ملهاة الانتخابات الفلسطينية.. من يُهندس الملعب؟

ماهر حسن شاويش
"الانتخابات الفلسطينية مختلفة عن انتخابات تجري داخل نظام سياسي مستقر ومكتمل البنية"- الأناضول
"الانتخابات الفلسطينية مختلفة عن انتخابات تجري داخل نظام سياسي مستقر ومكتمل البنية"- الأناضول
شارك الخبر
سمك، لبن، تمر هندي! ربما يصعب العثور على وصف شعبي أكثر اختصاراً للمشهد الذي ترسمه المشاورات الجارية بشأن الانتخابات التشريعية الفلسطينية المقبلة: حماس، والجهاد الإسلامي، والتيار الإصلاحي في فتح، وناصر القدوة، وألوية الناصر صلاح الدين في تحالف انتخابي واحد، مع حديث عن إمكانية انضمام الجبهة الشعبية وربما قوى أخرى.

للوهلة الأولى، يفترض أن يكون هذا تطوراً إيجابياً، فما المشكلة في أن تتوافق قوى فلسطينية مختلفة، بل ومتناقضة في بعض توجهاتها وتجاربها ومواقفها، على خوض الانتخابات ضمن تحالف واسع؟ لا مشكلة في ذلك من حيث المبدأ، بل ربما يكون التوافق مطلوباً أكثر من أي وقت مضى. لكن المشكلة تبدأ عند سؤال أكثر بساطة وإيلاماً: إذا كان جمع كل هذه القوى ممكناً اليوم تحت سقف انتخابي واحد، فما الذي منعها من الاجتماع قبل ذلك في جبهة وطنية عريضة؟ ولماذا احتاج الفلسطينيون إلى صندوق اقتراع ومقاعد وقوائم انتخابية حتى تكتشف القوى السياسية قدرتها على التوافق؟

ما جمعته الانتخابات ولم تجمعه الحرب

يصبح السؤال أكثر قسوة عندما يوضع أمام ما عاشه الفلسطينيون خلال السنوات الأخيرة: حرب وإبادة ودم وتهجير ودمار هائل في قطاع غزة، وتصاعد للاستيطان والضم في الضفة الغربية، وأزمة سياسية غير مسبوقة، وخطر لم يعد يهدد فصيلاً أو سلطة أو حكومة، بل يطال القضية الفلسطينية نفسها.

لم تنجح كل هذه الأخطار في إنتاج جبهة سياسية فلسطينية عريضة تتجاوز الانقسام والحسابات الفصائلية. أما عندما ظهرت الانتخابات والمقاعد في الأفق، فقد أصبح من الممكن فجأة الحديث عن اجتماع حماس والجهاد ودحلان والقدوة وآخرين في تحالف واحد

ومع ذلك، لم تنجح كل هذه الأخطار في إنتاج جبهة سياسية فلسطينية عريضة تتجاوز الانقسام والحسابات الفصائلية. أما عندما ظهرت الانتخابات والمقاعد في الأفق، فقد أصبح من الممكن فجأة الحديث عن اجتماع حماس والجهاد ودحلان والقدوة وآخرين في تحالف واحد.

وهنا ربما تكون الانتخابات قد نجحت، قبل أن تبدأ، في كشف حقيقة مؤلمة: المشكلة لم تكن يوماً في استحالة التوافق، بل في غياب الإرادة والمصلحة الحزبية والشخصية التي تدفع إليه، حتى في أشد المراحل التي كان فيها الفلسطينيون أحوج ما يكونون إلى جبهة وطنية عريضة.

فإذا كانت الانتخابات قادرة اليوم على جمع كل هذه التناقضات، فلماذا لم تستطع الحرب والدم والتهجير والخطر الذي يهدد القضية كلها أن تفعل ذلك؟ وهل كنا بحاجة فعلاً إلى الانتظار حتى "خراب مالطا"؟

لكن مهلاً.. هل أصبحت فتح محشورة؟

قد يبدو للوهلة الأولى أن تحالفاً انتخابياً بهذا الاتساع يضع محمود عباس وقيادة فتح أمام مأزق انتخابي حقيقي، لكن الصورة أكثر تعقيداً. فالجميع منشغل اليوم ببناء التحالفات وحساب فرص الفوز، بينما هناك سؤال آخر ربما يكون أكثر أهمية: من يملك القدرة على هندسة الملعب نفسه؟

الأرقام تقول الكثير. المجلس التشريعي المقبل يتكون من 132 عضواً، والمفارقة أن عدد المقاعد شهد خلال فترة قصيرة تغييراً ثم إعادة تغيير؛ فقد رُفع إلى 200 قبل أن يعود مجدداً إلى 132. وهذه وحدها إشارة إلى أن قواعد اللعبة المؤسسية ليست ثابتة بالقدر الذي قد يبدو عليه الأمر.

في المقابل، يتكون المجلس الوطني الفلسطيني، وفق النظام الانتخابي الجديد، من 350 عضواً: 200 يمثلون الداخل و150 يمثلون الخارج والشتات. وهنا تبدأ قصة أخرى، لأن المجلس التشريعي هو مؤسسة من مؤسسات السلطة الفلسطينية، بينما المجلس الوطني هو المؤسسة التمثيلية العليا في إطار منظمة التحرير الفلسطينية.

وبالتالي، حتى لو نجح التحالف الجديد في تحقيق أغلبية أو كتلة ضخمة داخل المجلس التشريعي، فإن ذلك لا يعني تلقائياً السيطرة على القرار السياسي الفلسطيني. إذ تستطيع القيادة القائمة العودة إلى معادلة معروفة: السلطة الفلسطينية ومؤسساتها شيء، ومنظمة التحرير، باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد والمرجعية الوطنية العليا، شيء آخر. وهكذا يمكن نقل المعركة ببساطة من سؤال "من يملك أغلبية الـ132؟" إلى سؤال أكبر: "من يملك الأغلبية والنفوذ داخل الـ350؟".

الشتات.. هندسة الملعب بدأت بالفعل

قد يبدو الحديث عن "هندسة الملعب" مجرد افتراض سياسي، لولا أن بعض الإجراءات بدأت بالفعل على الأرض. فالنظام الانتخابي للمجلس الوطني جعل الاقتراع المباشر هو الأصل، وخصص للشتات 150 مقعداً، لكنه أتاح في الحالات التي يتعذر فيها إجراء الانتخابات اللجوء إلى آليات بديلة، من بينها المجمع الانتخابي والتوافق وفق الضوابط الواردة في النظام.

وفي لبنان لم يعد الأمر افتراضاً، فقد شُكلت لجنة لمتابعة انتخابات المجلس الوطني، وبدأ العمل باتجاه المجمع الانتخابي لاختيار ممثلي الساحة اللبنانية. وهنا يصبح السؤال أكثر أهمية من مجرد وجود هذه الآلية في النظام: من يحدد أن الاقتراع المباشر متعذر؟ ومن يشكل المجمع الانتخابي؟ ومن يحدد حجمه ومعايير عضويته والتوازنات السياسية والمجتمعية داخله؟ ومن يضمن ألا يصبح اختيار أعضاء المجمع نفسه هو "الانتخابات الحقيقية" التي تحدد مسبقاً طبيعة من سيصل إلى المجلس الوطني؟

المشكلة، إذاً، ليست في وجود المجمع الانتخابي من حيث المبدأ، فهو آلية منصوص عليها، وإنما في من يملك تشكيل الأداة التي ستختار الممثلين عندما يغيب صندوق الاقتراع المباشر.

وهذا السؤال لا يتوقف عند لبنان، فهناك الأردن، الذي يحتضن أكبر تجمع فلسطيني خارج فلسطين، وتحيط بأي انتخابات فلسطينية على أراضيه حساسيات سياسية وسيادية معروفة. وهناك سوريا، حيث يتطلب تنظيم عملية انتخابية فلسطينية واسعة موافقة السلطات وترتيبات عملية لم تتضح بعد. وهناك أوروبا، حيث ينتشر الفلسطينيون في دول متعددة، لكل منها قوانينها وظروفها، بما يجعل تنظيم عملية انتخابية موحدة أكثر تعقيداً.

ومن هنا يبرز السؤال الذي ينبغي ألا يضيع وسط الحديث عن عدد المقاعد: كم واحداً من المقاعد الـ150 المخصصة للشتات سيأتي فعلاً من صناديق اقتراع مباشرة، وكم منها سيأتي عبر المجمعات الانتخابية والتوافقات وآليات الاختيار البديلة؟

فالقول إن الشتات يمتلك 150 مقعداً يبدو مهماً على الورق، لكن القيمة الديمقراطية الحقيقية لهذا الرقم تتوقف على سؤال واحد: من سيختار أصحاب هذه المقاعد؟ اللاجئون والفلسطينيون في الخارج أنفسهم، أم مجمعات وآليات يجري تشكيلها مسبقاً؟

وإذا كانت ساحات الشتات الكبرى ستواجه، الواحدة تلو الأخرى، صعوبة أو تعذراً في تنظيم الاقتراع المباشر، فمن يتبقى إذاً لينتخب ممثلي الشتات؟

من الـ132 إلى الـ350

هنا يمكن فهم مساحة المناورة التي ما زالت متاحة أمام محمود عباس وفتح حتى في مواجهة أوسع تحالف انتخابي محتمل. حماس والجهاد ودحلان والقدوة وربما الشعبية وآخرون يستعدون لمعركة 132 مقعداً، لكن في الخلفية تجري عملية أخرى لإعادة تشكيل مجلس وطني من 350 عضواً، بينهم 150 يمثلون الشتات.

وبذلك قد يفوز خصوم فتح، افتراضاً، بأغلبية المجلس التشريعي، ثم يجدون أنفسهم في اليوم التالي أمام سؤال مختلف: ماذا تساوي أغلبية التشريعي أمام تركيبة المجلس الوطني ومنظمة التحرير؟ وعندها يمكن أن تعود الحجة التقليدية بقوة: التشريعي مجلس السلطة، أما منظمة التحرير فهي المرجعية الوطنية العليا.

وهذا ما يجعل الانتخابات الفلسطينية مختلفة عن انتخابات تجري داخل نظام سياسي مستقر ومكتمل البنية. نحن لا نتحدث عن صندوق واحد ينتج سلطة واحدة، وإنما عن شرعيات ومؤسسات متداخلة: رئاسة وسلطة ومجلس تشريعي ومجلس وطني ولجنة تنفيذية ومنظمة تحرير. ومن يملك القدرة على إدارة العلاقة بين هذه المؤسسات يملك مساحة واسعة للمناورة، حتى إذا خسر معركة انتخابية داخل إحداها.

وماذا لو تأجلت الانتخابات؟

تبقى فرضية أخرى لا يمكن تجاهلها، وإن لم يوجد حتى الآن ما يسمح بالجزم بحدوثها: ماذا لو تأجلت الانتخابات التشريعية؟ التجربة الفلسطينية تجعل السؤال مشروعاً، لكن الأهم هنا ليس محمود عباس وحده، وإنما التحالف الجديد نفسه.

ماذا ستفعل حماس والجهاد والتيار الإصلاحي والقدوة وبقية الأطراف إذا اختفى صندوق الاقتراع الذي جمعهم؟ هل يتحول التحالف الانتخابي إلى جبهة وطنية عريضة تمتلك برنامجاً سياسياً مشتركاً وتطالب بإعادة بناء النظام السياسي ومنظمة التحرير على أسس تمثيلية وديمقراطية؟ أم ينتهي التحالف بانتهاء السبب الانتخابي الذي أدى إلى ولادته؟

الفلسطينيون يحتاجون إلى انتخابات حقيقية وشاملة أكثر من أي وقت مضى، لكنهم يحتاجون معها إلى ما هو أهم: قواعد لا تتغير وفق اللاعبين، وتمثيل لا يُهندس مسبقاً، وصندوق يختار الناس من خلاله ممثليهم، لا عملية تعيد إنتاج موازين القوى القائمة تحت عنوان الانتخابات

هنا سيكون الاختبار الحقيقي، فإذا بقيت هذه القوى متحالفة خارج موسم الانتخابات وقدمت مشروعاً لإعادة بناء المؤسسات الفلسطينية، فنحن أمام تحول سياسي جدي يستحق التوقف عنده. أما إذا تفككت بمجرد تأجيل الانتخابات أو انتهائها، فسيصبح الاستنتاج مؤلماً لكنه بسيط: المصلحة الانتخابية استطاعت أن تجمع ما لم تستطع المصلحة الوطنية جمعه.

الأزمة أكبر من صندوق الاقتراع

ربما تكون المشكلة في النهاية أننا نتعامل مع الانتخابات باعتبارها الحل، بينما هي في أفضل الأحوال أداة من أدوات الحل. فالأزمة الفلسطينية أعمق من غياب صندوق الاقتراع: هناك أزمة شرعية وتمثيل، وانقسام مؤسساتي وسياسي، ومنظمة تحرير تحتاج إلى إعادة بناء، وسلطة تعاني من أزمة عميقة، وغزة مدمرة، وضفة تواجه الاستيطان والضم، وشتات فلسطيني بالملايين يطرح اليوم سؤالاً أساسياً حول كيفية تمثيله ومن يختار ممثليه.

لذلك، لا ينبغي أن يكون السؤال فقط: من سيفوز بالـ132 مقعداً؟ بل من سيختار ممثلي الشتات الـ150؟ وكيف سيُستكمل المجلس الوطني؟ ومن سيملك الأغلبية والنفوذ داخل منظمة التحرير؟ ومن يضع قواعد اللعبة ويملك تعديلها؟ ومن سيملك، في اليوم التالي للانتخابات، حق تعريف "الشرعية الفلسطينية" نفسها؟

لهذا ربما تكون المفارقة الأكبر في المشهد كله أن القوى الفلسطينية استطاعت، عندما اقتربت المقاعد، أن تتجاوز خلافات بدت طوال سنوات وكأنها مستعصية على الحل. وما لم تستطع الحرب والدم والتهجير والخطر الوجودي فعله، قد تفعله حسابات الصناديق في أسابيع.

وهذا ليس سبباً لرفض الانتخابات؛ على العكس، الفلسطينيون يحتاجون إلى انتخابات حقيقية وشاملة أكثر من أي وقت مضى، لكنهم يحتاجون معها إلى ما هو أهم: قواعد لا تتغير وفق اللاعبين، وتمثيل لا يُهندس مسبقاً، وصندوق يختار الناس من خلاله ممثليهم، لا عملية تعيد إنتاج موازين القوى القائمة تحت عنوان الانتخابات. عندها فقط تصبح الانتخابات طريقاً لإعادة بناء النظام السياسي، بدل أن تتحول إلى ملهاة جديدة تتغير فيها التحالفات والأرقام، بينما تبقى الأزمة كما هي.

الجميع اليوم منشغل ببناء التحالفات، لكن السؤال الأهم يبقى: من يملك القدرة على هندسة الملعب؟ وإذا كانت "الكعكة" قد استطاعت أن تجمع ما فرّقته سنوات الحرب والدم والانقسام، فربما يحق للفلسطيني أن يسأل: هل أصبحت الكعكة أهم من الشعب؟


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)

خبر عاجل