دروسٌ
من قاعة محكمةٍ في لاهاي لملفٍّ لم يُفتَح بعد في القاهرة
اقتحمت
الشرطة الصربيَّة في 21 تموز/يوليو 2008، حافلةً في ضاحيةٍ من ضواحي بلغراد،
واعتقلت رجلاً عجوزاً بلحيةٍ بيضاء طويلة ونظَّاراتٍ سميكة، كان يمارس مهنة
"المعالج الروحانيِّ" تحت اسمٍ مستعار. الرجل كان "رادوفان
كارادزيتش"، الرئيس السابق لجمهوريَّة صرب
البوسنة، المتَّهم منذ 1995
بالإشراف على إبادة أكثر من ثمانية آلاف رجلٍ وصبيٍّ مسلمٍ في سربرنيتشا. كان قد
اختفى 13 سنة، متخفِّياً في وضح النهار، يمشي في شوارع بلغراد دون أن يتعرَّف عليه
أحد.
بعد
8 أعوامٍ من الاعتقال، وبعد محاكمةٍ استمرَّت 498 يوماً واستمعت لشهادات 586 شاهداً،
أدانته محكمة يوغوسلافيا الخاصَّة في لاهاي بالإبادة الجماعيَّة وجرائم ضدَّ
الإنسانيَّة وجرائم حرب، وحكمت عليه بالسجن 40 عاماً شُدِّد لاحقاً إلى المؤبَّد
عند الاستئناف عام 2019. قال القاضي حينها إنَّ الحكم الأوَّل لم يعكس
"جسامة" جرائمه، وأنَّه يتحمَّل "مسؤوليَّة أكبر وأخطر مجموعة
جرائم نُسبت لفردٍ واحدٍ في تاريخ المحكمة".
وهنا
يأتي السؤال: "هل يواجه عبد الفتَّاح
السيسي مصيراً مشابهاً يوماً ما؟".
ليس سؤالاً بلاغياً، إنَّه سؤالٌ يستحقُّ فحصاً قانونياً صارماً، لا شعاراتٍ غاضبة.
فلنبدأ بما يفرِّق بين الحالتين، قبل أن نصل إلى ما يجمعهما.
أوَّلاً:
فرقٌ قانونيٌّ يجب أن يُقال بصراحة
الدرس الأهمُّ من قضيَّة كارادزيتش تحديداً هو عامل الزمن: لم يُعتقل الرجل إلَّا بعد ثلاثة عشر عاماً من الاختباء، وبعد أن تغيَّرت الحكومة الصربيَّة نفسها وقرَّرت التعاون مع المحكمة الدوليَّة كثمنٍ للانضمام إلى الاتِّحاد الأوروبيِّ. لم يكن الاعتقال نتيجة ملاحقةٍ بوليسيَّةٍ مستمرَّة بقدر ما كان نتيجة تحوُّلٍ سياسيٍّ في الدولة التي كانت تُؤويه
تقتضى
الأمانة المهنيَّة وضوحاً لا يحتمل اللبس: ما جرى في سربرنيتشا صُنِّف قانونياً
إبادةً جماعيَّة وهي أقسى تصنيفٍ في القانون الدوليِّ، يستلزم إثبات نيَّةٍ
محدَّدة لإفناء جماعةٍ قوميَّةٍ أو إثنيَّةٍ أو دينيَّةٍ بصفتها هذه. قضت المحكمة
بأنَّ كارادزيتش شارك في "مشروعٍ إجراميٍّ مشترك" هدفه إزالة السكَّان
المسلمين البوسنيِّين والكروات نهائياً من مناطق ادَّعى الصرب البوسنيُّون
ملكيَّتها.
أمَّا
ما جرى في "
رابعة العدويَّة" في 14 آب/ أغسطس 2013، وتوثيق 817 شهيد على
الأقلِّ في يومٍ واحد، وفق تحقيق هيومن رايتس ووتش المفصَّل "كلُّ شيءٍ وفق
الخطَّة"، فقد صُنِّف بأنَّه يرقى على الأرجح إلى جرائم ضدَّ الإنسانيَّة، لا
إبادةً جماعيَّة. الفارق ليس شكلياً: جرائم ضدَّ الإنسانيَّة تستلزم هجوماً واسعاً
أو منهجياً موجَّهاً ضدَّ سكَّانٍ مدنيِّين، دون اشتراط نيَّة إفناء جماعةٍ بعينها
بصفتها هذه. وهذا التصنيف رغم أنَّه أقلُّ قسوةً من الإبادة الجماعيَّة نظرياً،
يكفي وحده تماماً لفتح كلِّ الأبواب القانونيَّة التي فُتحت في وجه كارادزيتش.
هذا
الفارق مهمٌّ لسببٍ عمليٍّ لا أخلاقيٍّ فحسب: أيُّ مقالٍ يخلط بين التصنيفين سيفقد
مصداقيَّته أمام أوَّل قارئٍ متخصِّصٍ في القانون الدوليِّ. لكنَّ
المقارنة لا في نوع الجريمة، بل في آليَّة المحاسبة نفسها تبقى قائمةً بقوَّة،
وهذا ما يستحقُّ الفحص.
ثانياً:
الاحتماليَّة القانونيَّة: كيف يُبنى ملفٌّ كهذا فعلياً؟
أنشئت
محكمة يوغوسلافيا الخاصَّة (ICTY) بقرارٍ من مجلس الأمن الدوليِّ عام 1993،
بصلاحيَّاتٍ استثنائيَّة سمحت لها بمحاكمة رئيس دولةٍ حاليٍّ (ميلوسيفيتش) ورئيس
دولةٍ سابق (كارادزيتش) على حدٍّ سواء. هذا النموذج محكمةٌ خاصَّةٌ بقرارٍ أمميٍّ يصطدم
في حالة
مصر بالعقبة نفسها التي واجهناها في تحليلاتٍ سابقة: مصر ليست طرفاً في
نظام روما الأساسيِّ، وأيُّ إحالةٍ لمجلس الأمن تصطدم بحقِّ النقض لدى حلفاء
القاهرة الدائمين.
لكنَّ
المسار الأكثر واقعيَّةً، كما أثبتت تجربة سوريا الأخيرة، هو الاختصاص القضائيُّ
العالميُّ، المبدأ الذي مكَّن محكمة كوبلنز الألمانيَّة من الحكم بالمؤبَّد على
الضابط السوريِّ أنور رسلان عام 2022، رغم أنَّ سوريا نفسها ليست طرفاً في نظام
روما، تماماً كمصر.
والدرس
الأهمُّ من قضيَّة كارادزيتش تحديداً هو عامل الزمن: لم يُعتقل الرجل إلَّا بعد
ثلاثة عشر عاماً من الاختباء، وبعد أن تغيَّرت الحكومة الصربيَّة نفسها وقرَّرت
التعاون مع المحكمة الدوليَّة كثمنٍ للانضمام إلى الاتِّحاد الأوروبيِّ. لم يكن
الاعتقال نتيجة ملاحقةٍ بوليسيَّةٍ مستمرَّة بقدر ما كان نتيجة تحوُّلٍ سياسيٍّ في
الدولة التي كانت تُؤويه. وهذا يفتح سؤالاً حاسماً لمصر: أيُّ محاسبةٍ فعليَّةٍ لن
تأتي على الأرجح من ضغطٍ خارجيٍّ وحده، بل من لحظة تحوُّلٍ داخليٍّ يجعل التسليم
أو التعاون مع القضاء الدوليِّ ثمناً سياسياً مقبولاً لحكومةٍ مصريَّةٍ مقبلة.
ثالثاً:
الاحتماليَّة الجيوسياسيَّة من يحمي من؟
هنا
يكمن الفارق الأخطر بين الحالتين، ويجب مواجهته بصراحةٍ لا مواربة فيها. كارادزيتش
لم يكن محمياً من قوَّةٍ عظمى دائمة العضويَّة في مجلس الأمن. صربيا في
التسعينيَّات كانت دولةً معزولةً دولياً، تحت عقوباتٍ، وكان تسليم مجرمي الحرب شرطاً
معلناً وصريحاً للانضمام إلى الاتِّحاد الأوروبيِّ، وهو ثمنٌ دفعته بلغراد فعلياً
حين سلَّمت كارادزيتش وملاديتش تباعاً.
مصر،
على النقيض التامِّ، محميَّةٌ بثلاث طبقاتٍ متزامنة: الدعم الأمريكيُّ (1.3 مليار
دولار مساعداتٍ عسكريَّةً سنويَّة، وتنازلٌ صريحٌ عن شروط حقوق الإنسان في أيلول/سبتمبر
2024)، والشراكة الأوروبيَّة (7.4 مليار يورو حزمة آذار/مارس 2024، و 20 مليون
يورو إضافيَّة للجيش المصريِّ مباشرةً عبر مرفق السلام الأوروبيِّ في تشرين الثاني/نوفمبر
من العام نفسه)، والدور الإقليميُّ الذي يجعل القاهرة شريكاً لا غنى عنه في ملفَّي
غزَّة وليبيا. هذه الطبقات الثلاث تجعل أيَّ إحالةٍ لمجلس الأمن أقرب إلى المستحيل
من الحالة الصربيَّة المعزولة في التسعينيَّات.
لكنَّ
هذه الحماية، كما أثبتت حادثة دميَّاط الأخيرة حين ضُربت سفينةٌ أمريكيَّة
الملكيَّة على أرضٍ مصريَّة دون أن تملك القاهرة حتَّى القدرة على ردٍّ حاسم ليست
ثابتةً إلى الأبد. فالنموذج نفسه الذي حمى صربيا من الإفلات الكامل من العقاب لم
ينهر بفعل ضغطٍ خارجيٍّ مفاجئ، بل بفعل تغيُّر الحسابات الداخليَّة حين أصبح
التعاون مع القضاء الدوليِّ أرخص سياسياً من الاستمرار في الحماية. وهذا احتمالٌ
لا يمكن استبعاده على مدى عقود، حتَّى لو بدا مستبعَداً اليوم.
رابعاً:
الاحتماليَّة الشعبيَّة حين تتغيَّر الحسابات من الداخل
ونصل
هنا إلى العنصر الذي غيَّر مصير كارادزيتش فعلياً، لا نظرياً: تغيُّر النظام الذي
كان يؤويه. فحين سقط سلوبودان ميلوسيفيتش نفسه، الرئيس اليوغوسلافيُّ الذي احتضن
كارادزيتش سياسياً طوال الحرب، في انتفاضةٍ شعبيَّةٍ عام 2000، بدأت آليَّةٌ
تدريجيَّةٌ من التخلِّي عن حماية مجرمي الحرب، اكتملت لاحقاً بتسليم كارادزيتش
نفسه بعد ثمانية أعوام. لم يكن التسليم قراراً أخلاقياً مفاجئاً بقدر ما كان نتيجة
حسابٍ سياسيٍّ: حكومةٌ صربيَّةٌ جديدة، تحتاج شرعيَّةً دوليَّةً وانضماماً اقتصادياً
لأوروبا، وجدت في التخلِّي عن حماية الماضي ثمناً مقبولاً لمستقبلها.
هذا هو بالضبط السيناريو الذي يجب أن يُفكَّر فيه بجدِّيَّةٍ بخصوص مصر: ليس افتراض ثورةٍ فوريَّة، بل تصوُّر لحظةٍ سياسيَّةٍ مستقبليَّة يصبح فيها التعاون مع محاسبةٍ دوليَّةٍ ولو جزئيَّة، ولو بمحاكمة ضبَّاطٍ متوسِّطي الرتبة حتى الوصول الى رأس النظام نفسه
هذا
هو بالضبط السيناريو الذي يجب أن يُفكَّر فيه بجدِّيَّةٍ بخصوص مصر: ليس افتراض
ثورةٍ فوريَّة، بل تصوُّر لحظةٍ سياسيَّةٍ مستقبليَّة يصبح فيها التعاون مع
محاسبةٍ دوليَّةٍ ولو جزئيَّة، ولو بمحاكمة ضبَّاطٍ متوسِّطي الرتبة حتى الوصول
الى رأس النظام نفسه.
الجيل
المصريُّ الجديد، الذي أعاد إحياء صور رابعة على وسائل التواصل مؤخَّراً، والذي
يفقد ثقته تدريجياً في أداء المعارضة التقليديَّة، هو ذاته الذي قد يشكِّل في
لحظةٍ سياسيَّةٍ مقبلة الضغط الداخليَّ الذي حوَّل الاعتقال النظريَّ لكارادزيتش
إلى واقعٍ فعليٍّ في صربيا؛ لا لأنَّ الجيل الجديد سيقود انقلاباً أو ثورةً
بالضرورة، بل لأنَّه يبني كما أوضحنا في تحليلاتٍ سابقة الملفَّات القانونيَّة
والتوثيقيَّة التي ستكون جاهزةً حين تحين تلك اللحظة، أياً كان شكلها.
خامساً:
الفارق الذي يمنح الأمل الزمن ليس عدواً
الدرس
الأهم من قضيَّة كارادزيتش هو أنَّ 13 سنة من الإفلات ليست نهاية القصَّة، بل
مجرَّد فصلٍ واحدٍ منها. رابعة اليوم في عامها الـ13، نفس المدَّة الزمنيَّة تقريباً
التي اختبأ خلالها كارادزيتش قبل اعتقاله. لو طُبِّق المنطق الزمنيُّ نفسه،
فإنَّنا لسنا في "نهاية فرصة المحاسبة"، بل ربَّما في بداية النافذة
الزمنيَّة التي تشهد تاريخياً تحوُّل ملفَّاتٍ كهذه من الإفلات الكامل إلى
المساءلة الجزئيَّة ثمَّ الكاملة.
كما
أنَّ محاكمة كارادزيتش نفسها استغرقت ثمانية أعوامٍ إضافيَّة بعد الاعتقال، 498
يوم جلسات، و586 شاهداً، وآلاف المستندات. هذا يعني أنَّ بناء الملفِّ يجب أن يبدأ
الآن، قبل تحقُّق أيِّ تحوُّلٍ سياسيٍّ، لا بعده تماماً كما بدأت منظَّماتٌ
حقوقيَّةٌ أوروبيَّةٌ توثيق الجرائم السوريَّة قبل سنواتٍ من محاكمة كوبلنز
الفعليَّة.
خاتمة:
السؤال الذي لا يجيب عنه القانون وحده
هل
سيواجه السيسي مصير كارادزيتش يوماً ما؟ الإجابة الصادقة، بلا مبالغةٍ ولا تهوين:
لا أحد يعرف، والقانون وحده لن يحسم الإجابة. فما حوَّل كارادزيتش من طاغيةٍ
محميٍّ إلى سجينٍ مؤبَّدٍ لم يكن نصَّ القانون، فالنصُّ القانونيُّ كان موجوداً
منذ 1995؛ ما حوَّله كان تحوُّلا سياسيا في الدولة التي احتضنته، اقترن بملفٍّ
قانونيٍّ جاهزٍ ينتظر اللحظة المناسبة لتفعيله. الملفُّ وحده لا يكفي، والتحوُّل
السياسيُّ وحده لا يكفي أيضاً؛ يحتاج الاثنان معاً، متزامنين.
هذا
بالضبط ما يجعل السؤال المطروح في هذا المقال أكثر من تمرينٍ فكريٍّ: إنَّه دعوةٌ
صريحة لبناء الشقِّ الأوَّل الملفُّ القانونيُّ الجاهز الآن، دون انتظار الشقِّ
الثاني؛ لأنَّ التاريخ، كما أثبتت تجربة البلقان، لا يمنح إشعاراً مسبقاً حين تحين
لحظة التحوُّل السياسيِّ لكنَّه يكافئ من كان مستعداً حين تأتي.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.