المشهد التونسي مَوَاتٌ يُوهِمُ بحَرَاكٍ

نور الدين العلوي
"سُمعت أصوات الاحتجاج في كل مكان وبلغ بعضها حد قطع الطرقات في مشهد يوحي بثورة اجتماعية، ولكن النظام لبس جلد التمساح وواصل تحليله المعتاد بنسبة الأزمات إلى جهات مجهولة"- عربي21
"سُمعت أصوات الاحتجاج في كل مكان وبلغ بعضها حد قطع الطرقات في مشهد يوحي بثورة اجتماعية، ولكن النظام لبس جلد التمساح وواصل تحليله المعتاد بنسبة الأزمات إلى جهات مجهولة"- عربي21
شارك الخبر
نسمع لغوا كثيرا ويبالغ البعض إلى حد إشعار الناس بأن الانقلاب يسقط في منتصف الليل، ونصبح على فجر ديمقراطي جديد. لقد سهلت السوشيال ميديا الكلام وجعلت كل جبان عنترة، لكن نقدر اللحظة بشكل مختلف ونرى أن الإيهام بالحياة ليس حياة، وأن المشهد التونسي برمته لا يزال بعيدا عن استعادة الديمقراطية بله الشروع في بناء حالة إنقاذ مستدامة. والأسباب كثيرة ولكننا نقدم أهمها، معتمدين تجربة طويلة من معايشة أقرب إلى شهادة على عصر برمته للنخب السياسية المخولة نظريا لقيادة التحولات الهامة. هذه النخب لم تتعلم من الانقلاب وهي لا توصفه انقلابا، كما لم تتعلم من التجربة الديمقراطية التي سبقته ولذلك فهي مرابطة على مسلمّاتها غير الديمقراطية وأهمها رفض التعايش مع المختلف سياسيا أعني بهم التيار الإسلامي. إن عقدة المشهد تدور حول النقطة التالية: لا ضمانة للنخب إن عادت الديمقراطية أن لا يعود معها الإسلامييون الذين أزاحهم الانقلاب من المشهد قيادة وحزبا وفكرا.

سنطوف حول هذه العقدة مرة أخرى لأننا نربط بها حالة الانحباس السياسي التي تطيل عمر الانقلاب وتطيل أزمات المجتمع التونسي المعيشية.

صيف يدفع إلى ثورة لكن

بلغت الحالة المعيشية في تونس أسوأ مظاهرها في صيف 2026، فقد عرفت الأجيال الجديدة مرارة العيش بلا كهرباء ولا ماء ولا نت. تعرت حقيقة فاجعة؛ لقد بلغت المؤسسات العمومية آخر قدرتها على تقديم خدماتها التي ظن الناس أنها مضمونة إلى الأبد. سُمعت أصوات الاحتجاج في كل مكان وبلغ بعضها حد قطع الطرقات في مشهد يوحي بثورة اجتماعية، ولكن النظام لبس جلد التمساح وواصل تحليله المعتاد بنسبة الأزمات إلى جهات مجهولة.

العودة إلى الجادة الديمقراطية ستفتح بالقوة باب التقييم والإدانة ومن ثم المعالجة على غير قاعدة الانقلاب، أي على قاعدة الصندوق الانتخابي حتما. وهنا يقف الطيف السياسي الذي يتباكى مع الجمهور على الأزمة الاجتماعية ولا يخرج لدفعها إلى حالة تغيير شعبي بالشارع. إنهم يرون في آخرها الصندوق الانتخابي، والصندوق يهمّشهم

لم يسعَ السياسيون عمليا إلى الاستثمار في الأزمة وتجييش الناس ضد النظام، وهي فرصة كبيرة للتغيير ولو أن ركوب الموجة لا يخلو من انتهازية سياسية مفضوحة. والتردد يعود في تقديرنا إلى أن الاحتجاج الجذري مؤذن فعلا بتغيير النظام، وكل تغيير يفتح على بناء بدائل (وهو تمشّ منطقي) وفي البدائل المحتملة يفتح باب الديمقراطية، فتغيير رأس النظام برأس آخر (وهذا همس يُسمع في تونس) لا يهدئ الأوضاع وقد يؤججها لما فيه من خديعة مكشوفة.

يعني فتح باب الديمقراطية في بعض معانيه أن الانقلاب كان خطيئة سياسية، وأن من سانده في منشئه ويتظاهر الآن بمعارضته كان على خطأ وكانت تقديراته سوء نية وجهل سياسي. وهذه الحقيقة تعني أن من عارض مند الساعة الأولى كان على حق وأن استشرافه كان سليما، وهو رصيد ضمني له. وتعني أن العودة إلى الجادة الديمقراطية ستفتح بالقوة باب التقييم والإدانة ومن ثم المعالجة على غير قاعدة الانقلاب، أي على قاعدة الصندوق الانتخابي حتما. وهنا يقف الطيف السياسي الذي يتباكى مع الجمهور على الأزمة الاجتماعية ولا يخرج لدفعها إلى حالة تغيير شعبي بالشارع. إنهم يرون في آخرها الصندوق الانتخابي، والصندوق يهمّشهم مثلما فعل بهم قبل الانقلاب. هناك طرف واحد قادر على الصندوق ولا ينبغي أن يُفتح له الصندوق مرة أخرى؛ هذه واضحة جدا مثل وضوح الانقلاب، وتتفق في ذلك أطياف سياسية ونقابية مع قوى نظامية (القوة الصلبة) تأسست على عقيدة استئصالية.

لا حل مع الإسلاميين ولا حل بدونهم

هذه هي عقدة المشهد التونسي ويمكن التعميم عربيا لمن يرغب في المجادلة. هناك تقييمات كثيرة خلاصتها أن الإسلاميين قد تفككوا تنظيميا وفقدوا قدراتهم على الحشد الانتخابي، ولكن هذه التقييمات تتعامى عن أن التخريب قد مسّ بقية الأجسام السياسية والنقابية، وأن قدرات الجميع تراجعت عما كانت عليه فجر الثورة، كما أن ثقة الناس في كل متكلم سياسي هي الآن في أدنى درجاتها. لكن المعروف ضمنا أن حزب النهضة بالتحديد قادر على ترميم كسوره بسرعة والعودة إلى تصدر مشهد لم تطور فيه أي من الأجسام السياسية قدراتها التنظيمية لمواجهة انتخابية متكافئة. كل الطيف السياسي المعارض الآن، بمن فيهم النقابة التي استيقظت بشكل متأخر بعد أن فقدت مصادرها المالية، تعرف أنها عاجزة أمام حزب النهضة مهما ضعف، لذلك فإن هذه القوى تناور بعقل انتهازي (حبذا ينتهي الانقلاب وحبذا أن لا نجد النهضة بديلا له أو ضمن بديل له ولو بحجم ميكروسكوبي).

ولأن هذا الطيف يحمل عجزه البنيوي فوق كتفيه منذ تخلّق في المشهد فإنه ينتهي إلى أن بقاء الانقلاب أهون من نهايته التي تفتح على الصندوق الكارثي (تطبيق قاعدة خصاء الذات نكاية في الزوجة). وهنا يمكن الإيهام بالمعارضة والتظاهر بمقادير لكن دون بلوغ تحرك مدني واسع من قبيل العصيان المدني أو الاعتصامات الثابتة وتوضيح المطالب للناس، علما أن الجمهور الواسع المجهول
لماذا لا تُصدر المعارضات التي توهمنا بالمعارضة بيانا سياسيا واضحا تؤلف حوله الغاضبين والمتألمين، وتقودهم على بيّنة نحو هدف بيِّن متفق عليه بقدر كبير؟ إن أي بيان جامع (قاعدة عمل سياسي ونضالي) سيطرح السؤال: هل ما نعيشه انقلاب أم حركة تصحيحية لها شرعية؟
الهوية السياسية يقول في الرئيس ما لا تجرؤ أي معارضة على قوله وتحمّل كلفته. وهنا تحظى المعارضة التي تمسرح تحركاتها بأكبر قدر من عدم الثقة، وهي لا تجهل ذلك بل ترحب به (إنها معارضة سِلفيات صورني وأنا أعارض).

الإيهام بالحركة ليس حركة

لماذا لا تُصدر المعارضات التي توهمنا بالمعارضة بيانا سياسيا واضحا تؤلف حوله الغاضبين والمتألمين، وتقودهم على بيّنة نحو هدف بيِّن متفق عليه بقدر كبير؟ إن أي بيان جامع (قاعدة عمل سياسي ونضالي) سيطرح السؤال: هل ما نعيشه انقلاب أم حركة تصحيحية لها شرعية؟ سيتلو ذلك سؤال حتمي: إذا كانت تصحيحا لمسار خاطئ (ما قبل 25 تموز/يوليو) فكيف انحرف ولماذا؟

أسئلة كثيرة ستؤدي بكل عاقل إلى وقفة تأمل ونقد ذاتي وتحمل مسؤولية أخلاقية عما جرى، وهذه أمور تتطلب شجاعة سياسية وأخلاقية لا تتوفر للمعارضين الذين أتابع كلامهم ونشاطهم عن كثب. لقد افتقدوا هذه الشجاعة فجر 25 تموز/يوليو وهم يفتقدونها دوما للإقرار بخطأ التقدير والمسلك السياسي، لذلك فإن الاهتمام بما يفعلون الآن هو بمثابة متابعة مسرحية سبق للمرء أن شاهدها مرات كثيرة، وهي بالمناسبة ليست مسرحية تُضحك أو تعلِّم درسا سوى درس وحيد وهو أن الثقة في الطيف السياسي التونسي عمل مرادف للغباء والحمق، وأفضل ما يفعله المرء بنفسه في هذا المشهد أن لا يشارك قوما مستعدين لخداعه مرة أخرى.

هل نترك الانقلاب يرتاح؟ هذا قدر غشوم، لكن الخروج إلى الصيد مع مَن قد يضع البندقية في ظهرك ليسرق الطريدة التي أصبتها هو انتحار كامل المواصفات. هذه عدمية؟ تبدو كذلك، لكن بعد أن لُدغت من نفس الجحر مرات كثيرة فإن إبقاء يدك خارجه يكشف أنك بدأت تتعلم الصواب.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)