ترامب ووضعه الراهن

منير شفيق
"أمريكا ما زالت قادرة على التصعيد العسكري، ولكن من دون تحقيق أيّة مكاسب سياسية، أو غير سياسية"- الأناضول
"أمريكا ما زالت قادرة على التصعيد العسكري، ولكن من دون تحقيق أيّة مكاسب سياسية، أو غير سياسية"- الأناضول
شارك الخبر
اقتربت الحرب العدوانية الظالمة، التي شنّها ترامب بالمشاركة مع نتنياهو ضدّ إيران، وبمخالفة صارخة للقانون الدولي وللغالبية الساحقة من شعوب العالم ودوله، من الدخول في شهرها الثالث، وما زالت الحرب مستعرّة، بالرغم من الاتفاق على وقف إطلاق النار، وفتح باب للتفاوض، وإغلاقه، أو تركه مواربا.

لقد حُسمت نتيجة الحرب، بفشل الهدف الذي وضعه ترامب منذ الأسبوع الأول، وصمود النظام الإسلامي وقادته، وتلقيهم الصدمة العسكرية بثبات وجدارة ومقاومة. وذلك بالرغم من هولها المدّمر الاستثنائي، وشمولها استشهاد القائد والمرشد الأعلى الإمام السيد علي الخامنئي، وعشرات القادة العسكريين والسياسيين.

استطاعت إيران استيعاب الحرب، وتمكنت بسرعة فائقة من إعادة تنظيم صفها القيادي وانتخاب الإمام مجتبى الخامنئي، وتشكّل تنسيق عسكري كبير الأهمية، بمشاركة حزب الله واليمن والعراق، فضلا عن جبهة غزة التي تخوض الحرب ذاتها، وبمصير واحد.

هو الآن يصارع ضدّ نهاية للحرب، لكي لا يخرج منها مهزوما بفضيحة مجلجلة. وهو ما كشفت عنه مفاوضات إسلام آباد، التي أنهاها ترامب وسحب وفده منها، وذلك عندما تأكدّ أن معادلة الحرب تغيّرت جذريا عما كان يتوقعه

وبعد، فبماذا يتسّم وضع الحرب الآن، وهي في الطريق إلى شهرها الثالث؟ لقد قرّر ترامب أن يكون هو صاحب القرار ببدء الحرب ونهايتها، وقد استطاع فعلا أن يبدأ حربا عالمية، ولكنه ووجِه بفشل إسقاط النظام، الذي توحّد الشعب الإيراني خلفه بالرغم من التناقضات الداخلية، ووقف صفا واحدا من خلال ملايين المتظاهرين طوال الشهرين الماضيين، وقد ووجِه أيضا بالسرعة الهائلة التي توحدّت فيها مؤسسات النظام، قيادة وبرلمانا، وحرسا ثوريا، وباسيج وجيشا، وتشكيلات مهنية وشعبية، مما أفقد ترامب إمكان إنهاء الحرب، بل أفلت الزمام من يديه.

وهو الآن يصارع ضدّ نهاية للحرب، لكي لا يخرج منها مهزوما بفضيحة مجلجلة. وهو ما كشفت عنه مفاوضات إسلام آباد، التي أنهاها ترامب وسحب وفده منها، وذلك عندما تأكدّ أن معادلة الحرب تغيّرت جذريا عما كان يتوقعه، عندما اتخذ قرار شنّ الحرب في 28 شباط/فبراير 2026.

من هنا، دخلت المعادلة في مرحلة تشدّد ترامب في عدم تجدّد المفاوضات، من جهة، كما تردّده في تنفيذ ما وعد به من عودة للحرب وتدمير البنى التحتية الإيرانية، بما يشمل الطاقة ومحطات الكهرباء، والمياه، والجسور، والجامعات والمستشفيات، من جهة أخرى.

ولهذا ترك الوضع في هدنة (وقف إطلاق النار)، وفي استمرار التوسّط للعودة إلى مفاوضات باكستان، مع الاستمرار بالتهديد لإبقاء هيبته العسكرية. وهنا يلاحظ أن أمريكا ما زالت قادرة على التصعيد العسكري، ولكن من دون تحقيق أيّة مكاسب سياسية، أو غير سياسية، مما حوّل قوّتها العسكرية في المرحلة الراهنة إلى قوّة تدميرية، ليس إلّا، أي بلا جدوى سياسية أو معنوية.

وهذا ما يفسّر محافظة ترامب على التهديد باحتلال مضيق هرمز، والقيام بمحاصرة موانئ إيران، لخدمة مأزق الوقوف في مكانه، ولو لبضعة أيام، أو ساعات أخرى.

ومن ثم أصبح تقلّب ترامب مقيدا بالتقلّب بين خيارات، كل خيارٍ منها يحمل خسائره بلا أي ربح، عدا الاقتراب مما تطرحه إيران من شروط لوقف الحرب. وهنا يجب أن يُضاف تفاقم وضعه الداخلي الأمريكي، واشتداد التأزّم الاقتصادي العالمي، وما تتعرّض له اللوبيات الصهيونية من حملات وضغوط راحت تهزّ نفوذها وسمعتها، وما يواجه نتنياهو من هزائم في لبنان، وأخرى تنتظره في غزة.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)