عم
"سيد" بواب العمارة، سألني وهو يكنس السلم "يا أستاذ، سمعت إن
القناة هتتباع؟"
قلت له:
"لأ يا عم سيد، مش هتتباع.. هتترهن".
ضحك وقال:
"زي عربيتي بالظبط.. مرهونة للبنك، بس لسه باسمي، وباخد فيها الناس للمشوار
وأدفع القسط من الأجرة".
قلت في
نفسي: يا رب يكون فاهم في الاقتصاد أكتر مننا كلنا.
القناة
حفرها
المصريون بالسخرة والعرق منذ قرن ونصف، واليوم نناقش: هل تُدفع ثمنا لدين،
أم تُرهن كضمان؟ الفرق بينهما.. مثل الفرق بين أن تقطع يدك، أو تقيد بالسلاسل..
كلاهما لا تصفق به!
يقولون:
"لن نبيع شبرا واحدا من مصر." وطبعا
هذا صحيح تماما.. لأن البيع كلمة قديمة الطراز ومكشوفة، والنسخة المطورة اسمها
"استثمار استراتيجي طويل الأجل".. نفس القبلة، بس بروچة مختلفة.
وسط زحمة الأرقام والدراسات والمصطلحات المعقدة، تظل جملة البواب البسيط هي المعادلة الاقتصادية الوحيدة التي لا تحتاج إلى خبير: الأمانات لا تقايض بسعر الصرف.. الأمانات تصان، حتى تسلم لأصحابها
المواطن
البسيط يسمع كلمة "
قناة السويس" فيشعر بالفخر، ويسمع كلمة
"
ديون" فيشعر بالصداع. وحين توضع الكلمتان في جملة واحدة.. يشعر بشيء
اسمه: "مفيش فايدة، سيبك من الأخبار." وهذه أخطر مراحل الأوطان: مرحلة اللامبالاة الزاحفة.
في
التسعينيات، بعنا الشركات بحجة "الخصخصة" التي التهمت مئات المصانع دون
تصفير الديون، واليوم نناقش رهن الأصول بحجة "الظروف الاستثنائية". والظروف الاستثنائية عندنا
تحولت إلى مرتبة ثابتة ومعاش دائم مستمر منذ نصف قرن، بينما المستثمر الأجنبي هو
الوحيد الذي يتغير ليدير أصولا تدر بطبيعتها تدفقات دولارية سائلة.
أطرف ما
في الأمر، أن كل من يقترح الفكرة يؤكد أنها "مجرد دراسة لتسييل الأصول وتوريق
الإيرادات المستمرة لعام 2026"، و"لا قرار نهائيا اتخذ".
وكأن
الدراسة جنين بريء، والقرار وحده هو المذنب! بينما القاصي والداني يعرف: في كواليسنا، الدراسة هي
"البروفة" السرية، والقرار هو "العرض الافتتاحي".. والجمهور
دائما آخر من يعلم، ومطالب بدفع تذكرة المشاهدة من أقوات يومه.
لو باعت
دولة قناتها، فقدت ممرا مائيا.. لكن لو باعت شعبا ثقته بمن يحكمه، فقدت الممر
الوحيد الذي لا يحفر مرتين.
والحديث
عن غياب البدائل التمويلية هو عذر واه؛ فبدلا من الرهن والمقايضات المعقدة التي
تهدد الأمن القومي، تملك الدولة مسارات أكثر استدامة: كإصدار سندات خضراء دولية
مضمونة بمشاريع الطاقة النظيفة حول الممر، أو التوسع في الشراكة الحقيقية القائمة
على حقوق الانتفاع للموانئ الجديدة والمناطق الصناعية بالظهير الاقتصادي للقناة
دون المساس بملكية المجرى الملاحي نفسه، أو حتى مراجعة هيكل الإنفاق العام غير
المنتج لتوفير العملة الصعبة.
عم سيد،
وهو ينهي كنس السلم، نظر إلى الشارع وقال عفويا: "يا أستاذ، إحنا ورثنا القناة من جدودنا.. مش هدية عشان
نوزعها، دي أمانة عشان نسلمها."
وسط زحمة
الأرقام والدراسات والمصطلحات المعقدة، تظل جملة البواب البسيط هي المعادلة
الاقتصادية الوحيدة التي لا تحتاج إلى خبير: الأمانات لا تقايض بسعر الصرف.. الأمانات تصان، حتى تسلم لأصحابها.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.