حرائق سياسية وأمنية مرتقبة في الأفق العراقي!

جاسم الشمري
"حرائق مستعرة لم يتوقّف شررها"- جيتي
"حرائق مستعرة لم يتوقّف شررها"- جيتي
شارك الخبر
يستعير بعض السياسيّين والمثقّفين والأدباء المفردات المظلمة والمخيفة للتوصيف والتحذير، وربّما التخويف من بعض الحوادث والمواقف والأزمات الحاليّة والمستقبليّة! ومن بين تلك المصطلحات: الحرائق، والعواصف، والأعاصير، والنكبات، والمجازر، ويحاولون توصيفها بالسوداء والمظلمة وغيرها من المصطلحات والصفات لزيادة التحذير والتخويف!

وَيُستخدم مصطلح "الحرائق" بكثرة لبيان صعوبة المواقف الأمنيّة والسياسيّة، واحتماليّة الوصول لمرحلة الاشتعال بين أطراف السلطة وَمَن يُنافسها، أو مَنْ لا يتّفق معها، أو مَنْ لا يعترف بها!

ويعاني العراق منذ عشرينيّات القرن الماضي من حرائق كبيرة ومتوسّطة، والآن هنالك جملة حرائق، ظاهرة وخفيّة، بعضها خارج السيطرة، وبعضها افتعلها ثلّة من السياسيّين الحاقدين!

وفي دليل على تنامي حرائق العراق، حذّر رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي، يوم 26 آب/ أغسطس 2026 من محاولات حثيثة لإشعال "حرائق سياسيّة لإرباك المشهد العراقيّ العامّ". وقال المالكي إنّ "تحويل ملفّ السلاح إلى صِدام بين الدولة والفصائل المسلّحة يُمثّل خطراً داهماً قد يعصف بالاستقرار ويفتح الباب أمام تداعيات مجهولة العواقب"!

اقتلاع المليشيات من أهم أدوات إطفاء الحرائق المتوقّعة في المشهد العراقيّ، وإلا فإنّ بقاء سلاح المليشيات هو الشرارة التي ستحرق الجميع

تحذيرات المالكي أتت من باب تخوّفه ورفاقه من ضياع سلطة الإطار التنسيقيّ الشيعيّ الحاكم، وخصوصاً أنها جاءت قبل نحو شهر من انسحاب قوّات التحالف الدوليّ من العراق، وانتهاء مهلة الحكومة للجماعات المسلّحة لتسليم سلاحها يوم 30 أيلول/ سبتمبر 2026!

شهد العراق بعد العام 2003 جملة حرائق أمنيّة وسياسيّة مفتعلة وفوضويّة مهلكة، أبرزها:

- حرائق الاحتلال الأمريكيّ: وهي الحرائق التي أشعلتها قوّات الاحتلال ووقفت تتفرّج على نيرانها، ومنها تشجيعها للمليشيات على القتل والنهب وسلب ممتلكات الدولة السابقة، وكذلك تفكيك الأجهزة الأمنيّة للدولة العراقيّة بكافّة صنوفها.

- حرائق السياسات الطائفيّة: وهي التي التهمت بنيرانها نحو نصف مليون مواطن، ربعهم تقريباً سُحِقُوا بين نيران المليشيات، وحرائق أحكام الإعدام الانتقاميّة، والبقيّة وجدوا أنفسهم في دهاليز السجون القاتلة، ودروب الغربة والهجرة القاسية.

- حرائق التفجيرات المدبَّرة: وأخطرها افتعال تفجير المرقدين في سامرّاء يوم 22 شباط/ فبراير 2006، وما تلاها من فتن طائفيّة حرقت الأخضر واليابس، وقتلت الآلاف، وهجّرت مئات آلاف الأبرياء، ورمتهم بدروب الغربة والضياع.

- الحرائق الغامضة: ومنها حريق فقدان نصف مساحة العراق بيد "تنظيم داعش" بعد أن ضيّعت حكومة نوري المالكي (2006-2014) واجباتها في حماية الوطن والناس، وانهيار الجيش بساعات أمام بضع مئات من "الدواعش"!

- حرائق التحرير: كانت عمليّات "تحرير" المدن من عناصر "داعش" واحدة من أخطر الحرائق (2014-2017)، والتي دمّرت المدن، وَمُزجت -بحجّة التحرير- بمئات الإعدامات الميدانيّة والعشوائيّة للأبرياء، وخلّفت عشرات المقابر الجماعيّة المجهولة حتّى اليوم!

- حرائق تشرين: والحريق الأبشع تمثّل بسحق شباب ثورة تشرين الذين خرجوا لنصرة الفقراء وحماية الوطن من المخطّطات الخبيثة، وواجهتهم حكومة عادل عبد المهدي بالنيران المميتة وسحقت نحو ألف شابّ وأصابت عشرة آلاف آخرين.

- حرائق المليشيات: وهي الحرائق الأفظع، والمستمرّة في عبثها بأرواح الناس ومصائرهم، وحينما طلبت الحكومة حصر أسلحتهم انقبلوا عليها. ولهذا بدأ التخوّف من امتداد نيرانهم لحرق الدولة والناس!

والحرائق المليشياويّة قد تستعر في الأفق بأيّ لحظة، وبالذات مع تحديد "كتائب سيد الشهداء" يوم 29 آب/ أغسطس 2026 عشرة شروط، أغلبها تعجيزيّة، لتسليم سلاحها للحكومة!

وهنالك حرائق مستعرة لم يتوقّف شررها، وأبرزها المخدّرات، وسرقة مئات مليارات الدولارات، وعصابات غسيل الأموال والأعضاء البشريّة وغيرها!

إن اقتلاع المليشيات من أهم أدوات إطفاء الحرائق المتوقّعة في المشهد العراقيّ، وإلا فإنّ بقاء سلاح المليشيات هو الشرارة التي ستحرق الجميع.

والسؤال الجوهريّ: مَنْ الذي أشْعل الحرائق، الماضية والحاليّة والمستقبليّة؟ أليس غالبيّة ساسة العراق هم الذين ساهموا، أو وافقوا، أو غَلسوا، أو شَجّعوا على سياسات "الحرائق" المدبّرة والطائفيّة والعبثيّة؟

إنّ تدارك الكارثة قبل وقوعها جزء من سياسات الحكومة الناجحة، أمّا انتظار وقوع الكوارث والعمل بسياسات ردود الأفعال فهذا دليل على ضياع البوصلة، وانعدام الخطط الناظمة لعمل الحكومة ومؤسّساتها، ويومها لا ينفع الندم، ولا بيانات الاستنكار والوعيد الفارغ كونها عبثيّة وخارج حدود الزمان والواقع!

والسؤال الجوهريّ: مَنْ الذي أشْعل الحرائق، الماضية والحاليّة والمستقبليّة؟ أليس غالبيّة ساسة العراق هم الذين ساهموا، أو وافقوا، أو غَلسوا، أو شَجّعوا على سياسات "الحرائق" المدبّرة والطائفيّة والعبثيّة؟

وقديماً جاء في بعض كتب الأثر: "لكلّ حريق مطفئ: فللنار الماء، وللسُّمّ الدواء، وللحزن الصبر، ونار الحقد لا تَخْبو أبداً".

ولهذا فإنّ حرائق المسؤولين الحاقدين لا تخبو -ولن تخبو- لأنّهم مليئون بالكراهية، وحينما لا تَمزج المسؤوليّة بين الحزم والحبّ والرحمة بالوطن والناس فإنّها ستُشعل حاضر الوطن والمواطن ومستقبلهما!

والغريب أنّ المالكي -وبعد تحذيره- عاد يوم 2 أيلول/ سبتمبر 2026 ليقول: "الحشد باقٍ كما الفصائل ستبقى، ولن تسلّم سلاحها يوم 30 أيلول/ سبتمبر"! ولا ندري كيف يُحذّر، وكيف يدعو لبقاء سلاح الحشد بعيداً عن سيطرة الحكومة!

وهكذا، وبعيداً عن التوصيف والتحذير فإنّ المسؤوليّة التاريخيّة تقع على كاهل الحكومة والقوى السياسيّة بضرورة حماية المواطنين ومقدّرات الوطن، وهذا أقلّ الواجبات وإلا فهم مشاركون بإشعال فتيل الحرائق المهلكة للوطن والناس!

أطفئوا حرائق العراق قبل انفلاتها، وحينها سيَعْبر شررها حدود العراق، وربّما ستُشْعِل المنطقة برمّتها!

x.com/dr_jasemj67


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)