فصائل العراق.. من كتلةٍ إلى مراكز

فالح الشبلي
"السلاح قد تتغير وظيفته من أداة مواجهة إلى أصل تفاوضي"- الأناضول
"السلاح قد تتغير وظيفته من أداة مواجهة إلى أصل تفاوضي"- الأناضول
شارك الخبر
قد لا يكون السؤال الأكثر دلالة في المرحلة المقبلة: ماذا أعلنت الفصائل في العراق؟ بل: إلى أي حد ما زالت تتحرك ككتلة واحدة؟ وإلى أي حد بدأت حساباتها الخاصة تتقدم على الموقف الجماعي؟

تشير المعطيات إلى تباين متزايد داخل المشهد الفصائلي؛ فبينما تبدو بعض الفصائل أكثر استعداداً للتجاوب مع مسار التهدئة أو التفاهم مع الدولة، تتمسك أخرى بالرفض، أو تربط أي خطوة بخروج القوات الأجنبية، بينما تطرح بعض الأطراف شروطاً وضمانات مسبقة. ولا يبدو هذا الاختلاف مجرد تباين في المواقف من قرار محدد، بل قد يعكس خلافاً أعمق حول شكل العلاقة المقبلة مع الدولة، وحدود النفوذ السياسي والأمني، ووظيفة السلاح، وموقع كل فصيل في الترتيبات الجديدة.

من هنا تصبح طبيعة الانقسام أكثر أهمية من حجمه الظاهر. فالتباين لا يعني بالضرورة تفككاً تنظيميّاً، لكنه قد يكشف انتقالاً من وحدة الموقف إلى تعدد الحسابات؛ إذ بدأت الأطراف، على ما يبدو، في تقدير مخاطر المرحلة ومكاسبها من مواقع مختلفة. والفصيل الذي يقبل التهدئة ليس بالضرورة أقل تمسكاً بمصالحه، كما أن الرافض لها لا يعني تلقائيّاً اختياره المواجهة. الفارق قد يكمن في تقدير الضمانات المطلوبة، وكلفة التنازل، والقدرة على الاحتفاظ بالنفوذ.

قد لا يكون المسار المقبل مواجهة شاملة بين الدولة العراقية والفصائل، بل تفكيكاً تدريجيّاً للكتلة المسلحة إلى دوائر متفاوتة في التسوية والتفاوض والردع

لهذا، قد لا يكون المسار المقبل مواجهة شاملة بين الدولة العراقية والفصائل، بل تفكيكاً تدريجيّاً للكتلة المسلحة إلى دوائر متفاوتة في التسوية والتفاوض والردع؛ الأولى تضم فصائل تتجه إلى تسوية تحول جزءاً من نفوذها الميداني إلى ترتيبات سياسية ومؤسسية؛ والثانية تضم أطرافاً تفاوض على ضمانات سياسية وأمنية قبل تقديم تنازلات جوهرية؛ والثالثة تضم فصائل تحتفظ بقدرتها العسكرية باعتبارها ورقة ردع وضماناً لموقعها في بيئة لا تثق تماماً باستقرار الترتيبات المقبلة.

ولا يعني هذا بالضرورة أن السلاح سيُستخدم؛ فقد تتغير وظيفته من أداة مواجهة إلى أصل تفاوضي. فالقدرة على التصعيد يمكن أن تظل مؤثرة حتى دون استخدامها، ما دامت تدخل في حسابات الدولة العراقية والخصوم والحلفاء على حد سواء.

لكن المفارقة أن الانقسام قد لا يؤدي إلى إضعاف القوة، بل إلى إعادة توزيعها. فإذا دخلت مجموعة في تسوية، وتحولت أخرى إلى التفاوض، واحتفظت ثالثة بقدرتها العسكرية، فقد ينتقل المشهد من كتلة نفوذ واحدة نسبيّاً إلى مراكز قوة متعددة، لكل منها شروطها وأدوات ضغطها وحساباتها، وعندها لا تصبح المشكلة الأساسية هي كيفية التعامل مع فصيل مسلح، بل كيفية منع إعادة إنتاج شبكات النفوذ داخل مؤسسات الدولة أو حولها.

وهنا يظهر التحول البنيوي الأهم: القضية ليست فقط مستقبل السلاح، وإنما إعادة هيكلة مجال السُّلطة وحدود العلاقة بين الدولة والقوى التي راكمت نفوذاً خارج مؤسساتها. فقد تنجح الدولة في خفض مستوى المواجهة دون أن تُعيد بالضرورة احتكار القرار الأمني والسياسي؛ إذ يمكن أن ينتقل النفوذ من السلاح إلى المؤسسات، أو إلى شبكات سياسية، دون أن تتغير آلية التأثير نفسها.

وعليه، يمكن تصور ثلاثة مسارات رئيسة:
إذا انتقلت القوة من خارج الدولة إلى داخل مؤسساتها وفق قواعد واضحة، نكون أمام تحول مؤسسي حقيقي؛ أما إذا انتقلت من جماعة إلى أخرى، أو من السلاح إلى شبكات نفوذ سياسية ومؤسسية تحتفظ بالمنطق نفسه، فإن ما يحدث لن يكون تفكيكاً لبنية القوة، بل إعادة تدوير لها في صورة جديدة

الأول: تسوية تدريجية وإعادة دمج النفوذ: تستوعب الدولة الجزء الأكبر من الفصائل ضمن ترتيبات سياسية وأمنية متدرجة. وتكمن فرصته في خفض احتمالات الصدام، بينما يتمثل خطره في أن تتحول عملية الدمج إلى إعادة إنتاج للنفوذ داخل مؤسسات الدولة بدلاً من تفكيكه.

الثاني: تعدد مراكز التفاوض: تتسع الفجوة بين الفصائل؛ بعضها يدخل التسوية، وبعضها يفاوض على الضمانات، بينما يحتفظ آخرون بقدراتهم العسكرية. هنا لا تنشأ مواجهة شاملة بالضرورة، لكن يظهر توازن تفاوضي متعدد المراكز يجعل إعادة ترتيب العلاقة مع الدولة أطول وأكثر تعقيداً.

الثالث: الاحتفاظ بالردع المستقل: تتمسك بعض الأطراف بقدراتها العسكرية لعدم ثقتها بالترتيبات الجديدة أو لخشيتها من تغير البيئة السياسية والأمنية. وقد يبقى ذلك ضمن وظيفة الردع، لكنه يمكن أن يتحول إلى أداة ضغط مباشر إذا تزامن مع تصاعد التوتر أو ضعف الضمانات.

لذلك لا ينبغي قياس نجاح الدولة بانخفاض التوتر وحده، بل بقدرتها على تحويل تباين الفصائل إلى إعادة تنظيم دائم لمصادر النفوذ. فإذا انتقلت القوة من خارج الدولة إلى داخل مؤسساتها وفق قواعد واضحة، نكون أمام تحول مؤسسي حقيقي؛ أما إذا انتقلت من جماعة إلى أخرى، أو من السلاح إلى شبكات نفوذ سياسية ومؤسسية تحتفظ بالمنطق نفسه، فإن ما يحدث لن يكون تفكيكاً لبنية القوة، بل إعادة تدوير لها في صورة جديدة.

وهنا تكمن المفارقة الاستراتيجية: قد يكون الانقسام فرصة للدولة العراقية، لكنه لا يصبح مكسباً مؤسسيّاً إلا إذا أدى إلى إنهاء تعدد مراكز القوة، وليس فقط إعادة توزيعها.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)