تستمرّ حكومة علي
الزيدي بمحاولات حثيثة لزرع الطمأنينة في قلوب العراقيّين بخصوص المستقبل رغم
الواقع المرعب، بينما غالبيّة مستشاري الزيدي يتكلّمون بلغة مليئة بالتخويف؛ وكأنّ
الزيدي آثر ألّا يتناول شخصيّاً الملفّات الغامضة بتصريحاته الرسمية!
ومع اقتراب رحيل
قوّات التحالف الدوليّ من
العراق نهاية الشهر الحاليّ، وانتهاء مهلة تسليم سلاح
المليشيات للحكومة فإنّ ملفّ سلاح الفصائل هو الأخطر بمواجهة الزيدي، وخصوصاً مع
الإصرار الأمريكيّ لإنهاء هذا الملفّ!
وأفصح رئيس
الوزراء الأسبق مصطفى الكاظمي، في 8 أيلول/ سبتمبر 2026، فحوى الرسائل الأمريكيّة للعراق،
ومنها: "عدم نزع السلاح سيعرّض العراق لتداعيات اقتصاديّة خطيرة"، وكشف
بأنّ "انسحاب التحالف من العراق كذبة"!
ولا ندري كيف أنّ الانسحاب الأمريكيّ "كذبة" مع تواتر
التأكيدات العراقيّة والأمريكيّة، ولكن ربّما الأمر مُرْتبط بالسيناريو الأخطر
الذي سبق للزعيم الكرديّ مسعود بارزاني أن حذّر منه مراراً، وآخرها قبل سنة، بأنّ
"انسحاب القوات الأمريكيّة والتحالف الدوليّ سيعيُدنا لسيناريو العام 2012،
وسيعود داعش مجدّداً للواجهة"!؟
ولا ندري كيف أنّ الانسحاب الأمريكيّ "كذبة" مع تواتر التأكيدات العراقيّة والأمريكيّة، ولكن ربّما الأمر مُرْتبط بالسيناريو الأخطر الذي سبق للزعيم الكرديّ مسعود بارزاني أن حذّر منه مراراً، وآخرها قبل سنة، بأنّ "انسحاب القوات الأمريكيّة والتحالف الدوليّ سيعيُدنا لسيناريو العام 2012، وسيعود داعش مجدّداً للواجهة"!؟
وهنا نقول: ماذا
لو عاد "داعش" فعلاً للمشهد العراقيّ، ما مصير الوطن والناس حينها؟! ومع
هذه المخاطر المزمنة يمكن الوقوف عند جدليّة ومعضلة: مَنْ القوى الحاكمة حقيقة، والمالكة
للقرار العراقيّ؟
وعند الفحص
والتدقيق يمكن الوقوف عند الأطراف الأقوى، وهم بحسب القوّة:
- الإطار
التنسيقيّ الشيعيّ: وهو كيان يضمّ أبرز القيادات والكيانات الشيعيّة، وهو الذي جاء
بالزيدي لرئاسة الحكومة، ويبدو أنّهم سيديرون المشهد العراقيّ قريباً، وبدليل
تصريحات رئيس المجلس الأعلى همام حمودي، في 11 أيلول/ سبتمبر الحاليّ، بأنّ "الإطار
التنسيقيّ سيتحوّل إلى مجلس قيادة دولة، وستتشكّل لجان أمنيّة وسياسيّة واقتصاديّة
لإدارة الدولة"!
- حكومة الزيدي: حكومة
بغداد ورغم كونها سلطة تنفيذيّة رسميّة؛ لكنّها محرجة ومرهقة نتيجة للضغوطات الأمريكيّة
والوعد الذي قطعه الزيدي على نفسه خلال زيارته لواشنطن في تمّوز/ يوليو 2026 بالتخلّص
من سلاح المليشيات، بالإضافة للضغوطات الداخليّة، وأبرزها ضغوطات الإطار التنسيقيّ،
والمليشيات، والمشاكل الاقتصاديّة!
وبحسب تقرير
لرويترز يوم 9 أيلول/ سبتمبر 2026 فإن "المقاومة الإسلاميّة العراقيّة" تضمّ
10 فصائل، ونحو 50 ألف مقاتل، وتمتلك وصواريخ
بعيدة المدى
وأسلحة مضادّة للطائرات!
والمطالب
الأمريكيّة بحصر السلاح، ومنع الالتفاف العراقيّ على العقوبات الأمريكيّة على
إيران جددها -بداية الأسبوع الحاليّ- القائم بالأعمال الأمريكيّ الجديد ببغداد
"ستيفن فاجن"! وبخصوص موقف
العراق من العقوبات الأمريكيّة قال وزير التجارة العراقي مصطفى العاني يوم 10
أيلول/ سبتمبر الحاليّ:" لا قرار عراقيّا بقطع التعامل التجاريّ مع
إيران"!
وهنالك أيضاً
معضلة الفساد الماليّ الموازية للإرهاب، لدرجة أنّ رئيس الوزراء الأسبق حيدر
العبادي قال الخميس الماضي، إنّ "تطبيق مكافحة الفساد على الجميع يعني انهيار
العمليّة السياسيّة العراقيّة"!
ومع هذه
التناقضات المهلكة، كيف سيتمكّن الزيدي من حصر سلاحهم ومنع الالتفاف على العقوبات
الأمريكيّة ضدّ إيران، ومكافحة الفساد الماليّ؟!
- الجماعات المسلّحة:
تعدّ من القنابل الموقوتة التي قد تنفجر بعموم البلاد بأيّ لحظة، ونلاحظ -رغم
الإصرار الحكوميّ على عدم اقحام العراق بالصراعات الإقليميّة- عادت بعض الفصائل
لتنفيذ هجمات استهدفت المدينة المنوّرة والرياض يوم 9 أيلول/ سبتمبر الحاليّ، وبعد
ساعات وجّه الزيدي بإغلاق ثلاثة منافذ مع إيران، وإعفاء قائد شرطة محافظة ميسان
التي انطلقت منها الطائرات المسيّرة نحو السعوديّة.
وهذه التطوّرات ستزيد
من إصرار الحكومة لإنهاء ملفّ السلاح المنفلت، ولكنّ الأمور ليست بهذه السهولة، وأعلن
همام حمودي أنّ "كلّ الفصائل ترفض سحب سلاحها يوم 30 أيلول/ سبتمبر وتريد
تطبيق مبدأ حصر السلاح على الجميع"!
اهتمّوا بالواقع العراقيّ، وانشروا العدل وتابعوا أحوال الناس قبل انفجار ثورة المهمّشين والفقراء والعاطلين والمظلومين وحينها لا ينفع الندم، بل وليس هنالك أيّ متّسع للتراجع وتدارك الكارثة!
وبالمحصّلة، فإنّ
موقف حكومة الزيدي مُرْبك، حيث إنّها تراجعت عن موعد نهاية أيلول/ سبتمبر الحاليّ
لتسليم سلاح الفصائل بحسب تصريحات صباح النعمان، المتحدّث العسكريّ باسم الزيدي: "لا
توجد مهلة محدّدة مع الفصائل لتنظيم السلاح"!
وعليه كيف ستتمكّن
الحكومة "المتردّدة" من تنفيذ سياسة الحزم وضبط سلاح الفصائل؟
- القيادات الخفيّة
والقويّة، وأبرزهم مقتدى الصدر، الذي يمتلك قدرات بشريّة وعسكريّة كبيرة، ويمكنه
السيطرة على الحكم ببضعة أيّام!
- السفارات
المتدخّلة بالشؤون العراقيّة وأبرزهما الأمريكيّة والإيرانيّة، وهما مؤثّرتان بالقرارات
بوضوح تامّ!
وهكذا -ومع هذا
التناحر بالإدارة والقرار- تبقى مشكلة العراق تتمثّل بالتصريحات المتناقضة والسعي
لمناطحة الدول العملاقة بقرون من طين، وهنا -وبموجب الواقع العسير والتحدّيات
المرهقة- نتساءل: هل سيهرب الزيدي من المواجهة للاستقالة لحفظ ماء الوجه؟!
إنّ محاولات محوّ
الدولة العراقيّة بإقحامها بالصراعات الإقليميّة لمصلحة الطرف الإيرانيّ دليل على
فقدان الشعور الوطنيّ الشامل والحرص على سيادة الوطن وسلامة المواطنين! فإلى متى
ستبقى الدولة في حالة فقدان لبوصلتها السياسيّة والأمنيّة والاقتصاديّة والثقافيّة؟!
اتركوا السياسات
الانفعاليّة والغريبة التي تحاول التحكّم بالعراق من وراء الحدود، وأعملوا على
صيانة سيادة العراق ورعاية أهله! اهتمّوا بالواقع العراقيّ، وانشروا العدل وتابعوا أحوال الناس قبل انفجار
ثورة المهمّشين والفقراء والعاطلين والمظلومين وحينها لا ينفع الندم، بل وليس
هنالك أيّ متّسع للتراجع وتدارك الكارثة!
x.com/dr_jasemj67
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.