هناك بلد كامل يدار بمنطق "كله تمام"
بينما كل مؤشر على الأرض يقول العكس. هذه ليست
مبالغة أفتتح بها المقال لأصطاد قارئا، هذه خلاصة ما يراه أي مواطن يفتح عينيه
صباحا، فاتورة أثقل، وعملة أخف، وخطاب أعلى صوتا كلما قل رصيده من الصدق.
لا أحتاج
إلى نظرية سياسية معقدة لأصف هذا المشهد، أحتاج فقط إلى الجرأة على تسميته باسمه،
وهي جرأة صارت، للأسف، نادرة بقدر ندرة الحلول الحقيقية.
لست هنا
لأشتكي، الشكوى لغة الضعفاء، وأنا لا أكتب من موقع الضحية، بل من موقع من يرى
المشهد كاملا ويرفض أن يصفق له.
أكتب وأنا
أستحضر نجيب سرور، ذلك الشاعر الذي حين ضاقت به المسافة بين ما يقال في الخطب وما
يعاش في الشارع، اختار أن يكسر المرآة بدل أن يكذب على نفسه أمامها. لن أكسر مرآتي
كما كسرها هو، لكن حدة النظر التي ورثتها منه لم تتغير، أرى، وأصف ما أرى، وهذا
وحده كاف ليكون فعلا مزعجا في زمن يفضل فيه العمى.
الفساد ليس شعورا، بل رقم أراه كل صباح، لست غاضبا من فراغ، ولست أستعير خطاب المظلومية لأنه موضة العصر. أنا غاضب لأنني أرصد، كأي مراقب متمرس، مسافة تتسع يوما بعد يوم بين الشعارات وبين ما يجري فعليا على الأرض
هناك
لحظات يبلغ فيها الانسداد السياسي والاجتماعي مداه، فتتحول المرارة المتراكمة إلى
موقف لا تسعه المجاملة. في هذه اللحظات يسقط رونق الخطاب الرسمي، وتتكشف الفجوة
الحقيقية بين الرواية المعلنة والواقع المعاش، فلا يبقى أمام من يملك ضميرا يقظا
سوى أن يسمي الأشياء بأسمائها، ولو بلغة حادة.
الفساد
ليس شعورا، بل رقم أراه كل صباح، لست غاضبا من فراغ، ولست أستعير خطاب المظلومية
لأنه موضة العصر. أنا غاضب لأنني أرصد، كأي مراقب متمرس، مسافة تتسع يوما بعد يوم
بين الشعارات وبين ما يجري فعليا على الأرض.
أرى
الفساد لا كحادثة عابرة، بل كبنية متكررة تعيد إنتاج نفسها في كل قطاع تقريبا،
بينما يطلب مني، كمواطن، أن أتحلى بـ"الصبر"، وكأن الصبر أصبح، بمرور
الوقت، الاسم المهذب لتبرير الاستسلام.
والأخطر
من الفساد نفسه أنه لم يعد يستحي، صار يمارس علنا، بثقة من يعرف أن لا حساب سيأتي،
وهذا وحده كاف ليجعل
غضبي موقفا لا رفاهية.
أنا لا
أكره وطني، بل العكس تماما، غضبي هو مقياس حبي، لا أحد يغضب من شيء لا يعنيه،
فالمفارقة أن من يفترض أنهم حراس هذا الوطن هم أنفسهم من يديرون ظهورهم لجراحه،
بينما يوزعون خطابات "الإنجاز" بلغة أرقام لا تطعم جائعا ولا تداوي
مريضا، ولا ترفع من قيمة عملة تآكلت قيمتها حتى باتت أقرب إلى الورق منها إلى
النقد.
أزمة ثقة،
لا أزمة كلام، المشكلة الحقيقية ليست في الخطاب، بل في الثقة. كل وعد لم يتحقق هو
طوبة إضافية في جدار انعدام الثقة بيني وبين من يدير شؤون بلدي.
جيل كامل
نشأ وهو يظن أن التعليم بوابة للتغيير، وأن العمل الجاد يبني بيتا، وأن القانون
سيحميه إن ظُلم، ثم اكتشف، تباعا، أن هذه المعادلات البسيطة لم تعد تعمل كما كان
يفترض بها.
حين يتحول
من يفترض أن يدير الاقتصاد إلى ما يشبه "محصل جباية" يبحث في جيوب
الطبقة الوسطى والفقراء عن فوائد قروض لم يستشر أحد فيها، فهذا ليس تفصيلا
اقتصاديا عابرا، بل عرض واضح لأزمة إدارة كاملة، تدفع كلفتها من قوت الناس اليومي،
لا من ميزانيات من قرروا نيابة عنهم. والمفارقة الأمر أن من يتخذ القرار لا يدفع
ثمنه أبدا، بينما من لم يستشر هو وحده من يسدد الفاتورة، جيلا بعد جيل.
غضب ذكي،
لا غضب أعمى، الغضب الذي لا يدار بذكاء يلتهم صاحبه قبل أن يلتهم من أغضبه. نجيب
سرور نفسه، رغم عبقريته، دفع ثمن غضبه الخام غاليا، عزلة ومرضا ونهاية لم تليق
بحجمه الإبداعي.
الدرس هنا
ليس "اصرخ بأي ثمن"، بل اجعل صراخك أداة لا مصيرا. لذلك أختار أدواتي
بعناية، الاستعارة بدل المباشرة الفجة، والسخرية السوداء بوصفها أذكى سلاح يعري
العبث، والتحليل النقدي الذي يفكك الأزمة بلغة رصينة تترك أثرها في وعي القارئ
أعمق مما تتركه أي صرخة عابرة.
وعمليا،
أكتب لأن الكتابة توثيق يصعب محوه، وأطالب بحقوقي عبر القنوات المشروعة لأن ما
ينتزع بالفوضى يسرق مجددا من يد صاحبه، وأحرص ألا يتحول غضبي إلى كراهية تحرق
الجميع بلا تمييز، هذا هو الفرق كله بين من يصرخ في الفراغ ومن يكتب التاريخ.
سؤال لا
أوجهه للنيل، بل لمن يديرونه: لو كان لي أن أسأل، فلن أسأل النيل عن سر بهائه
القديم، فالنيل بريء من كل ما يجري على ضفتيه؛ سأسأل، بصفتي مواطنا يملك الحق في
السؤال قبل أي شيء آخر، أين البهاء الذي كنا نغني له، والناس يطحنون بين فكي
الغلاء من الفجر حتى المغيب؟ وأين البهاء والشباب يفضلون المخاطرة بحياتهم في
رحلات هجرة غير شرعية على الاستمرار في مواجهة ذل الحاجة داخل وطنهم؟
لا أطلب مستحيلا، لا أطلب معجزة ولا انقلابا في الأحوال بين ليلة وضحاها، بل فقط أن يدار هذا الوطن بجدية تليق بتضحيات أهله، وأن يتوقف من يديرونه عن معاملة صبر الناس وكأنه مورد لا ينضب
هذه ليست
بلاغة إنشائية أتباهى بها، هذه أسئلة يطرحها كل من يملك حدا أدنى من الانتباه لما
يجري حوله، وأنا أطرحها هنا بصفتي كاتب رأي يسائل، لا يهتف.
وغضبي
موجه، لا عشوائي. نجيب سرور لم يكره
مصر يوما، بل كره من تحدث باسمها وهو يخونها
في صمت، وهذا هو الخط الذي أتمسك به تماما، غضبي لا يذهب إلى الأرض التي أحببتها
منذ الطفولة، بل يذهب، بدقة، إلى كل من أدار ظهره لمسؤوليته وهو يتحدث باسم هذا
الوطن في العلن.
سأظل
غاضبا، فهذا حقي الذي لا أحتاج تصريحا لممارسته، لكنني لا أطلب مستحيلا، لا أطلب
معجزة ولا انقلابا في الأحوال بين ليلة وضحاها، بل فقط أن يدار هذا الوطن بجدية
تليق بتضحيات أهله، وأن يتوقف من يديرونه عن معاملة صبر الناس وكأنه مورد لا ينضب،
فالصبر مهما طال له سقف، والأوطان لا تسقط دفعة واحدة مدوية، بل تتآكل ببطء، قرارا
بعد قرار ووعدا مكسورا بعد وعد، حتى يستفيق الجميع يوما على هيكل فارغ لم يعد يشبه
ما أحبوه.
أنا لا
أكتب لأغير العالم بمقال، بل لأنني أرفض أن أكون شاهد زور على انهيار أعرفه وأصمت
عنه، وهذا وحده، في زمن يكافأ فيه الصمت ويعاقب فيه من يتكلم، فعل يستحق أن يكتب.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.