول تدار بهذا المنطق يعني، من الناحية الواقعية،
إغلاق باب الرقابة الشعبية اللاحقة على قرارات اقتصادية بمليارات الجنيهات. لسنا
ضد التنمية ولا ضد طموح الدولة في الأمن الغذائي أو استصلاح الصحراء، لكننا ضد أن
تدار هذه الطموحات بمنطق الاستثناء الدائم من كل قاعدة رقابية.
حين يتفق نواب من أحزاب مختلفة، رغم تباين توجهاتهم، على مخاوف متطابقة تقريبا، فإن ذلك مؤشر لا يجوز تجاهله، خصوصا أن الأصول المطروحة على الطاولة، كما أوضحنا، ليست تفصيلا محاسبيا بسيطا، بل ملايين الأفدنة ومئات المليارات من الجنيهات التي يفترض أنها ملك لكل مصري
وبما أن
القانون بات نافذا والمرحلة الانتقالية جارية بالفعل، فإن المطالب لم تعد نظرية بل
عاجلة، وهي إخضاع الجهاز وصندوقيه لذات قواعد الإفصاح والمحاسبة التي تخضع لها أي
هيئة عامة أخرى، بدءا من فترة التوفيق الحالية نفسها، والفصل الكامل بين سلطة
الجهاز التنظيمية وسلطته
الاستثمارية، واشتراط موافقة برلمانية مسبقة على أي نقل
لأصول أو أراض مملوكة للدولة إلى الجهاز، وإلزام توريد نسبة من الفوائض للخزانة
العامة أسوة بكل الجهات الأخرى، وعدم تحميل الخزانة العامة أي التزامات أو مخاطر ناتجة
عن الأنشطة الاستثمارية للجهاز.
وحين يتفق
نواب من أحزاب مختلفة، رغم تباين توجهاتهم، على مخاوف متطابقة تقريبا، فإن ذلك
مؤشر لا يجوز تجاهله، خصوصا أن الأصول المطروحة على الطاولة، كما أوضحنا، ليست
تفصيلا محاسبيا بسيطا، بل ملايين الأفدنة ومئات المليارات من الجنيهات التي يفترض
أنها ملك لكل مصري، والمال العام ملك للشعب، والأصول التي تدار اليوم أمانة في يد
جيل واحد لصالح أجيال قادمة، والدولة التي تبني مؤسساتها على الاستثناء الدائم من
الرقابة، مهما بلغت نياتها الطيبة، تضع نفسها على طريق لا رجعة منه لتفكك مبدأ المؤسسات
الذي قامت عليه.
الجهاز
الذي يمر رغيف خبزنا عبر قراراته، هو نفسه الذي يوفق أوضاعه الآن، بعيدا عن
أعيننا، في مرحلة انتقالية لا سقف زمنيا واضحا لرقابتنا عليها، والرقابة الحقيقية
لا تنتهي عند بوابة مجلس النواب أو الجريدة الرسمية، هي تبدأ من هنا بالضبط من كل
مواطن يرفض أن يتحول وطنه إلى كيان مغلق، لا يعرف أحد من يملكه فعليا، ولا إلى أين
تذهب ثرواته. ومصر ليست ملف استثمار سريا، مصر أمانة في رقبة كل من يحكمها، ويكتب
عنها، ويسأل عنها، وسنظل نسأل. فلنعِ جميعا، يوم نفيق من غفلتنا الجماعية، ونسأل
عن آخر فدان أُهدي بلا مقابل، وآخر جنيه اقترضته الخزانة بضماننا لصالح كيان لا
نراه ولا يرانا، قد نكتشف أننا لم نعد نملك من "مستقبل مصر" سوى اسمه.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.