لم يعد جوهر "حصر
السلاح" في
العراق متعلقاً
فقط بمن يملك قرار الحرب، بل بمن يملك القدرة نفسها. فالدولة بدأت تنتقل من لغة
السيادة إلى لوجستياتها: قواعد بيانات، وجرد للأسلحة، ومخازن محددة، ولجان مركزية،
وضبط للحدود وتبادل استخباراتي. وهي تفاصيل أهم من الخطاب؛ لأنها تحدد من يعرف
مكان السلاح، ومن يصل إليه، ومن يتحكم في حركته.
لذلك أصبحت المعركة على المخزن لا البيان؛ فإذا انتقل
الصاروخ إلى منشأة رسمية وبقيت مفاتيحها وأوامرها في يد الفصيل، تغيرت الصفة
القانونية للسلاح لا السيطرة عليه، أما امتلاك الدولة للجرد والتفتيش والتحريك
فيعني انتقالاً فعليّاً للقدرة.
وهنا تظهر مفارقة إيران، فقد تقبل مركزية قرار الاستخدام،
دون قبول تفكيك شبكة النفوذ التي تنتج القوة؛ لذلك قد يكون تغيير قيادة الحشد
وولاءاته أشد حساسية من تسليم أسلحة متفرقة.
وفي الداخل، يواجه الزيدي معضلة مشابهة، وهي ائتلاف يريد
حكومة قوية، لكن ليس بالضرورة منفردة عنه في إعادة توزيع النفوذ.
التعاون السعودي وضبط الحدود يضيفان اختباراً آخر: كلما
امتلكت بغداد معلومة موثوقة ارتفعت قدرتها على منع التدخل الخارجي، وارتفعت أيضاً
كلفة عدم تحركها. وحادثة الدورة تؤكد أن المشكلة أوسع من الفصائل؛ فاحتكار القوة
يعني قدرة القانون على النفاذ أمام شبكات السلاح والأرض والحماية معاً.
لذلك فالسيناريوهات ثلاثة: استيعاب مؤسسي تدريجي، أو
سيادة هجينة تُرسّم السلاح وتبقي السيطرة موزعة، أو ارتداد سياسي يعطل العملية.
والاختبار الحاسم بعد أيلول/سبتمبر سيكون عند أول حالة رفض: هل تستطيع الدولة
الوصول والإنفاذ؟
فالسيادة لا تتحقق عندما تقبل الجماعات قرار الدولة، بل
عندما تفقد القدرة على استخدام القوة من دونها. المخزن -لا البيان- هو الاختبار
الحقيقي للدولة.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.